|
القاهرة 22 فبراير 2026 الساعة 11:00 م

بقلم: محمد خضير
ليس من السهل أن يبلغ حدث ثقافي ثلاثين دورة دون أن يفقد دهشته الأولى.. لكن ما جرى في ختام سيمبوزيوم أسوان الدولي للنحت بدا أقرب إلى إعادة اكتشافه لا الاحتفال بعمره.. فاللحظة لحظة تأمل في معنى أن تستمر فكرة فنية ثلاثة عقود داخل زمن سريع الاستهلاك.
واختيار الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة أن يكون أول حضور رسمي لها بعد توليها حقيبة وزارة وزارة الثقافة من قلب أسوان يحمل دلالة ثقافية أكثر منه إدارية؛ فالبداية من الجنوب ليست جغرافيا، بل فلسفة: الثقافة المصرية لا تبدأ من العاصمة بل من المصدر… من الحجر الأول.
* حدث لا يشبه المهرجانات:
معظم الفعاليات الفنية تُقام لتُشاهد، ثم تُطوى.. أما هذا السيمبوزيوم فيُقام ليبقى.. هنا لا يُعرض الفن بل يُنتج أمامك، ولا ينتهي بانطفاء الأضواء بل يبدأ بعدها.. المعرض الحقيقي يبدأ بعد الختام، حين يخرج الزائر إلى المتحف المفتوح ويكتشف أن كل دورة لم تكن احتفالًا، بل إضافة دائمة إلى مدينة تتشكل.. إنه أقرب إلى مشروع عمراني روحي؛ مدينة تُبنى بالنحت لا بالإسمنت،
وبالخيال لا بالمخططات.
* من فكرة فنان إلى ذاكرة وطن:
عندما أطلق الفنان والنحات العالمى آدم حنين، "رحمه الله" المشروع عام 1996، لم يكن يقترح مهرجانًا بل يقترح سؤالًا:
هل يمكن أن يعود النحت المصري ليُمارس فوق أرضه لا داخل قاعات العرض؟ ثلاثون عامًا بعد ذلك، تبدو الإجابة قائمة في الصحراء: مئات الأعمال تحت السماء، بلا حراسة، بلا زجاج، بلا مسافة بين الفن والحياة.. هذا النوع من الفن لا يستهلكه الجمهور؛ بل يتعايش معه.. والفرق جوهري بين أثر يُزار وأثر يُعاش.. فالثقافة حين تصبح سياحة من نوع آخر
* رؤية للتاريخ:
العالم اليوم لم يعد يسافر فقط ليرى التاريخ، بل ليشهد الحاضر.. والسائح الثقافي الجديد يبحث عن تجربة لا صورة.. يريد أن يرى الفنان يعمل، أن يسمع صوت المطرقة، أن يلمس غبار الحجر.. وهنا تكمن قوة أسوان: ورشة حضارية مفتوحة.. وإذا أُعيد تقديم السيمبوزيوم عالميًا بوصفه تجربة معيشة لا عرضًا فنيًا، فسيدخل تلقائيًا إلى خريطة السياحة الدولية بوصفه مقصدًا فريدًا: مكان يمكن فيه مشاهدة «صناعة التراث» لا التراث فقط.
* تكريم الراحلين… تثبيت للهوية:
حين كُرّم اسم الفنان صلاح مرعي إلى جانب النحات آدم حنين، بدا المشهد وكأنه اعتراف بأن العمل الفني لا يصنعه النحات وحده، بل الصورة أيضًا.. فالسيمبوزيوم لم يُبنَ بالحجر فقط، بل بالعين التي علمتنا كيف نراه.. والتكريم إذن لم يكن وفاءً شخصيًا، بل إعلانًا أن الهوية الفنية جماعية، وأن المشروع الذي يعيش ثلاثين عامًا هو مشروع شارك فيه كثيرون حتى لو غابوا.
* حين يغني الصوت للحجر:
وبالتالي لابد من الإشارة إلى دور صندوق التنمية الثقافية بقيادة المعمارى حمدى السطوحى، وفريق العمل بالصندوق والفنانين فى القدرة على خروج ختام عالمى للسمبزيوم والدورة الـ 30، وتنظيم حفل الختام بصوت السوبرانو أميرة سليم والتى تمثل قراءة رمزية للمشهد: الفن الأكثر رهافة يقف وسط الفن الأكثر صلابة.. الصوت يمر ويختفي، والحجر يبقى.. لكن المفارقة أن الاثنين يصنعان الأثر ذاته: الخلود.. كان المشهد أقرب إلى استعارة بصرية: الحضارة لا تُبنى بالمادة وحدها، بل بالروح التي تمنحها معناها.
* ثلاثون دورة… لحظة تحول لا احتفال:
عادةً ما تكون الأرقام المستديرة مناسبة للحنين، أما هنا فهي مناسبة للمستقبل.
السيمبوزيوم تجاوز مرحلة إثبات الوجود، ودخل مرحلة السؤال الأكبر: ماذا بعد الاستمرار؟ الإجابة ليست في زيادة عدد الفنانين فقط، بل في إعادة تعريفه عالميًا: من ملتقى فني إلى منصة معرفة، من حدث سنوي إلى وجهة دائمة،
من نشاط ثقافي إلى علامة لمصر المعاصرة.. معنى أن يبدأ الوزير من هنا..
الرسالة التي خرج بها الحفل بسيطة وعميقة: فالثقافة تعد مدخلًا للتنمية والهوية والسياحة معًا.. وحين يبدأ المسار الرسمي من موقع إنتاج فني حي، فذلك إعلان أن الرهان في المرحلة المقبلة على الإبداع لا الاستهلاك، وعلى تقديم مصر كدولة تصنع الجمال الآن لا تحرسه فقط.
وأخيرا وليس بآخر.. ما يبقى بعد انصراف الجمهور، تنتهي الاحتفالات، يغادر الضيوف، تُطفأ الأضواء… لكن المنحوتات تظل في مكانها تواجه الشمس كل صباح.. وهناك، في الصمت، يتحقق المعنى الحقيقي للسيمبوزيوم:
أن الثقافة ليست ما يحدث ليلة الافتتاح أو الختام، بل ما يبقى بعدهما.. ولهذا تحديدًا يختلف هذا الحدث عن غيره؛ إنه لا يقاس بعدد الحضور ولا بزخم التغطية، بل بعدد السنوات التي ستقف فيها هذه الأعمال شاهدة أن جيلًا من المصريين لم يكتفِ بأن يرث حضارة… بل قرر أن يواصلها.
|