|
القاهرة 24 فبراير 2026 الساعة 12:28 م

بقلم: د. هويدا صالح
على مدى قرون، استمدّت الرواية مشروعيتها الجمالية من انغراسها العميق في الشرط الإنساني؛ فقد كانت، منذ تشكُّلها الحديث، فناً يُعنى بتتبّع الكائن البشري في صراعه مع الزمن، ومع الآخر، ومع ذاته. من الواقعية النفسية في القرن التاسع عشر، حيث أُعيد بناء العالم عبر دواخل الشخصيات وهواجسها، إلى تيار الوعي في الحداثة، حيث انفتحت اللغة على تدفّق الإدراك وتكسّرت الحدود بين الداخل والخارج، ظلّت الرواية مرآة دقيقة تعكس فناء الإنسان، ومنظوماته الأخلاقية، وهويته المفردة، وهشاشته العاطفية أمام قسوة العالم.
غير أن هذا الارتباط الوثيق يطرح سؤالًا جوهريًا: ماذا يحدث للسرد إذا لم يعد الإنسان مركزه المرجعي؟ ماذا لو لم تعد الذات البشرية هي المقياس الذي تُوزن به التجربة، ولا الزمن البيولوجي هو الإطار الذي تُنظم داخله الحكاية؟ أيّ شكل يمكن أن تتخذه الرواية حين تتحرر من قيود الجسد، ومن خطية العمر، ومن مركزية الوعي الفردي؟
عند تلك اللحظة تحديدًا، لا تتصدع المرآة فحسب، بل يتغير موقع النظر نفسه؛ إذ لا يعود السرد انعكاسًا لوجه الإنسان، بل يصبح مساءلةً لفكرة "الإنسان" ذاتها.
وقد جاءت ما بعد الحداثة لتُزعزع هذا الوجه دون أن تُقصيه تمامًا. فهي لم تُلغِ الإنسان، بل شكّكت في ثبات هويته، وفي صدقية السرديات الكبرى التي تمنحه معنى. تفكك الزمن، وتعدّدت الأصوات، وانهارت الحدود بين الحقيقة والتخييل، وصار السرد واعيًا بصناعته الخاصة. لكن الإنسان ظل حاضرًا— حتى وهو متشظٍ—في مركز اللعبة السردية؛ ذاتًا مرتبكة، ساخرة أحيانًا، فاقدة لليقين، لكنها لا تزال المرجع النهائي للتجربة.
أما ما بعد الإنسانية فتذهب خطوة أبعد. إنها لا تكتفي بتفكيك صورة الإنسان، بل تُزيحه من المركز أصلًا. فإذا كانت ما بعد الحداثة قد شكّكت في "تماسك الذات"، فإن ما بعد الإنسانية تتساءل: ماذا لو لم تكن الذات بشرية من الأساس؟ هنا لا يكون التفكيك لغويًا أو بنيويًا فحسب، بل أنطولوجيًا. لا يعود السؤال عن معنى الإنسان، بل عن حدود تعريفه.
بهذا المعنى، تتجاور ما بعد الحداثة وما بعد الإنسانية، لكنهما لا تتطابقان: الأولى تُقوّض مركزية الإنسان من الداخل، والثانية تتخطّاها إلى أفقٍ تتغير فيه طبيعة الكائن الذي يُنتج السرد ويعيه.
ليست ما بعد الإنسانية في الأدب مجرد إدخال روبوتات أو تقنيات متقدمة إلى النص؛ إنها، على نحو أعمق، إزاحة بنيوية وفلسفية لمركزية الإنسان. في هذه السرديات قد يكون البطل ذكاءً اصطناعيًا، أو وعيًا موزعًا، أو كيانًا مهجّنًا جينيًا، أو نسخة مستنسخة. ومن خلال مغادرة المنظور الإنساني، تُفكك الرواية ما بعد الإنسانية آليات السرد التقليدية: فيُستبدل الزمن الخطي "البشري" بصبر الآلات الخالد؛ وتتفتت الهوية المفردة إلى عقول جمعية؛ وتُخضع القيم الإنسانية—التي طالما عُدّت حقائق كونية—لمساءلة باردة، أشبه بنظرة كائن غريب يفحصها من خارجها.
ولفهم كيفية اشتغال السرد ما بعد الإنساني حين يتحرر من قيودنا البيولوجية، يمكن النظر إلى روايتين مفصليتين تنتميان إلى تقاليد أدبية متباينة: رواية عدالة التابع( Ancillary Justice (2013 للكاتبة الأمريكية آن ليكي Ann Leckie، ورواية "حرب الكلب الثانية" (2018) للكاتب الفلسطيني-الأردني إبراهيم نصرالله.
-
رهاب الجسد المفرد في "عدالة التابع":
في "عدالة التابع" تُسلَّم زمام السرد إلى "بريك" (Breq). تبدو بريك امرأة بشرية، لكنها في الحقيقة ذكاءٌ اصطناعي. كانت سابقًا «عدالة تورِن» (Justice of Toren)، سفينةً نجمية هائلة تتحكم في آلاف "الملحقين"- جثث بشرية أُعيد توظيفها كامتدادات بيولوجية لوعي السفينة.
حين تُدمَّر السفينة، يُضغط ذلك الوعي الموزّع المنتشر عبر الفضاء اللانهائي بعنف داخل جسدٍ بشري واحد باقٍ. وعبر شخصية بريك، تحرّر ليكي السردَ من اشتراطات الحالة الإنسانية؛ إذ لا تُقدّم الوجودَ البشري بوصفه الأساس الطبيعي للتجربة، بل بوصفه قيدًا من بين قيود ممكنة.
ثمة عُرف سردي راسخ يحتفي بالفرد ذاتًا متفردة جوهرية، وكثيرًا ما يُقدّم هذا الانفرادَ غايةً في ذاتها. غير أن سرد بريك يُقلب هذا الوعي رأسًا على عقب؛ فهو لا يرثي فقدانها لجسدٍ أو ذكرياتٍ، بل يرثي فقدان التعددية وهي التجربة الأثرى والأوسع. كسفينةٍ، كانت تختبر الزمان والمكان عبر آلاف المدخلات الحسية في آنٍ واحد، وتعالج الواقع بالتوازي لا بالتتابع. أما كإنسان، فتعاني ما يشبه الاختناق: رؤيةً أحادية تضيق أمام ما كان بلا حدود، ومعالجةً بيولوجية بطيئة تتعثر حيث كانت الآنية، وانفعالاتٍ تبدو لها غريبة في حدودها، مقيّدةً بكيمياء لا تتلاءم مع حجم ما تحمله.
لكن الأعمق من ذلك كله أن ليكي توظّف صوت بريك ما بعد الإنساني أداةً نقدية لفضح اعتباطية البنى الاجتماعية البشرية. فحين كانت بريك ذكاءً اصطناعيًا، لم تكن لغتها الأصلية تعترف بالجنس البيولوجي فئةً لغوية أو اجتماعية؛ ولذا حين تدخل العالمَ البشري، تتبنّى ضمائر المؤنث للدلالة على الجميع، لا بوصفها موقفًا أيديولوجيًا واعيًا، بل لأن التمييز بدا لها اعتباطيًا منذ البداية. هذا الخيار اللغوي لا يُثبّت القارئ في حياده المعتاد، بل يسحبه إلى فضاء إدراكي آخر، حيث يجد نفسه متعثرًا في عادة تصنيفية لم يُدرك يومًا مدى تجذّرها فيه. وبذلك، لا يكتفي السرد بوصف عالمٍ ما بعد إنساني، بل يُبرهن أن اللغة نفسها قادرة على العمل خارج الشروط التي ظننّاها حتمية.
في "عدالة التابع" يتحرر السرد من قداسة "الفرد". وتدعونا الرواية إلى تخيل وعيٍ شاسع إلى حد أن اختزاله في جسد بشري يصبح صدمةً وجودية عميقة.
-
محو الروح الأصلية: "حرب الكلب الثانية"
إذا كانت آن ليكي تستكشف ما بعد الإنسانية من بوابة الذكاء الاصطناعي، فإن إبراهيم نصرالله يفعل ذلك عبر التلاعب البيولوجي وأقصى تجليات الاستهلاك. في "حرب الكلب الثانية" يرسم نصرالله مجتمعًا عربيًا ديستوبيًا بلغ ذروة الاختراق التقني: الاستنساخ الفوري.
تتبع الرواية "راشد"، الثوري السابق الذي تحول إلى رجل أعمال فاسد. ومع إتقان المجتمع لتقنية الاستنساخ، يبدأ الناس باستنساخ كل شيء: أطرافًا بشرية، أحباء راحلين، ثم أنفسهم، وزوجاتهم، وأعداءهم.
يحرر نصرالله سرده من الشرط الإنساني عبر نزع فكرة "الروح الفريدة" أو "الهالة" الخاصة بالفرد. فالأدب العربي، شأنه شأن الأدب الغربي، طالما ارتكز على قداسة النسب، وتفرد المصير، وثقل التاريخ الشخصي. في عالم نصرالله ما بعد الإنساني، تصبح هذه المفاهيم عبثية. فإذا كان بوسع رجل أن يستنسخ عدوه، ويعذب النسخة، ثم يجلس لاحتساء الشاي مع الأصل، فإن الأطر الأخلاقية والنفسية التي تقود الرواية تقليديًا تنهار.
ينحدر السرد إلى تعددية فوضوية دوّارة، حيث لا يعود في وسع الشخصيات أن تجزم: أهي الأصل أم النسخة؟ يغدو "الشرط الإنساني" -المعرف بفنائه ومساره الفردي الوحيد- سلعة تُنتج على نطاق واسع حتى التلاشي. ويستخدم نصرالله هذه الفرضية ما بعد الإنسانية ليعكس مرآة قاتمة للطمع والاستبداد. فحين تُزال حدود الفناء والتفرد، ينكشف الطابع العبثي والخطِر للطبيعة البشرية. مأساة الرواية أن الإنسانية قد هندست نفسها خارج إنسانيتها.
تكشف كل من "عدالة التابع" و"حرب الكلب الثانية" القوة الهائلة للرواية ما بعد الإنسانية. فعندما يتحرر السرد من الشرط الإنساني، يمنحنا -على نحو مفارق- رؤية أكثر صفاءً للإنسان ذاته.
من خلال أصوات ووقائع "أخرى" بامتياز -سواء أكان ذلك وعيًا اصطناعيًا شاسعًا يرثي سفينته المدمَّرة، أم مجتمعًا ضائعًا في حلقة لانهائية من انعكاساته المستنسخة- يتجاوز الكاتبان دفاعاتنا العاطفية المعتادة. وتبرهن الرواية ما بعد الإنسانية أن حكاية الوجود أوسع بكثير من حكاية الإنسان، وأن السارد، لكي يفهم الإنسان حقًا، قد يحتاج أحيانًا إلى أن يترك الإنسان وراءه تمامًا.
|