|
القاهرة 17 فبراير 2026 الساعة 04:01 م

بقلم: ضحى محمد السلاب
قراءة نقدية لمسلسل وش وضهر
لم تعد الدراما التلفزيونية المعاصرة معنية بسرد الحكايات بقدر انشغالها بتفكيك الذات الإنسانية وما يعتريها من تشظٍّ وتناقض. وفي هذا السياق، يأتي مسلسل **«وش وظهر»** (2022)، من تأليف ورشة سرد، وسيناريو وحوار أحمد بدوي وشادي عبد الله، وإخراج مريم أبو عوف، بوصفه محاولة درامية للغوص في المناطق الرمادية من الهوية، حيث لا يكون الصواب مطلقًا ولا الخطأ نهائيًا، بل تتداخل الأدوار وتتشابك الوجوه.
المسلسل، الذي تغيّر اسمه من **«قانون العمل»** إلى **«وش وظهر»**، يعكس منذ عنوانه ثنائية الظاهر والمخفي، ويطرح أسئلة تتجاوز الحدث الدرامي لتلامس قضايا أعمق تتعلق بالهوية، والمراقبة الاجتماعية، وإمكانية البدء من جديد.
الهروب العصا السحرية الوحيدة التي يمتلكها أبطال العمل
مثل روحَين خرجتا من جلد لم يعد صالحاً للحياة كان الماضى عنصراً متحكماً في مصائر أبطال العمل, يحكي المسلسل قصة **جمال فرحات** (إياد نصار)، أمين مخازن في إحدى شركات الأدوية، يعيش حياة زوجية باردة مع زوجته المتسلطة مايسة (فدوى عابد)، ويقبع على هامش المجتمع كمن يرى الجميع ولا يراه أحد, بالصدفة يحصل جمال على حقيبة أموال نتيجة تشابه اسمه مع موظف مختلس، فيجد نفسه أمام لحظة فارقة: تسليم المال، أو الهروب وبناء حياة جديدة.
يختار جمال الهروب إلى مدينة طنطا، حيث يقرر تحقيق حلمه القديم في أن يصبح طبيبًا، مستفيدًا من خبرته السابقة كممرض في عيادة أحد الأطباء الكبار, والذي يقوم بدوره الفنان القدير محمود قابيل . هناك، ينتحل صفة طبيب ويفتتح عيادة ، ليبدأ مسارًا إنسانيًا ملتبسًا بين الاحتيال وحسن النية، وبين الرغبة في الخلاص والخوف من الانكشاف.
في طنطا، يلتقي جمال بـ **ضحى** (ريهام عبد الغفور)، شابة قروية بسيطة تعمل ممرضة في العيادة، لكنها تخفي سر عملها راقصة في الأفراح الشعبية لإعالة أسرتها بعد وفاة الأب. ضحى، مثل جمال، تعيش حياة مزدوجة، وتخوض صراعًا يوميًا مع نظرة المجتمع القاسية للمرأة والماضي.
قدّمت ريهام عبد الغفور شخصية مركّبة تجمع بين الهشاشة والقوة، ونجحت في تجسيد نموذج إنساني قريب من واقع كثير من النساء في المجتمعات المحافظة. غير أن كتابة الشخصية وقعت جزئيًا في فخ **التطهير الأخلاقي**، حيث قُدِّم ماضيها كعبء يجب التكفير عنه، بدل تفكيكه بوصفه تجربة اجتماعية قاسية تستحق الفهم لا الإدانة.
البناء الدرامي والأداء التمثيلي
شخصية جمال مرسومة بعمق نفسي لافت؛ فهو ليس مجرمًا تقليديًا، بل إنسان ضعيف أمام الطموح والخوف. قدّم إياد نصار أداءً هادئًا، يعتمد على الاقتصاد في الانفعال، ما عكس توترًا داخليًا دائمًا وخوفًا مستمرًا من السقوط.
أما شخصية «ضحى» تعكس ملامح المرأة الهادئة المثقلة بالصمت، حيث جسّدت الفنانة "ريهام عبدالغفور", دورًا إنسانيًا عميقًا يعتمد على الكبت و الانفعال الداخلي أكثر من المواجهة المباشرة. مثّلت ضحى الضمير الأخلاقي داخل عالم نفسي معقّد، وكانت علاقتها ببطل العمل كاشفة لازدواجيته وهشاشته لا منقذة له. وبأداء قائم على الاقتصاد في الحوار والتعبير بالنظرات والصمت، نجحت عبد الغفور في تقديم شخصية واقعية ترمز إلى الإنسان الذي يرى الحقيقة لكنه يختار النجاة وسط تناقضات الواقع.
الثنائية بين جمال وضحى شكّلت المحرّك الأساسي للسرد، حيث يمثل كل منهما “الوش” المقبول اجتماعيًا، ويخفي “ظهرًا” مثقلًا بالأسرار. هذه الكيمياء الإنسانية كانت من أبرز نقاط قوة العمل.
المكان والملابس: عناصر فعالة في رسم ملامح القصة وشخصياتها بامتياز
وظّف المسلسل المكان بوصفه عنصرًا دلاليًا فاعلًا. فاختيار **مدينة طنطا**، بطابعها المحافظ وإيقاعها الهادئ، عزّز الإحساس بالرقابة الاجتماعية والاختناق النفسي. لم يكن الانتقال المكاني تحررًا بقدر ما كان إعادة إنتاج للخوف في فضاء جديد.
أما الأزياء، التي صممتها ريم العدل، فقد لعبت دورًا سرديًا مهمًا في رسم ملامح الشخصيات وخلفياتها الطبقية والنفسية. أزياء جمال، رغم تحوله إلى “دكتور جلال”، ظلت تعكس ذوقًا مرتبكًا وجودة متواضعة فبرغم ارتدائه "البدلة" إلا أن الألوان غير متناسقة والجودة متوسطة أقرب إلى الرديئة لتكون معبرة عن ذوقه المتواضع بعد سنوات الفقر، في دلالة على هشاشة التحول. بينما جسّدت أزياء ضحى وكذلك هبة صلاح "صديقة ضحى" وزميلتها, والتي تقوم بدورها الفنانة "ثراء جبيل"التناقض الحاد بين عالم النهار المحافظ والذي يأتي كذلك معبرًا عن خلفية كل شخصية ويرسمها بملامح واقعية تظهر في أدق التفاصيل خاصة مع تحول الشخصيات بين الأزياء المحافظة سواء في بداية المسلسل حيث تظهر الشخصيتين بالحجاب أثناء عملهما بأحد مصانع الحلويات أو داخل الحارة التي يقمن فيها، وعالم الليل الشعبي، من خلال أزياء عالم الأفراح والحفلات الشعبية التي يعملن فيها راقصات. ولم يقتصر الأمر على الأزياء بل امتد أيضاً إلى ستايل الشعر المصبوغ بالأصفر وماكياج يمنحهن مظهرا مطابقا للراقصات الشعبيات حتى إكسسوارات الشعر من مشابك وربطة الشعر.
بالإضافة إلى الأزياء تلعب الإكسسوارات دورا مميزا في التعبير عن الشخصيات وهو ما يظهر في الإكسسوارات الخاصة بالشخصيتين النسائيتين في التباين بين مظهرهم نهارا وليلا، ونراه أيضا في إكسسوار السواك الذي يستخدمه المحامي أبو البراء (يلعب دوره الفنان محسن منصور) والذي يعبر عن الجانب المتدين في شخصية أبو البراء كما يتم توظيفه في المشاهد الكوميدية.
القضايا المطروحة ... ومحاولات دس السم في العسل
يحمل عنوان المسلسل نفسه، من خلال اسمه *«وش وظهر»*، دلالة رمزية مباشرة تعكس التناقض بين الظاهر والمخفي، وبين الصورة التي نعرضها للعالم والحقيقة التي نعيش بها.
ونجده يناقش قضايا محورية، أهمها: ازدواجية الهوية كوسيلة للبقاء* , حيث يعيش أبطال العمل بشخصيات مزيفة كوسيلة للبقاء .
*الماضي بوصفه عبئًا نفسيًا لا يزول بتغيير المكان, مع تتابع الأحداث نجد أن ماضي الأبطال لا يختفي بتغيير المكان أو الاسم، بل يظل حاضرًا دائما , خاصة مع تصاعد الأحداث في الحلقة الأخيرة حيث تحضر مايسة والتي تقوم بدورها الفنانة "فدوى عابد" طليقة جمال إلى العيادة التي يمارس بها مهنة الطب وتعلم بأمر زواجه من ضحى وتهدده بـ"البهدلة" والفضيحة، ويأتي أفراد من الشرطة إلى العيادة لينقلوا جمال إلى القسم وهناك يعترف هو على نفسه بأنه طبيب مزور وبأنه يمارس المهنة وهو حاصل على الإعدادية ليكتشف أنه تم القبض عليه بسبب قضية تبديد عفش رفعتها ضده طليقته مايسة.
ويتم حجز جلال وتشعر ضحى بالصدمة من كذب جلال عليها وسرعان ما تكتشف أنه قد علم بحقيقتها من قبل من عبده صلاح " إسلام إبراهيم" متعهد الأفراح, ورغم ذلك قبلها على حالها فتشعر بالامتنان وتحاول توكيل محامي لمساعدة جمال الذي يتعرض لاعتداء من أسرة أبو البراء داخل الحجز.
ويتمكن المحامي من إنقاذ جمال من قضية تبديد العفش عن طريق تسجيل اعترافات مايسة وتهديدها بها، ولكنه لا يتمكن من تخليص جمال من قضية تزوير المهنة خاصة بعدما تحول شهود النفي إلى شهود إثبات وتم توقيع عقوبة السجن عامين على جمال ويخرج بعد انقضاء المدة ليجد ضحى في انتظاره ويسافرا معا.
فنجد هنا أن نهاية المسلسل, بسجن جمال لعامين, ثم خروجه ليستأنف حياته مع ضحى، بدت أقرب إلى تسوية درامية مريحة منها إلى مواجهة أخلاقية حقيقية مع تبعات الأفعال.
غير أن الإشكالية الأساسية تكمن في **الرسائل الضمنية** التي يمررها العمل دون مساءلة حاسمة؛ إذ يبدو أحيانًا متسامحًا مع السرقة، وانتحال الصفة، وتزوير الهوية، بل وحتى ممارسة الطب دون تأهيل، طالما أن النوايا “طيبة” والنهاية رومانسية.
ولكن كان في وسط هذا السم الكثير من العسل , مثل اختيار طنطا وتسليط الضوء باعتبارها مدينة "جميلة"، ربما للمرة الأولى تظهر تلك المدينة المصرية المهمة والاستثنائية، والتي ارتبطت في أذهان كثيرين من قبل بشخصيات شهيرة؛ مثل الكاتب أحمد خالد توفيق، وطبيب الغلابة المصري محمد مشالي، وغيرهما من الشخصيات الحميمة، مع إبراز سمات المدينة وما تتميز به من طعوم؛ مثل "حلوى المولد" و"حلوى المدلعة" وهي عبارة عن "كنافة وبسبوسة وفي النصف قشطة وعليها كراميل وشيكولاتة وبندق ولوز".
منح مساحة للتصوير في براح الأراضي الزراعية بطريقة لم تدخل قلبي هكذا ربما منذ شاهدت الفيلم الشهير "خرج ولم يعد".
ظهور وجوه منسية مثل ميمي جمال ومحمود قابيل، مر وقت طويل على ظهورهما الأخير على الشاشة، كذلك ظهور شريف دسوقي -سبعبع في مسلسل 100 وش- جالساً على كرسي متحرك، عقب بتر قدمه في الحقيقة، في إشارة إلى ضرورة منحه فرصاً أكبر للتمثيل.
و الاحتفاء بالاختلاف وإبرازه بشكل مميز, و لا يعتبره نقصا بل فرصة للتعايش، فتجد ضمن فريق العمل طفلا متميزا مبتور اليدين والقدمين، يقدم دورا جميلا ومبهجا, حيث يقوم بدور" محمود " شقيق ضحى الأصغر الذي على الرغم من إعاقته يجيد لعب كرة القدم ويلعبها مثل " محمد صلاح" كما قال لدكتور جمال عندما ذهب مع ضحى إلى قريتها لتزور أهلها، وهو الطفل كريم لؤي، وكذلك ظهور " نوجا عزام " , بالإضافة إلى أن العمل يعتبر محاولة درامية جيدة تظهر الصورة الحقيقية لأهالي القرى والنجوع في الأقاليم، ويبتعد عن الحياة القاهرية التي اكتظت بها الأعمال الدرامية، ويظهر مدى الصعوبات التي تواجه أبناءها, خاصة مشاهد الرقص و إعداد صواني الطعام في حنة وفرح شقيقة "ضحى" والتي تبرز طبيعة الأجواء الاحتفالية في القرى في مثل هذه المناسبات .
الهوية والصورة والمكان من منظور نقدي
يحاول المسلسل إبراز مفهوم **الهوية بوصفها بناءً متحوّلًا** لا جوهرًا ثابتًا، وهو ما يتقاطع مع طرح" إرفنغ غوفمان_Goffman Erving _ عالم اجتماع كندي اشتهر بدراسته عن التفاعلات الإجتماعية الذي يرى الهوية الاجتماعية كأداء مسرحي يتغير بتغيّر السياق، حيث يرتدي الأفراد أقنعة مختلفة لتناسب السياقات الاجتماعية. و يقدّم الفرد "واجهة أمامية" (Front stage) متقنة للجمهور لإدارة الانطباعات، بينما يخفي التناقضات والأسرار في "المنطقة الخلفية" (Back stage). هذا التصور يتجلى بوضوح في شخصيتي جمال وضحى، اللتين تعتمدان على أدوار مهنية واجتماعية صارمة لإخفاء ماضٍ مهدِّد للاستقرار.
أما إذا حولنا قراءة مدينة "طنطا" كمكان, فسنجد أن الفيلسوف الفرنسي" غاستون باشلار" في كتابه الشهير *جماليات المكان*، لا يُنظر إلى الفضاء بوصفه حيّزًا محايدًا، بل كعنصر يتداخل مع الذاكرة والوجدان ويعيد إنتاج الشعور بالانتماء أو الاغتراب (*The Poetics of Space*). وعليه، فإن مدينة طنطا في المسلسل تمثل فضاءً ذا حمولة رمزية، يفرض نمطًا من الانضباط الاجتماعي ويُعيد إنتاج الخوف من الانكشاف، بدلا من أن يكون ملاذًا آمنًا من الماضي.
ومن منظور " ديفيد بوردويل" فإن المعنى في الدراما البصرية لا يُنتج عبر الحوار فقط، بل من خلال تنظيم الكادر، والإيقاع، والتكرار البصري (*Narration in the Fiction Film*). غير أن المسلسل، رغم اعتماده على أجواء بصرية هادئة بروح كئيبة، فإن هذا لا يطوّر النسق البصري تدريجيًا بما يعكس تصاعد الصراع، مما يحدّ من فاعلية الصورة كأداة سردية مستقلة.
وبالتالي يمكن القول أن المسلسل* يمثل تجربة درامية جادة تسعى إلى تجاوز القوالب التقليدية، عبر الاشتغال على البعد النفسي والرمزي للشخصيات. غير أن العمل، رغم امتلاكه فكرة مركزية قوية وأداءً تمثيليًا لافتًا، يتوقف عند حدود المعالجة الهادئة، دون أن يبلغ ذروة درامية توازي عمق الأسئلة التي يطرحها. فبين “الوش” الذي تفرضه الأعراف الاجتماعية و“الظهر” المثقل بالماضي، يظل الصراع قائمًا لكنه غير محسوم، ما يجعل المسلسل أقرب إلى تأمل درامي مفتوح منه إلى مواجهة حاسمة.
?المصادر
1.. موقع الجزيرة نت, ياسمين عادل ...مسلسل "وش وضهر" يقفز مبكرا بقائمة الأعلى مشاهدة , 2022
...2 موقع جريدة الشروق , قصة مسلسل وش وضهر 2022.
...3موقع عربي بوست , رحاب لؤي ,السّم في العسل.. هل استحق مسلسل “وش وضهر” كل هذه الضجة التي أُثيرت حوله , 2022.
.4. موقع جريدة الأهرام..إشادات. كبيرة بالملابس في مسلسل "وش وضهر".. ريم العدل تنقل الواقع كما هو على الشاشة ... ... مى عبد الله ...2022
...5.مسلسل وش وضهر الحلقة الأخيرة.. الحكم على إياد نصار بالسجن عامين... منى محمود.. موقع فيتو 2022.
6.. موقع مجلة Construction , Journal of Light
, كلاياتون ديكورن , عرض لكتاب "جماليات المكان" لغاستون ,باشلار, يناير , 2021.
...7.بحثJames E. Cutting , Narrative theory and theبعنوان )dynamics of popular movies, نظرية السرد واستراتيجية الأفلام الشعبية
موقع مجلة , Springer , مجلد 23، 2016,-
1713-1743 ,pp.
8... موقع الكتابة الثقافى, الذات الإنسانية عند إرفنج جوفمان (ما بين الفن المسرحي ونظام التفاعل الاجتماعي), د حسام الدين فياض , 2025.
|