|
القاهرة 17 فبراير 2026 الساعة 04:20 م

بقلم: د. هويدا صالح
في زمنٍ باتت فيه الهواتف الذكية امتدادًا عصبيًا لأجسادنا، ينهض عرض "سكرولينج" بوصفه مساءلة مسرحية جادة لظاهرة الاستلاب الرقمي. ينطلق العرض من فرضية واضحة وصادمة: أن الموبايل لم يعد أداة، بل سلطة خفية تستولي على الوقت والوعي والعلاقات، وأن الجري وراء "الترند" تحوّل إلى هوسٍ جماعي يهدد المعنى ذاته. هكذا يصبح «سكرولينج» مواجهة فنية مع هذا العدو الناعم؛ لا عبر خطاب مباشر أو وعظي، بل عبر بناء مسرحي يكشف آليات الاستلاب الأخلاقي والنفسي الذي تصنعه وسائل التواصل الاجتماعي.
غير أن القيمة الأبرز في العرض لا تكمن في موضوعه وحده، بل في الطريقة التي صيغ بها: روح الجماعة التي أتاحتها ورشة الكتابة، والرؤية الإخراجية التي تبناها خالد جلال، فحوّلت الورشة إلى مختبر حقيقي لإنتاج المعنى المشترك.
ورشة تتحول إلى بنية جمالية: من الفرد إلى الجماعة
" سكرولينج " هو ثمرة ورشة مسرحية جمعت خبرات متباينة: ممثلين سبق لهم الوقوف على الخشبة، وآخرين يخوضون تجربتهم الأولى. شارك في العرض أربعون ممثلًا وممثلة، من بينهم نور نواف (سوريا)، وشروق العرفاوي، وشيما خراط (تونس)، إلى جانب خالد رسلان، ونهى فريد، وإسراء عاصم، وأحمد الطرابيلي، وياسمين حسين، ونذير نعمان، ومنى البشاري، وفادي رؤوف، ومحمد مختار، ورشا حلاوة، وغيرهم.
غير أن اللافت هنا ليس عدد المشاركين فحسب، بل طبيعة مشاركتهم: كل ممثل كتب مشاهده الخاصة، وقدم تصوره الخاص لعلاقة الإنسان بالعالم الرقمي. لم يكن النص إذن نصًا يُملى من أعلى، بل نسيجًا تشاركيًا تشكل من أصوات متعددة. تولى خالد جلال تنسيق هذه المشاهد وصياغتها ضمن إطار درامي جامع، بينما أسهم خالد رسلان في كتابة مشاهده ومساعدة بعض زملائه في الصياغة.
بهذا المعنى، تحولت الورشة إلى ممارسة ديمقراطية داخل الفعل المسرحي: الكتابة لم تعد امتيازًا للمؤلف وحده، بل صارت أداة لاكتشاف الذات؛ والتمثيل لم يعد أداءً لنص جاهز، بل تجسيدًا لتجربة شخصية. إنها فلسفة تقوم على أن العمل الجماعي لا يعني تذويب الأفراد، بل إبرازهم داخل بنية واحدة متماسكة.
ولم يقتصر الإسهام على التمثيل والكتابة؛ فقد شارك بعض الممثلين في السينوغرافيا، والديكور، وتصميم البوستر، ما عزز الإحساس بأن العرض ليس ملكًا لفرد، بل نتاج روح جماعية حقيقية. هنا تتجلى رؤية خالد جلال في أبهى صورها: منح كل مشارك مساحة يتحرك فيها وفق موهبته، بحيث يصبح العمل فعلًا مشتركًا، لا منصة لاستعراض فردي.
تعددية السرد داخل وحدة الفكرة:
لا يسير العرض في خط درامي تصاعدي تقليدي، بل يقوم على ما يمكن تسميته بالحكايات المتعددة، والسرديات المتجاورة، يجمعها خيط واحد: الاستلاب الذي يمارسه الهاتف الذكي.
المكان الرئيس هو مستشفى يضم ضحايا الاستخدام المفرط لوسائل التواصل:
ـ شاب شوّه سمعة حبيبته بصورها انتقامًا،
ـ فتاة انساقت وراء إعلانات التجميل حتى فقدت ملامحها،
ـ ابنة انشغلت بالشات عن أبيها في لحظة مرض فمات،
ـ آخرون ابتلعهم هوس الترند وعدد المتابعين.
يجتمع هؤلاء داخل فضاء واحد يشرف عليه حارس صارم يدق جرس الإنذار ويمنعهم من الخروج، وكأنهم مرضى نفسيون محتجزون نتيجة سلوكياتهم. المستشفى هنا ليس مجرد مكان، بل استعارة للواقع الاجتماعي: نحن جميعًا مرضى بهذا الهوس الجماعي.
تتجسد أعراض المرض في هذيان، فقدان معنى، تشوش أخلاقي. الهاتف يُقدَّم بوصفه "لصًا" يسرق الوقت والعمر والوعي، ويقلب الموازين حتى نرى الباطل حقًا والحق باطلًا. ومع ذلك، لا يسقط العرض في فخ الخطاب الوعظي المباشر؛ إذ تتسلل الفكرة عبر مزيج من الكوميديا والتراجيديا، فتتضاعف فاعليتها دون أن تثقل المتلقي.
صوت الضمير: بعد تأملي داخل النسيج الجماعي:
من العناصر اللافتة توظيف صوت نور غانم بوصفه "صوت الضمير"، يتحدث بالعربية الفصحى في مفارقة مقصودة مع لغة المنصات اليومية. هذا الصوت يشكل طبقة تأملية داخل العرض، أشبه بضمير جمعي يعلّق على الحدث دون أن يفرض وصاية مباشرة.
كما أسهم محمد مختار في اختيار وتنفيذ الموسيقى التصويرية، وكتب موسيقى المقدمة، فكانت الموسيقى إطارًا شعوريًا يربط بين المشاهد المتجاورة ويمنحها إيقاعًا داخليًا متماسكًا. هنا أيضًا تتجلى روح الجماعة: الصوت والموسيقى جزء من بنية فكرية لا عناصر تكميلية.
إدارة الفروق: الإخراج كفن للإنصات:
أمام هذا العدد الكبير من المشاركين، معظمهم يقف على الخشبة للمرة الأولى، كان على المخرج أن يدير الفروق الفردية في الموهبة والبنية الجسدية والخبرة. نجح خالد جلال في توظيف كل ممثل في الدور الذي يناسب إمكاناته، حتى غير المصريين وُظّفوا بما يتلاءم مع لهجاتهم وخصوصياتهم الثقافية.
الإخراج هنا ليس فرض رؤية أحادية، بل فن للإنصات: إنصات للطاقات الفردية، وتنسيقها داخل إطار جامع. وبهذا تحولت "أول مرة" حيث وقف بعض الممثلين لأول مرة على المسرح، فتحولت تلك الأول مرة إلى لحظة كشف واكتشاف، لا لحظة ارتباك أو هشاشة.
المسرح كفعل تغيير: من الترند إلى الوعي:
يمزج « سكرولينج » بين المتعة والعبرة، بين الضحك والوجع، لكنه يراهن في النهاية على أثر باقٍ. القضية تمس الممثلين أولًا—وهم أبناء هذا العالم الرقمي—فتأتي تجسيداتهم صادقة، وتمس الجمهور ثانيًا، فينشأ تفاعل حي بين الخشبة والصالة.
غير أن الرسالة الأعمق تكمن في التجربة ذاتها: كما يدعو العرض إلى مقاومة الاستلاب الفردي أمام الشاشة، فإنه يجسد—في بنيته—نقيض هذا الاستلاب؛ إذ يخلق جماعة تتشارك الفعل، والكتابة، والمسؤولية. في عالم يعزز الفردانية الرقمية، يقدّم « سكرولينج » نموذجًا لعمل جماعي يعيد الاعتبار لفكرة «الفرقة» بوصفها قيمة أخلاقية وجمالية معًا.
هكذا لا يكتفي العرض بفضح زيف "الترند"، بل يقترح بديلًا رمزيًا: أن نستعيد وعينا عبر المشاركة، وأن نعيد تعريف القيمة بعيدًا عن عدد "الفولوورز". فالمسرح، في جوهره، فعل لقاء حيّ؛ واللقاء هو ما يبدد عزلة الشاشة ويعيد إلينا إنسانيتنا.
"سكرولينج" تعني التمرير المتواصل لشاشة الموبايل لأعلى جريا ولهاثا وراء المحتوى. وهو ترجمة حرفية للكلمة الإنجليزية (Scrolling) التي تعني تحريك الصفحة إلى أعلى أو إلى أسفل، وأحيانا للجنب، لرؤية محتوى إضافي أو غير ظاهر على الشاشة.



|