|
القاهرة 22 فبراير 2026 الساعة 10:48 م

قصة: مصطفى علي عمار
من أهم مظاهر الاحتفال بشهر رمضان في زهرة عبر العصور هي السهرات الرمضانية لتلاوة وسماع آيات الذكر الحكيم في غالبية المنازل والمنادر والدواوين، ترتيلا وقراءة وسماعا فمنذ القدم وقبل انتشار المدارس، كانت قرية زهرة معروفة بأنها بلد الأولياء، وبها مقامات كثيرة لأولياء الله الصالحين، وفي قبورها القديمة رفات لأبناء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين دخلوا زهرة في عصر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
رجالها مشايخ وعلماء أجلاء، و شخصيات مرموقة ونساء فضليات عبر الزمن والقرية تعرف أيضا ببلد القرآن، منارة لتعليم القرآن الكريم تضم مشايخ وعلماء ورجال دين عبر عصورها يدرسون العلم والقرآن فيها، وكانت مقصد القرى المجاورة لتحفيظ أبناءهم القرآن الكريم عن طريق كتاتيب زهرة المعروفة على مستوى المحافظة، ومن أشهرها في القرن العشرين كتاب مسجد المصلحية... والذي أسسه الشيخ حسين طنطاوي في شهر ذو القعدة عام 1331 هجري، أكتوبر 1913 ميلادي وكان حريصا أن يكون الكتاب في الدور الثاني للمسجد كمؤسسة أولى للكتاتيب لها مقر رسمي (المسجد العتيق بالقرية).
ومن أشهر من تخرج في كتاب قرية زهرة في الثلاثينيات قارئ الإذاعة الشيخ عبد العزيز البرجيني والذي كان يأتي مع زملاءه من قريته البرجاية ومن القرى المجاورة لزهرة لحفظ القرآن الكريم على يد مشايخ وعلماء زهرة الأجلاء. وبرغم الحياة البسيطة في قرية زهرة إلا أنها منذ نشأتها وهي بلد تحفيظ القرآن والعلم والعلماء، ويرجع البعض هذا إلى أن كل سكانها مسلمين ويرجع أصلهم إلى ما ذكر في بعض كتب فتوح البهنسة أنهم أحفاد بني زهرة بن مر أخوال النبي صلى الله عليه وسلم. فمنذ تعميرهم لأرض زهرة وهم يحفظون القرآن الكريم ويتوارثونه أب عن جد حتى أصبحت زهرة منارة لتحفيظ القرآن الكريم.
وفي حقبة الخمسينات والستينات في منتصف القرن العشرين، كانت تهيء القرية للسهرات الرمضانية بإضاءة القرآن الكريم في المنازل والمنادر والدواوين، كانت الأهالي تستعد بإنارة المصابيح في الشوارع بقدر استطاعتها. وأنوار القرية تضاء بقدر المستطاع في البيوت والشوارع، بأنوار المصابيح القديمة التي تشتعل بالكيروسين، أو الفوانيس الكبيرة، أو بالكلوبات، "المصباح أبو رتينة". كان مصباح "الكلوب" في هذا التوقيت يعد ابتكارًا راقيًا، حيث كان يحتضن بداخله الرتينة المصنعة من خيوط الحرير الطبيعي الناعمة... هذا المصباح الأنيق، الذي يعمل بالكيروسين كمصدر للطاقة، كانت الرتينة تُوقد لتعزز سرعة انتشار ضوئه ولمعانه.
في قرية زهرة، كانت الإضاءة مثل قرى الريف المصري وأنحاء الصعيد. كانت لمبة الجاز، المعروفة بـ"أم فتيل" أو "البنورة" رقم "5" أو "10"، رفيقة السكان من الفئات الفقيرة أو المتوسطة. بينما ارتبط مصباح الكلوب، أو كما يُعرف بـ"المصباح أبو رتينة"، بالترف والمكانة الرفيعة، حيث كان يُستعمل أساسًا من قِبل الأثرياء في المجتمع.
وكانت الأهالي تستعد في رمضان بزيادة الإنارة في البيوت والشوارع ومضاعفتها، وتضع بعض الكلوبات في المنادر والمنازل وأمام المنازل للمارة. ولكن، كان استعداد بيت الأفندي في زهرة لليالي رمضان والذكر والقرآن، هو الاستثناء. في شهر رمضان، كانت إضاءته بقراءة وترتيل القرآن وأنوار المصابيح الكهربائية تفوق كل البيوت والشوارع، وكأنه القمر في القرية حوله النجوم.
فمن هناك، على أول القرية من الناحية البحرية الغربية، تشع منه أنوار المصابيح الكهربائية، حتى السور المطل على الجسر من الناحية الغربية تتلألأ عليه أنوار المصابيح الكهربائية أمام المارين على الطريق الرئيسي للقرية. وفي البهو من الداخل ومن كل اتجاه. وفي الساحة الواسعة أمام بوابته من الناحية الشرقية تجاه مساكن أهالي القرية (ساحة البركة)، فتتزين بالحبال المعلقة بالمصابيح الكهربائية من كل اتجاه.
لم تكن الكهرباء قد دخلت إلى القرية في هذا التوقيت، في بداية الخمسينات حتى الستينات. وكانت القرية تعتمد على إنارة المصابيح بالمنازل أو بالشوارع، أو لمبات الزجاج أو العويل التي تشتعل بالكيروسين. وكان ضوؤها بالكاد يجعل المار في الطريق يرى أمامه مسافة متر أو مترين فقط.
ولم يكن سوى منزل الأفندي الذي به أنوار من لمبات كهرباء، والتي يغذيها مولد كهرباء كبير يعمل داخل السرايا بالكيروسين، كان يطلقون عليه (بابور النور). تضاء منه السرايا وما حولها على طريق الجسر الغربي ناحية الترعة والمكان الفسيح من الناحية الشرقية للسرايا المعروف بالبركة، أمام بوابة السرايا.
هكذا كانت إضاءة بيت الأفندي في شهر رمضان، رمزًا للذكر وللألفة والمحبة واجتماع الذاكرين العابدين، ورمزًا أيضًا للترف والرفاهية، ومصدرًا للفخر والاعتزاز لأهل القرية. فلم يكن هناك زحام في البلد أو ضجيج في الشوارع من سيارات ودراجات بخارية أو اصوات للأجهزة الكهربائية التي تلوث المسامع، مثل الآن، فكان صوت القرآن الكريم من ميكروفون السرايا يجلجل في القرية كلها، بل وقد تسمعه القرى المجاورة يتردد صداه في سماء قراهم.
كان الأفندي شيخ من مشايخ القرية (شيخ الحصة البحرية)، كريمًا في عصره وزمانه في هذه القرية أطلقوا عليه (البيه). كان مهاباً وجيهاً ثرياً ذا ثروة وأراضي معروفاً في دائرة المنيا مشهوراً بسخائه وكرمه وضيافته للكل كبيراً وصغيراً فقيراً وغنياً، كان منزله قبلة يتوجه إليه كل الناس قريبا أو غريبا صديقا او محبا أو محتاج فيعطى.
فكان محباً لقريته معطاءً لها، معروفا بسخائه وكرمه واستقباله الأهالي في ضيافته وأعمال الخير للفقراء، ومساندتهم وإحياء ليالي شهر رمضان بكبار المقرئين في منزله الذي كان بمثابة سرايا، واستقبال الأهالي لسماع التلاوة يومياً في جو عائلي بهيج يجمع القرية على قلب رجل واحد.
وكانت شهرته مرتبطة بقريته، زهرة في زمانه. فهو الوحيد في القرية من بين القرى المجاورة لقرية زهرة الذي حصل على لقب رسمي من القصر الملكي المصري (لقب الأفندية).
فكانت سرايا الأفندي في شهر رمضان الكريم تفوق كل السهرات الرمضانية التي تقام في القرية أو القرى المجاورة، وتستعد ويشمر كل من فيها رجال ونساء وكان أبناؤه يشمرون عن سواعدهم أيضا
لإحياء شهر رمضان ولياليه لتجهيز الأطعمة والمأكولات لتقديم وجبة الإفطار لكل الوافدين أو من يقصد السرايا ووجبات السحور، فكثيراً ما يجتمع الفقراء والمحتاجين كل يوم وليلة بالسرايا لتناول الإفطار والسحور مع الأفندي.
وكانت المساجد في القرية تعتمد على صوت المؤذن من فمه مباشرة، فلا توجد وقتها ميكروفونات إلا في السرايا، كان الميكروفون يعلق في أعلى مكان فوق السرايا... حتى أن أذان المغرب كانت تنتظره الأهالي من ميكروفون السرايا حتى يفطر الجميع في منازلهم.
وطوال مدة الشهر الكريم، يأتي قارئ قرآن كريم من القاهرة من كبار القراء، قد تعاقد معه الأفندي لإحياء الشهر الكريم من بعد صلاة العشاء حتى السحور، تجتمع أهل القرية كلها كبير وصغير هناك أمام السرايا في ساحة البركة لاستماع القرآن الكريم.
وطوال مدة الشهر الكريم، يأتي قارئ قرآن كريم من القاهرة من كبار القراء، قد تعاقد معه الأفندي لإحياء الشهر الكريم من بعد صلاة العشاء حتى السحور، تجتمع أهل القرية كلها كبير وصغير هناك أمام السرايا في ساحة البركة لاستماع القرآن الكريم.
وكان وقتها الشيخ محمد حسن، المعروف بصوته العذب، والذي حفظ الأهالي اسمه وشكله وصوته واستمراره كل عام بإحياء ليالي رمضان بالقرآن الكريم في سرايا الأفندي.
وفي جو عائلي كبير، تلتف كل القرية حوله كبير وصغير تحت أضواء المصابيح الكهربائية في ساحة البركة أمام السرايا، وكأنها ساحة في المدينة، لاستماع تلاوته لكلام الله من المقرئ، وهو يقرأ في الميكروفون الذي كان في هذا الوقت شيء يفوق الخيال أن يسمع الناس التلاوة من الميكروفون.
هكذا كانت ليالي رمضان في سرايا الأفندي بزهرة، تجمع بين الفقراء والأغنياء، الكبار والصغار، في جو عائلي بهيج، يجمعهم حب القرآن الكريم، وصوت الشيخ محمد حسن العذب، الذي كان يقرأ القرآن الكريم من بعد صلاة العشاء حتى السحور.
والأفندي يجلس في صدر المجلس، يحيي الجميع مرحباً بهم حريصاً على كرم الضيوف، واستقبال الأهالي ببشاشة وجه، وتقديم لهم المشروبات والأطعمة. حريصاً بنفسه على أن يكون كل شيء جاهزاً للضيوف، من أطعمة ومشروبات، وكان الفقراء والمحتاجين يجدون في سرايا الأفندي ما يسد جوعهم، ويروي عطشهم.
ومن العام للعام، القرية كلها تنتظر قدوم الشيخ محمد حسن، لاستماع تلاوته لكلام الله، وكان الأطفال يلعبون في ساحة البركة، والكبار يجلسون على المصاطب وعلى الدكك والكراسي، ومنهم من يفترش الأرض ليأخذ راحته وتمديد أرجله، يستمعون إلى القرآن الكريم، في جو روحاني جميل.
حتى أصبحت سرايا الأفندي في رمضان، مكاناً للتجمع، ومكاناً للروحانية، ومكاناً للحب والتعاون، كانت القرية كلها تجتمع هناك، لتكون تحت راية واحدة، في جو عائلي كبير، يجمعهم حب الله، وأخوة أبناء البلد في حب القرآن الكريم.
|