|
القاهرة 10 فبراير 2026 الساعة 01:23 م

بقلم: مو جودات Mo Gawdat
إعداد وترجمة: د. فايزة حلمي
ماذا لو أخبرْتك أنني قلقة من عدم رد شريكي على رسائلي، وأن رد صديقي المقرب كان أنه ربما يخونني لأنني لستُ جيدة بما يكفي؟ ستشجعني بشدة على الابتعاد عن هذا الصديق وكل سلبياته.
لكن الحقيقة هي أن هذا الصديق المزعوم ليس شخصًا حقيقيًا، بل هو صوتي الداخلي - وهو دائمًا ما يجد طريقة للتسلل لزرع الخوف في داخلي، وتقويض سعادتي، أو التشكيك في قيمتي الذاتية.
أحيانًا يُخبرني ألا أهتم بالتواصل مع شخص أُعجب به لأنه لن يكون مهتمًا، أو أن أتقدم للوظيفة التي أريدها لأني لا أملك فرصة، أو أن أعقد آمالًا على حياة رغيدة لأني لم أكن يومًا بارعة في التعامل مع المال.
للأسف، لست وحدي: كل إنسان لديه صوت داخلي يُشكك ويتساءل ويتحدى أحلامه وطموحاته وشعوره بذاته، إنها آلية نجاة استخدمها أسلافنا لحمايتهم من الحيوانات البرية أو الكوارث الطبيعية الكبرى، ولكن في مجتمعنا المعاصر، تطور هذا الصوت ليصبح وحشًا داخليًا جامحًا يشجعنا غالبًا على العزوف عن التطلع.
ولكن كيف نتخلص من هذه الأنماط السلبية ونُغيّر حوارنا الداخلي؟ لو لم نتحدث مع صديق بهذه الطريقة المهينة، لما كان ينبغي علينا بالتأكيد التحدث مع أنفسنا بهذه الطريقة أيضًا، فكيف نستعيد السيطرة ونتعلم إسكات الناقد الداخلي؟
افصل نفسك عن صوتك الداخلي
يقترح "مو جودت"، المدير التنفيذي السابق في جوجل ومؤلف كتاب "حل من أجل السعادة"، أن جزءًا من معادلة السعادة يتضمن الاعتراف بنقدك الداخلي وفهم أنك لستَ أفكارك السلبية.
كيف تحقق ذلك؟ بعقل منفتح وروح دعابة لا بأس بها، أطلق على صوتك الداخلي أو ناقدك اسمًا (يُطلق جودت عليه اسم "بيكي")، وتحدَّث إليه، وأعلمه أنك المتحكم.
"أُطلق على عقلي اسم "بيكي"، لأن "بيكي" طرف ثالث، من أكبر التحديات التي نواجهها في عالمنا الحديث أننا نعتقد أن الأفكار في أدمغتنا هي "أنا أتحدث إليّ"، لو كانت "أنا أتحدث إليّ"، لكنت عرفت ما أحتاج قوله غريزيًا، ولما احتاجت إلى الكلام، لدماغنا وظيفة بيولوجية تتمثل في النظر إلى العالم من حولنا، وفهمه، وتحويله إلى أفكار"، أوضح جودت، مضيفًا أنه لا ينبغي لنا حينها أن نأخذ هذه الأفكار ونُساويها بكياننا ككل.
أعتقد أن ديكارت كان مخطئًا عندما قال: "أنا أفكر إذًا أنا موجود". إنها "أنا موجود، إذًا أنا أفكر"، بمجرد أن تدرك أن عقلك طرف ثالث، تعقد صفقة مع بيكي: يمكنها أن تمنحك فكرة مفيدة أو إيجابية، وكل شيء آخر ممنوع. عندها يتغير كل شيء وتصبح أنت المتحكم.
عندما يفعل عقلي أي شيء آخر، أستمع قليلًا - "عقلي، اشتكي من أن القهوة ليست رائعة" - لكن بيكي موجودة لخدمتي. كل عقل يبحث باستمرار عن عيوب الحياة، لكن هذه الأفكار تُعرض عليّ وأنا المتحكم، يمكنك أن تأخذ هذه الأفكار وتحاول إيجاد الجانب المفيد، أو شيء أكثر بهجة في الصورة التي يرسمها عقلك.
افسح المجال لنوع جديد من الحوار
بمجرد أن تبدأ بخلق مسافة بينك وبين حديثك السلبي مع نفسك، ستخلق مساحة لنوع جديد من الحوار مع نفسك، إنها فرصة حقيقية للبدء في أن تصبح أكثر وعيًا بطريقة حديثك مع نفسك، وأن تملأ نظامك بأفكار إيجابية تُهيئك لمواجهة العالم، وتوظيف طاقتك الإيجابية، والشعور بالبهجة.
تدوين اليوميات من أكثر الطرق فعالية لتحقيق ذلك، إذا بدأت صباحك - وهو الوقت من اليوم الذي يكون فيه عقلك أكثر استجابة لتعليماتك وتأكيداتك - بتدوين الأشياء التي تُشعِرك بالامتنان تجاه نفسك وحياتك؛ في "مذكرات الخمس دقائق"، وأظهر لنفسك علامة ثقة بتأكيد إيجابي، فأنت بذلك تسلب ذلك الناقد الداخلي القوة، وتُضفي على حوارك الداخلي طابعًا مختلفًا.
مارس اليقظة الذهنية
أحيانًا تسوء الأمور، ويعود صوتنا الداخلي المذعور للظهور، الحل ليس في الهروب الدائم أو الخوف من ذلك الناقد الداخلي، بل في الاعتراف به، بل وقضاء بعض الوقت في الاستماع إليه بصمت - كما لو كنت تجلس وتراقب أفكارك أثناء جلسة تأمل.
"لديّ طقس يُسمى "لقاء بيكي" حيث أستمع إليه بالفعل، أسمح لعقلي أن يقول ما يدور في داخلي، وأنا أستمع إليه. في معظم الأحيان، لا ننصت إلى أدمغتنا حقًا، إنها أشبه بضوضاء بيضاء، لذا تمامًا كصديق عزيز، تحاول تنبيهك مرارًا وتكرارًا، إذا اعترفت بها، يصمت عقلك"، كما يقول جودت.
التركيز على اللحظة الحالية والانخراط في ممارسة اليقظة الذهنية يمكن أن يساعد أيضًا في إعادة توجيه تركيزك بعيدًا عما يدور في رأسك.
اليقظة الذهنية مَسعى فردي للغاية، ولكن بعض الطرق السهلة للوصول إلى الحضور الذهني تشمل التنفس العميق، والاستماع إلى جلسة تأمل موجهة، والمشي في نزهة امتنان، أو التركيز على شيء واحد أمام ناظريك، حتى لو قضيت بضع دقائق فقط في ممارسة اليقظة الذهنية خلال موقف عصيب، ستقطع فورًا علاقتك بالأفكار السلبية وتعيد تنظيم نفسك مع وعيك الحقيقي.
كن فضوليًا
الآن وقد تأكدنا أن دماغنا طرف ثالث وأننا لسنا أفكارنا، ابدأ بمراقبة كيفية عمل دماغك كمراقب خارجي فضولي. هل هناك مواقف أو أشخاص معينون يحفزون عقلك على التصرف بشكل سيء، ويجعلون ناقدك الداخلي يتعالى بالحديث السلبي؟
ربما تُثير مدينتك ذكريات قديمة ومعتقدات مُقيّدة مرتبطة بسنوات تكوينك، أو ربما تُفاقم الأماكن المزدحمة قلقك الاجتماعي؟ دوّن تلك المحفزات الذهنية واعمل على التخلص منها من حياتك أو تحسين موقفك تجاهها.
حين تصبح باحثًا في عقلك، تكتسب السيطرة عليه وتُعيد ضبط القواعد، بحيث لا يعود هناك صوت داخلي سلبي يكتب سيناريو حياتك - تصبح أنت المؤلف الوحيد.
|