|
القاهرة 22 فبراير 2026 الساعة 10:52 م

بقلم: أحمد محمد صلاح
ولد فرانسيس بيكون 22 يناير 1561 في فترة تعد لحظة مفصلية في تاريخ انجلترا ، فالرجل سليل عائلة عريقة في السياسة، يقول عنه يوسف كرم في كتابه تاريخ الفلسفة الحديثة: "كان أبوه السير نكولاس بيكون يتربَّع في منصبٍ من أسمى مناصب الدولة، وكان نابغًا نابهًا ذائع الصِّيت واسع الشُّهرة، فإن يكن قد خَفَت اسمُه فما ذاك إلا لأنَّ ذِكر ابنه قد طغى عليه، فبدَّدَه في ظلاله كما يقول ماكولي الكاتب الإنجليزي المعروف: فكأنما كانت أُسرة بيكون تسير نحو العبقرية صاعدةً جيلًا بعد جيل، حتى بلغَتْ الذُّروة في فرنسس بيكون. وكانت أمُّه سليلة بيتٍ عريق، حصَّلت من العِلم وأصول الدين قدرًا محمودًا، فأخذت تُرضِع ابنها من رحيق علمها الواسع، ولم تدَّخر وسعًا في تنشيئه وتكوينه منذ نعومة أظفاره لتُخرج منه رجلًا قويًّا. ولمَّا بلغت سِنُّه الثانية عشرة أُرسِل إلى جامعة كامبردج، حيث لبث أعوامًا ثلاثة، ترك الجامعة بعدَها ساخطًا ناقمًا على مادة التدريس، وطريقته على السواء، فقد كرِه ذلك الجدل الفارغ العقيم الذي لا ينتهي في أغلب الحالات إلى شيءٍ ذي غناء، وصحَّت منه العزيمة — وهو ذلك اليافع الصغير — ألا يدَّخِر مجهودًا في إنقاذ الفلسفة من ركودها الذي كان يدنو بها إلى جمود الموت، وصمَّم أن ينقل جذورها من أرض «المدرسيَّة» الجَدبة القاحِلة فيغرسها في تربة أغنى وأخصب، إلى حيث تكون الفلسفة سبيلًا إلى خير الإنسان وسعادته".
وكانت الحالة السياسية لانجلترا في تلك الفترة مزدهرة، بعد اكتشاف الأمريكتين، تحولت التجارة الي الأسواق الجديدة في تلك البقعة الجديدة من العالم، وتخلصت انجلترا من اقوي منافسيها عام 1588 بعد أن دمر الأسطول الأسباني بكامله، فاصبحت انجلترا فقط هي المسيطرة علي ساحة التجارة العالمية.
وبطبيعة الحال انتقلت انجلترا مع هذا الازدهار التجاري وكذلك مع الحركة العلمية بدء التصنيع إلى اتساع التجارة الانجليزية اتساعا كبيرا، وفي ذلك يقول يوسف كرم:
"فاتَّسع نطاق التجارة الإنجليزية اتساعًا فسيحًا، وخفقَتْ أعلامها على مُتون البحار من أقصى الأرض إلى أقصاها، وأخذت مُدنها تعجُّ بالصناعة وتزخَر، وبدأ ملَّاحوها يطوفون حول الأرض روَّادًا كاشفين. وقد شاء الله ألا يكون نهوض الأمة الإنجليزية في عصرها الذهبي مقصورًا على انتعاش التجارة، وازدهار الصناعة، وارتقاء الملاحة، بل اتَّسَع حتى شمل الآداب التي أينعَتْ وبلغت أقصى ذُراها، وناهيك بعصر يتغنَّى فيه بالشِّعر والأدب شكسبير، ومارلو، وبِن جونسون، وسبنسر، وغيرهم عشرات وعشرات من أئمة القلم وأرباب البيان".
ونعود إلى فرانسيس بيكون وسيرته الذاتية، حيث انخرط بيكون في الوظائف الحكومية السياسية وهو لم يبلغ السادسة عشرة من عمره، فشغل منصبا في السفارة الانجليزية في فرنسا، ولكن حوادث القدر كانت في اتجاه آخر، فقد توفي أبوه فجأة، وهرع بيكون الابن إلى لندن فلم يجد ورث أبيه، فعاني قليلا من شظف العيش، وبدا يتوسط لدي اقربائه في العمل بأي منصب سياسي يعوض به حالته الصعبة.
وفي عام 1583 انتخب عضوا في مجلس النواب، وعرف عنه بلاغته وحكمته، وأصبح سياسيا كبيرا يخوض معارك السياسة بقوة.
وفي عام 1595 أهداه صديق له ضيعة واسعة درت عليه ثروات طائلة وفي هذه الحكاية يقول يوسف كرم:
"وكانت هذه الهِبة العظيمة من ذلك المُحسِن الكريم جديرة أن تأسِر بيكون، ولكن حدَث لهذا الصديق الواهب أن فترَتْ بينه وبين الملكة إليصابات ما كان بينهما من روابط وصِلات، واستحكَمَت بينهما الخصومة واشتدَّ النفور، فدبَّر إسكس هذا مؤامرة خفية يريد بها أن يزجَّ الملكة في ظلمات السجن، ثم يرفع إلى العرش ولي عهدها. وكاشَفَ إسكس بيكون بما صحَّت عليه عزيمته، وهو لا يشكُّ أنه إنما يُكاشِف صديقًا مُحالفًا سوف يتفانى في مظاهرته وتأييده، ولكنه لَشدَّ ما دهش حين أجابه بيكون باحتجاجٍ صارخ على هذه الجناية الشائنة ضدَّ مليكة البلاد، وبإنذاره أنه سيُؤثِر ولاءه للملكة على عرفانه للجميل".
ومضى إسكس فيما هو ماضٍ فيه، ساخطًا على بيكون أشدَّ السخط لهذا الجحود المُنكر، ولكن مؤامرته فشلت وقُبض عليه، ثم أُطلق سراحه، فحشد جيوشًا مسلحة، وسار بها إلى لندن، وحاول أن يُشِبَّ الثورة بين أهلها، وهنا خاصمَه بيكون خصومةً عنيفة، وأخذ يقاومه ويُعارضه ويؤلِّب عليه القوم، فاندحر إسكس وقُبض عليه للمرة الثانية، وكان بيكون قد تربَّع في منصبٍ كبير في القضاء، فلم يتردَّد في اتهام الرجل الذي أكرمه وأحسَنَ إليه حتى حُكِم عليه بالموت.
وضع بيكون أساس المذهب التجريبي ومن مفارقات القدر أن يموت وهو يحاول إثبات مذهبه، ففي عام 1626 وكان مسافرا إلى إحدى البلدات القريبة كان يفكر في طريقة حفظ اللحم بالتبريد، فنزل من عربته واشتري دجاجة وملها بالثلج حتي يجرب كم يوم ستبقي دون أن تفسد، ولكن داهمه مرض مفاجئ وتوفي في أبريل من نفس العام، وكان آخر ما كتبه وعمره خمس وستون عاما «إنني أضع رُوحي بين يدي الله وليُدفَن جسدي في طيِّ الخفاء، وأما اسمي فإني باعِثٌ به إلى العصور المُقبلة وإلى سائر الأمم».
|