|
القاهرة 10 فبراير 2026 الساعة 01:20 م

بقلم: د. هويدا صالح
لم يكن الملتقى الشعري لطلاب الجامعات، الذي احتضنه معرض القاهرة الدولي للكتاب دورة 2026، وبإشراف الشاعر أشرف أبو جليل والشاعرة منال الصناديقي، مجرد فعالية عابرة ضمن برنامج ثقافي مزدحم، بل كان بيانًا ثقافيًا ضمنيًا يقول إن الشعر لا يُورَّث، بل يُكتشف، ولا يولد مكتملًا، بل ينمو داخل فضاء من الإصغاء والرعاية.
هنا، لم نقف أمام "مواهب شابة" بالمعنى الاستهلاكي للكلمة، بل أمام محاولات أولى واعية لقول الذات والعالم، محاولات تحمل ارتباكها بشجاعة، وتقدّم لغتها وهي لا تزال ساخنة، غير مصقولة بالكامل، لكنها صادقة.
اللافت في فلسفة الملتقى أنه قلب المعادلة التقليدية:
طلاب يقرؤون الشعر، ونقاد يتلقّون أولًا، ثم يحلّلون.
وهو قلب ضروري؛ لأن النقد هنا لم يكن سلطة، بل رعاية، ولم يكن حكمًا نهائيًا، بل أفقًا مفتوحًا للتعلّم.
الأجواء الشعرية: الذات في مواجهة العالم
إذا حاولنا أن نلتقط الخيط الجامع بين القصائد المرفقة، سنجد أنفسنا أمام ثلاث دوائر شعورية كبرى:
1. دائرة الاعتراف الوجداني.
2. دائرة الفقد والاغتراب والجرح.
3. دائرة اليومي بوصفه تجربة وجودية.
1. الاعتراف: الشعر بوصفه كشفًا للداخل
في قصائد مثل"اعتراف" لطارق أشرف، و"زفرة مكلوم" لسليمان خطاب، تتقدّم الذات الشعرية وهي مثقلة بعاطفة كلاسيكية في بنيتها، لكنها معاصرة في قلقها.
نحن أمام شعر يرى الحب بوصفه اختبارًا للكينونة، لا مجرد تجربة عاطفية.
اللغة تميل إلى الفصاحة التراثية، الوزن حاضر، والصورة مشغولة بعناية، لكن اللافت أن هذا الخيار الكلاسيكي ليس ارتدادًا إلى الماضي، بل محاولة للاتكاء على نظام لغوي صلب لمواجهة هشاشة الداخل.
هنا، لا يكتب الطالب ليبهر، بل ليحتمل شعوره.
2. الفقد والجرح: من الشخصي إلى الجمعي
قصيدة "ما خلّفه الخريف" لأحمد زيدان تمثّل نقلة لافتة في هذا الملتقى؛ إذ نخرج من الاعتراف الذاتي المباشر إلى مشهد شعري سردي، يمزج بين التجربة الفردية والبعد الجمعي (الجيش، الصداقة، الموت، الوطن).
القصيدة تشتغل على الصورة الطويلة، والمشهد، والتوتر الزمني، وتستعير من السرد أدواته دون أن تفقد شاعريتها.
هنا نلمس وعيًا مبكرًا بالشكل، وتجريبًا في بناء القصيدة، حيث تتحوّل “الدشمة” من مكان عسكري إلى رمز وجودي، ويغدو الجرح ليس إصابة جسدية، بل معرفة متأخرة بالحياة.
هذا النوع من النصوص يكشف أن بعض هؤلاء الطلاب لا يكتبون فقط مما يشعرون به، بل مما يرونه ويعيشونه داخل بنية اجتماعية قاسية.
3. اليومي واللغة: العامية بوصفها أفقًا جماليًا
في قصائد العامية، مثل "نهاية العود" لمحمد فريد، و"كوتشينة بشايب واحد" لبجاد عبد الرحيم، نواجه عالمًا آخر:
عالم التفاصيل الصغيرة، القهر الصامت، الذاكرة الشعبية، والخطاب الذي يتكئ على الشارع لا بوصفه موضوعًا، بل بوصفه لغة ورؤية.
العامية هنا ليست سهلة ولا عفوية كما قد يبدو، بل محمّلة بتجربة نفسية واجتماعية كثيفة.
قصيدة "الشايب" مثلًا تشتغل على الاستعارة الكبرى (اللعبة/الحياة)، وعلى إحساس الخسارة البطيئة، والوقوف خارج الحظ، وهو إحساس مركزي في وعي جيل كامل.
هذه النصوص تقول بوضوح:
الشعر لم يعد يبحث عن البلاغة، بل عن الصدق القاسي.
بين الكلاسيكي والحر: وعي الشكل لا صدفة اللغة
ما يلفت في مجمل القصائد أن الطلاب لم يقعوا في فخ “التشابه”، بل تنوّعت اختياراتهم بين:
ـ القصيدة العمودية
ـ قصيدة التفعيلة
ـ قصيدة النثر
ـ شعر العامية
وهذا التنوع لا يبدو اعتباطيًا، بل نابعًا من سؤال داخلي عن الشكل المناسب للتجربة.
بعضهم وجد صوته في الوزن، بعضهم في السرد، وبعضهم في العامية، لكن القاسم المشترك هو أن الشكل لم يكن زينة، بل أداة.
النقد هنا: من سلطة الحكم إلى فعل الرعاية
أهم ما يميّز هذا الملتقى أن النقد لم يتقدّم بوصفه “محكمة”، بل بوصفه مساحة أمان معرفي.
الطالب لم يُستدعَ ليُقارن بكبار الشعراء، بل ليُسأل:
ـ لماذا كتبت هكذا؟
ـ ماذا تريد من قصيدتك؟
ـ كيف يمكن للغة أن تخدم شعورك أكثر؟
وهذا هو جوهر الرعاية الثقافية الحقيقية:
أن نُعلِّم الشاعر الشاب أن يثق في صوته، لا أن يستعيره.
لماذا هذا الملتقى مهم؟
لأنّه يقول ببساطة:
الشعر ما زال حيًا،
وأن الأجيال الجديدة لا تكتب بدافع الشهرة، بل بدافع **الفهم والبقاء**.
هؤلاء الطلاب لا يكتبون لأنهم يعرفون كل شيء، بل لأنهم يحاولون أن يعرفوا.
وهنا، بالضبط، يبدأ الشعر الحقيقي.
إذا استمرت هذه الفلسفة – فلسفة الإصغاء، لا التلقين، والرعاية لا الإقصاء –
فإننا لا نرعى قصائد فقط،
بل نرعى وعياً شعرياً جديداً يتكوّن أمام أعيننا.



|