|
القاهرة 24 فبراير 2026 الساعة 12:30 م

تحقيق: مصطفى علي عمار
رمضان شهر التجمعات الأسرية، في الوقت نفسه هو موسم للمسلسلات التي تملأ الشاشات، تتنافس القنوات التلفزيونية على جذب المشاهدين بعرض مسلسلات وأعمال درامية متنوعة، وتكثر فيه البرامج الدرامية، وبكل تأكيد لها تأثير كبير على الأسرة عبر التلفاز، فما هو مدى تأثيرها على الأسرة؟ وهل هي تقربنا أم تبعدنا
وما هي معايير الصالح منها والطالح الذي لا يناسب الشهر الفضيل وتجمع أسرة فيها صغار وبنات ومراهقين؟ التقينا بكتاب وأدباء عرب وجاءت أراءهم كالتالي:
-
مختار عيسى: الدراما الفاسدة تصنع مشاهد على مسطرتها وتدمر المجتمع
استهل الكاتب والشاعر نائب رئيس اتحاد كتاب مصر الأسبق مختار عيسى كلامه متأسيا على حال الدراما اليوم موضحا:
لا يتورع المتشدقون بحرية التعبير عن إطلاق قذائفهم التحررية على من يعبر ـ مجرد تعبير ـ عن انزعاجه مما تحدثه الدراما الشائهة التي تصر معامل الإنتاج التلفازي على تقديمها للمستهلك الذي تمت برمجته بفعل عوامل الإنتاج الضخم والتسويق الرأسمالي المتوحش ، لصناعة مواطن يتعامل مع الجريمة والانحراف على أنهما من مألوفات المجتمع العصري، ومن ثم فالإنتاج المتسارع من مسلسلات تقدم البلطجي بوصفه بطلا، والشاذ باعتباره حرا، والداعرة باعتبارها واحدة من مفردات البيئة الفقيرة ومن ثم تبرير سقوطها الأخلاقي.
يضيف: الحقيقة أن الإنتاج الذي لا يرى الإنسان إلا وعاء يعبأ بما يرده صانع الدراما كاتبا أو مخرجا أو حتى ممثلا لا يهمه أن يتفكك المجتمع وتصبح الجريمة بطولة والاستعلاء تعبيرا عن التفوق الطبقي وإذلال المطحونين، ومن ثم يمكن التقاط أحد هؤلاء الفقراء لينتقم ممن دهسوا كرامته وانتهشوا عرضه ؛فيكون الحل المقدم للمشاهد أن العنف هو السبيل الوحيد لتحقيق العدل؛ ما يفرض منهجية تسود بكل تفاصيلها المخزية والمدمرة، وكم من جرائم صرخ منها الشعب المصري المسكين نتيجة تقليد الشباب لما قدمته الدراما في قصور المخدرات والانتهاكات لآدمية البشر خصوصا من الفقراء وتقديم البودي جاردات على طريقة الكاوبوي المتعولم كأنهم صفوة المجتمع وما دورهم إلا حماية اللص والقواد وناهبي أقوات الجموع في صور النجوم وصفوة المجتمع والذي للأسف انزلق إلى هذه الهاوية؛ فقد رأينا تكاريم من مؤسسات أكاديمية ورسمية لمن لم يقدموا إلا الترخص في الكلمة والأداء بعدما تم احتكار السوق الإعلامية والإنتاج لمصلحة اللصوص الكبار .
يختتم: الذي يتصور أن الدراما المقدمة هي صورة الواقع الذي نعيشه واهم قطعا، بل العكس هو الصحيح فالدراما الفاسدة تصنع مشاهدا على مسطرتها وبدلا من تقديم الجريمة في صورة مستهجنة قد تعلي من شأن اللص والنصاب وكأن المجتمع ليس فيه إلا الشوائه
إن "اللمببة" و"السبككة" و"الرمضنة" في نماذجها التي قدمت في السنوات الأخيرة أعظم خناجر الخيانة في خاصرة الوطن، ولا بد من إعلاء شان الرقابة والتي أصبحت ضرورة دون أن تمس ركائز الحرية ؛ فالحرية لا تعني خلع الملابس وتدخين الحشيسش ، واللعب بالمسدسات، وما أحوجنا لكتاب يقدمون القدوة من العلماء والفنانين والكتاب الذين يحرصون على تحقيق معادلة الحرية والالتزام بالقيم العليا وصناعة الفضيلة، وقطعا لا أنادي بالوعظية ولكن للفن وظيفة في بناء الإنسان الحر القادر على التفاعل حتى مع سلبيات مجتمعه بطريقة المقاومة الناعمة والإصلاح لا تسويد اللص والقاتل وتقديم الشائه بالزخارف والألوان والمثيرات التي تدفع الشباب إلى اعتباره أنموذجا يجب تقليده
-
عاشور ذكي أبو إسلام: الإعلام يقوم بدور مؤذي في رمضان
ومن وجهة نظره يرى الكاتب المصري عاشور ذكي أبو إسلام أن الإعلام يقوم بدور مؤذي في رمضان تحت غطاء الترفيه يروّج لمسلسلات إبليسية تحضّ على البلطجة وتقنين الكسب غير المشروع في السلاح والمخدرات والآثار. زد على ذلك التغييب العقلي وتقنين السحر والشعوذة كمسلسل المدّاح.
أمّا برنامج رامز جلال: يخلط بين الهزل واستغفال المشاهدين والمتابعين بمقالب سخيفة لمشخصاتية يمثلّوا علينا وقوعهم في الفخّ، وهم قد قبضوا ثمن السخافة مقدمًا.
لا أتابع المسلسلات حاليا؛ لكن أعلم أنها نفس روايات السنوات السابقة مع تغيير الأسماء والأدوار بنفس الأهداف: تمجيد البلطجة والكسب غير المشروع أمام شباب انقطعت بهم سبل الحصول على عمل شريف يكفيه قوت يومه سواء في العمل الحكومي أو الخاص.
-
د. شاكر صبري: البرامج الرمضانية تؤثر على وعي وثقافة الأسرة المصرية
ويرى د. شاكر صبري أن البرامج الرمضانية تؤثر علي وعي وثقافة الأسرة المصرية فيقول: حينما يقبل شهر رمضان يحدث تحول كبير في مشاهدة التلفزيون عند الأسرة المصرية ويزداد الإقبال على مشاهدة البرامج والمسلسلات بصورة أكبر بكثير منها في الأيام العادية وتلتف الأسرة كلها حول الموائد الرمضانية التلفزيونية، وهناك أوقات ذروة لهذا التجمع وخاصة في الفترات ما بعد المغرب وبعد صلاة التراويح، ربما كثير من السيدات يلزمن المنازل وقت التراويح، فتلتف الأمُّ معَ الأطفالِ أكثر في هذه الأوقات، ثم يأتي دور الشباب والفتيان للفترات المتأخرة من الليل حتى وقتُ السحور، ونلاحظ أيضا أن فترة من العصر حنى أذان المغرب لها بريقٌ خاص لدي الجمهور فنجد أن الكثير من الصائمين يكون قد تفرغ من كلِّ أعمالهِ لشعورِه بالجوعِ وجلوسهِ للتسليَةِ أمامَ التليفزيونِ لمشاهدَةِ بعضِ البرامِج أو المسلسلاتِ التي تجذبها إليه.
يضيف: كنا في زمن الفن الجميل أيام طفولتنا نشعر جمال هذه المسلسلات وبريقها، ولم يكن للتلفزيون سوى ساعاتٍ معدودةٍ من الليل بعدها يتوقف الإرسال، ولكن مع تناول الإفطار كنا نشاهد التلفزيون، ونستمتع بفوازير رمضان والمسلسلات الجميلة التي ننتظرها من حلقةٍ إلي أخرى.
لا توجد مناظر خادشة للحياء، لا توجد ألفاظ خارجة عن المألوف ولا عن العرف العام بل بالعكس البرامج التي تقدم متنوعة ما بين دينية وبين فوازير ومسلسلات كلها هادفة وتحمل مضمونا وتقدم جديدا يلمسه الصغير والكبيرـ لا تهدم الذوق العام بل بالعكس ترفعه وتنميه.
ينتهي المسلسل وننتظر الحلقة التالية لنعرف الجديد علي شغف، بعد الإفطار تتجه الأسرة كلها لقضاءِ وقت السمر أمام التلفزيون لمتابعة الجديد من البرامج والمسلسلات الهادفة ومع ذلك لم تكن هناك سوى قناتين فقط فالحلقات قليلة ولكنها مكثفة وممتعة للجميع.
لا يسأم منها الصغير ولا الكبير مناسبة للبنت والولد والمراهق علي السواء والسبب أنها تحمل رسالة للجميع وهي صناعة الفن الراقي الهادف والبناء.
ولكن مع تقدم الزمن أو نقول تأخر الزمن رجعنا بالتدريج إلى الخلفِ، أصبحت البرامج التي تقدم غير معلومة الاتجاه، حين تبحث عن المضمون أو القيمة التي تقدمها بعض البرامج تجدها بلا قيمة، وأصبحت المسلسلات تحملُ طابعًا تدميريا للمجتمع حين تجعلُ من البطلِ الذي يجذب تعاطف واحترام الجمهور مجرما يخون صاحبه أو يمارس الزنا مع محبوبته باعتبار أن هذا الأمر بينهما أمراً عاديا غير مرفوض اجتماعيا أو دينيا او أخلاقيا.
يكمل: وبدخول الفنوات الفضائية ظهر الفارق الأكبر بين القديم والحديث، بين برامج هادفة لا يقدمها إلا مختصون محترفون متدربون وبين برامج يقدمها أفراد يريدون الشهرة والنجاح والظهور علي شاشات القنوات الفضائية بلا ضوابط أو روابط منهم أنصاف المتعلمين ومنهم أنصاف المثقفين لغتهم مكسورة والكل يلقي باللغة خلف الظهور من أجل الشهرة والنجاح أو تحقيق المكاسب المرجوة من القناة .
ظهرت هناك بعض البرامج الموجهة من قنوات خارجة لملاك ليسوا مصريين وأصبحت هذه البرامج توجه إلي أماكن معينة وتتجاهل مصلحة المجتمع التي توجه إليه رسالتها الإعلامية .
نذهبُ إلى المسلسلات الدِّراميَّةِ، فقد فقدنا الكثيرَ من القيم الأخلاقية التي تحملها مسلسلاتنا إذ أصبحت هذه المسلسلات تمثل الوجبة المسمومة التي يتناولها الجمهور وهو مرغم، البغض يعي بخطورتها وعدم ملاءمتها، ولكنه مع أسرته يتجاوب معها باعتبارها وسيلة من وسائل الترفيه والخروج من الروتين اليومي، أو يعتبرها وسيلة للتعايش مع جو جديد مختلف عن رتم الحياة الممل أحيانا .
والبعض الأخر وهم قليلون يعتزلونها لعدم جدواها ولعدم قيمتها وعدم وجود هادف جاد منها .
ربما ننظر أحيانا إلى العديد من المسلسلات وتعر كاها أنتجت من أجل تدمير أخلاقيات مجتمعنا والسير به نحو طريق الضياع .
أكثر الفئات التي يمكن أن تتأثر بهذه الأخلاقيات الدارجة هم المراهقون الذين يفقدون القدوة يجدون الطريق مفتوحا أمام التشرد والإجرام والبلطجة من ناحية وإلى فقدان الثقة في المجتمع وكل هذا يدفع الشباب إلى طريق الإجرام والرذيلة.
السبب هو عدم وجود رقابة علي المنتج الثقافي الذي يقدم وهو ما يصنع حالة من الفوضى هدفها فقط تحقيق الربح وإشباع نهم الجمهور والحصول علي عدد من المشاهدات فقط.
يختتم: ولهذا فإننا نناشد الدولة أوَّلا بمراقب المنتج الثقافي مراقبةشديدة باعتباره وجبة تقدم للجمهور تحتاج إلى غربلة وتنقية لتخليصها من السموم للوصول بالمنتج الثقافي إلى الجودة التي تلائم ذوق وطبيعة المجتمع المصري خاصة والعربي عامة ونرجو ان يكون الذوق الحضاري والإنساني لنصل بمنتجنا الثقافي إلى العالمية.
أن تقومَ الدولَةُ بإنتاجِ الأعمالِ الدِّراميَّةِ وتشرف عليها بمعاييرٍ مناسبَةٍ لتنتجَ أعمالًا ليس الهدفُ منها الرِّبحَ على حساب الأخلاق ولا على حسابِ الأعرافِ ولا الذَّوقِ العامِ بل يكونُ الهدفُ منها إصلاح الذوق بالعام وإعادة الهوية المصرية إلى مجتمعنا وصناعة الوعي وتهذيبِ المشاعر.
-
يوسف أسونا: المسلسلات تعكس صورة عن المجتمع والقيم السائدة
ويختتم يوسف أسونا الأستاذ الباحث بجامعة محمد الخامس بالرباط كلية العلوم عن تأثير مسلسلات رمضان على الأسرة ويقول: رمضان، شهر التجمع والروحانية، تحول في السنوات الأخيرة إلى موسم هام للمسلسلات التلفزيونية التي تملأ الشاشات العربية. هذه المسلسلات، سواء أكانت درامية أو كوميدية، أضحت جزءاً لا يتجزأ من المشهد الإعلامي خلال الشهر الكريم، ولها تأثير كبير على الأسرة.
من جهة، تلعب المسلسلات دوراً مهماً في تقريب الأفراد من بعضهم البعض، حيث تخلق فرصة للتجمع الأسري والمناقشة حول الأحداث والشخصيات. يجلس الأهل والأبناء معاً، يتشاركون لحظات الضحك والبكاء، مما يقوي الروابط الأسرية ويعزز التواصل بين أفراد العائلة. كما أن بعض المسلسلات تطرح قضايا اجتماعية مهمة، مما يفتح باب النقاش داخل الأسرة حول مواضيع تهم المجتمع.
لكن من جهة أخرى، تعرض بعض المسلسلات قضايا حساسة أو مشاهد غير مناسبة للأطفال، مما قد يؤثر سلباً على الأطفال والأسر. لذا، يجب على الأهل أن يكونوا حذرين ومراقبين لمحتوى المسلسلات التي يشاهدها أبناؤهم، وأن يوجّهوهم نحو البرامج الهادفة والمناسبة لأعمارهم.
المسلسلات كذلك تعكس صورة عن المجتمع والقيم السائدة، بعضها يعزز القيم الإيجابية مثل التسامح والتعاون، وآخرين قد يروجون لمفاهيم غريبة عن المجتمع أو بعيدة عن القيم الأصيلة. هنا يأتي دور الأهل في تفسير ما يعرض وتوضيح الفرق بين الواقع والتمثيل، وغرس القيم الصحيحة لدى الأبناء.
في ظل التطور التكنولوجي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت المسلسلات الرمضانية أكثر تأثيراً، حيث يتم تداول مقاطع منها على نطاق واسع عبر منصات التواصل، مما يزيد من تأثيرها على المشاهدين، خاصة الشباب. لذا، يجب على الأسر أن تكون واعية بما يعرض، وأن توجه أبناءها نحو الاستفادة الإيجابية من هذه المسلسلات.
وعن تأثير المسلسلات على الأطفال يرى أن الأطفال هم الفئة الأكثر تأثراً بالمسلسلات، حيث يميلون إلى تقليد الشخصيات التي يشاهدونها. لذا، يجب على الأهل مراقبة المحتوى الذي يشاهده أبناؤهم، وتوجيههم نحو البرامج التي تعزز القيم الإيجابية وتنمي مهاراتهم.
وعن كيفية الاستفادة من المسلسلات بشكل إيجابي يقول: اختيار المحتوى المناسب: الأهل يجب أن يختاروا المسلسلات التي تناسب أعمار أبنائهم.
المناقشة: مناقشة الأحداث والشخصيات مع الأبناء.
التوجيه: توجيه الأبناء نحو القيم الإيجابية التي تعرض في المسلسلات.
التحكم في الوقت: تحديد وقت معين لمشاهدة المسلسلات لتجنب الإفراط.
وختاماً، تبقى مسلسلات رمضان وسيلة ترفيهية مهمة، لكن الأهم هو الاستفادة منها بذكاء، والتحكم في المحتوى الذي نختاره ونعرضه لأبنائنا. رمضان فرصة لتعزيز الروابط الأسرية، ولنشر الأخلاق الحميدة بين الأبناء. فلنحرص على استغلال هذا الشهر بفعالية في تنمية أسرنا ومجتمعنا نحو الأفضل.
|