|
القاهرة 10 فبراير 2026 الساعة 12:53 م

عاطف محمد عبد المجيد
في كتابه الصادر عن مكتبة الإسكندرية "جدل الدين والتنوير..مسارات العقلنة وآفاق الأنسنة" الذي يهديه إلى روح الفيلسوف زكي نجيب محمود بعد أن تعلم منه أبجدية التفكير والركض فوق خرائط الكلمات والمفاهيم، يكتب صلاح سالم أن سؤال "الحقيقة" طرح نفسه على التاريخ الإنساني، وقد دارت في فلكه نشاطات الفكر وانشغالات العقل، وظل السؤال مطروحًا في حين تغيرت الإجابة عبر العصور الحضارية، مشيرًا إلى أن كانط قد عرّف التنوير بكونه خروج الإنسان من القصور الذي جلبه إلى نفسه، وأعجزه عن استخدام عقله دون قيادة غيره، وهو ما أرجعه إلى غياب العزم والجرأة، ومن ثم صار شعار التنوير: كن شجاعًا واستخدم عقلك دون أن يشوهه التعصب أو يوجهه الآخرون.
في كتابه الجدلي هذا يَقْصر صلاح سالم مضمون الجدل على العلاقة بين مفهومي العقل والإرادة أو العقلانية والحرية، كغايتين لفعل الاستنارة، وبين السلطة الميتافيزيقية للمقدس والمتعالي، مؤكدًا أن هدفه الأساسي هنا ليس مناقشة قضية التنوير في العموم، بل تأمّل عمليات التفاعل ومسارات الجدل التي تثير التوتر بين الدين والتنوير، ذاكرًا أنه يلحظ أمرًا خطيرًا وهو أن كثيرًا من التنويريين العرب يتعمدون نهجًا تصادميًّا لأنهم مشوبون بروح سلفية، وأنهم يسعون إلى امتلاك الحقيقة العلمية والفلسفية على طريقتهم، مثلما يسعى السلفيون المسلمون إلى امتلاك الحقيقة الدينية عبر التمسك الحرفي بالتقليد والتأويل الرجعي للنص المقدس مع توسيع ذلك النص ليحتوي على ما هو غير مقدس أصلًا.
ملامح خريطة شاملة للتنوير
هنا يسعى صلاح سالم لرسم ملامح خريطة شاملة للتنوير مفترضًا وجود رسم بياني محدود بإحداثيين: الأول رأسي والثاني أفقي، راصدًا على المحور الرأسي التعاقب شبه التاريخي لثلاثة أنماط تنويرية مختلفة رغم التداخل الزمني بينها في أحيان كثيرة، وعلى المحور الأفقي يرصد التقاليد التنويرية الثلاثة الكبرى: الأنجلوسكسوني، اللاتيني، والألماني، التي تختلف كثيرًا في تمثّل مضمون التنوير لدواع تاريخية وثقافية وسياسية يذكرها في كتابه، وفي ما بين الإحداثيين يرسم منحنى الخطابات التنويرية المختلفة في تصاعدها وتقاطعها، مختتمًا باقتراح تنقيح فلسفة التنوير بقيم من ثقافات غير غربية تسهم في نزع أشواك العقلانية المتغطرسة والفردية المطلقة وإعادة تأسيسه على نحو أكثر كونية وإنسانية.
يقسم المؤلف كتابه الضخم الذي تجاوز الخمسمائة وخمس وخمسين صفحة، وبذل فيه مجهودًا بحثيًّا مضنيًا إلى بابين أساسيين أولهما يتحدث عن العقلنة راسمًا مساراتها المتجذرة في نظرية المعرفة، بينما يتحدث ثانيهما عن الأنسنة يتشوف آفاقها المستندة إلى تشكيل الذات، شارحًا كيف فرض سؤال الحقيقة نفسه على التاريخ وكيف تجلّت الإجابة عنه في الحقب المختلفة، متحدثًا كذلك عن التحول الدرامي في صورة المعرفة من السرد الحكائي إلى الجدل الإسكولائي، متوقفًا عند كيفية صعود الذات الفردية إلى مسرح العالم في العصر الحديث ومتى أسفرت عن وجهها المريد والفعال بعد طول اختفاء في عباءات كثيرة على رأسها عباءة الكاهن والسلطان، وكيف تطور ذلك الحضور بتصاعد نموذج العقلنة على سلم الاستنارة، معتقدًا أن التنوير تجربة ثقافية – تاريخية بالغة التركيب والتشابك، وأن مقاربة شمولية لها لا تعدو أن تكون مغامرة، استغرقت منه أكثر من ثلاث سنوات توحد خلالها مع المهمة التي كاد ينوء بها كاهله، ويتخلى عنها تمامًا أو عن طموحه إلى شمولها لولا الشعور العميق بألم الإخفاق الذي يحرم الكاتب من شعور أعمق طالما عرفه ولا يتوانى عن استعادته وهو الشعور المقدس بالرضا الداخلي الذي يعقب فراغ الإنسان من أداء واجبه في خدمة نوعه الإنساني، واصفًا مشروعه / كتابه هذا بأنه اجتهاد يحتمل الخطأ والصواب، يحتاج إلى جدل ونقاش بغية التعديل والتكميل والتصويب.
مفهوم العقل
في كتابه الذي يفتح بوابة النقاش والجدل والمراجعة، يكتب صلاح سالم فيقول إن مفهوم العقل يتوقف على مستوى تطور العلوم، كما يرتبط بالتاريخ الحضاري والاقتصادي للمجتمعات، ويتحدد بالعلائق التي تربط الثقافات، إنه ظاهرة محض بشرية، ومن ثم فهو نسبي خاضع لشروط تاريخية معينة يتغير وفقًا لها، أما العقلانية فهي إقامة معادلة بين التناسق المنطقي وبين الواقع التجريبي وبالتالي فهي تنطوي على أمرين أولهما رؤية كونية تؤكد التناسق بين كل ما هو عقلي وما هو واقعي، وتقصي من الواقع كل ما ليس ذا طابع عقلي، وثانيهما رؤية أخلاقية تؤكد أن الأفعال الإنسانية والأخلاق الاجتماعية يمكن أن تكون عقلانية، مشيرًا إلى أننا حين نتأمل مسيرة العقلانية نلاحظ لحظات انغلاق وصراع تتلوها لحظات انفتاح وانسجام، مثلما بات العالم يدرك من خلال الحواس وحدها، بعد أن أصبح العقل جزءًا لا يتجزأ من الطبيعة والقوانين العامة للحركة، مجرد مادة سلبية وغير فعالة متلقية للمعطيات الحسية، مهمته رصد الطبيعة بأمانة شديدة واكتشاف ما فيها من توازن دون أي تدخل.
هنا أيضًا يذكر المؤلف أن العقل كان في المجتمع التقليدي يمارس نشاطه بطريقة آلية، عفوية وتلقائية وتلقينية، دون مُساءلة لبديهياته وأولوياته، فيما لم تكن مسيرة العقلانية في قلب العالم الحديث سهلة ومطردة، بل صعبة ووعرة إلى أقصى حد شابتها نكوصات وتراجعات، وإن شكلت اتجاهًا عامًّا صاعدًا منذ عصر النهضة، معتقدًا أن العقلانية الحديثة انطلقت من رحم الكوجيتو الديكارتي، أي من الثنائية الوجودية "الفكر – الامتداد"، مشيرًا إلى أن الفكر يعني هنا الذات / العقل / الروح وكل ما يمت إلى المعنويات وفي قلبها المعتقدات الدينية، أما الامتداد فيشير إلى العالم / الحواس / الجسد وكل ما يمت إلى الماديات وفي قلبها العالم الطبيعي، متوقفًا عند مسألة أنه مع تقدم العلم ولد ميل عارم إلى رفض الكثير من الحقائق السائدة، وإلى الانفلات من وسائل المعرفة التقليدية ومن قبضة المنطق الصوري، وكذلك ولد الميل إلى التجريب وإلى مقاربة الطبيعة والواقع بوسائل منهجية وأدوات قياس كمية تجعلها أكثر قابلية للفهم والتفسير.
البرجماتية الأمريكية
في سياق مكمل لما بدأه الكاتب ومتحدثًا عن البرجماتية الأمريكية يقول إن النزعة البرجماتية تعكس نوعًا خاصًّا من العقلانية، لا يحكم على الفعل بصدقه النظري وإنما بفائدته العملية ولا يقيس مشروعيته بمبادئ قبلية بل بنتائجه البعدية، معتقدًا أن الفلسفة البرجماتية تكاد تكون هي الطبعة الشعبية من كتاب الواقعية الإنجليزية التي تتناسب وإيقاع عالم جديد أكثر ديناميكية، ولأن العقل البرجماتي وظيفي بالأساس فالمعرفة لديه ليست غاية مقصودة لذاتها بل وسيلة لتحقيق أغراض بذاتها، ذاكرًا أن ما يلفت النظر في التنوير الأمريكي هو أن التجربة التاريخية تبدو سابقة للتنظير الفلسفي عكس التنوير الأوروبي الذي سبقت فيه الفكرة التجربة، وتصارعت على تشكيله المدارس الثلاث الأساسية في نظرية المعرفة، راصدًا هنا نهوض النزعة النقدية كفلسفة دشنها إيمانويل كانط وتلامذته الذين جاءوا من بعده، مشيرًا إلى أن عصر التنوير كان بمثابة نقطة ذروة في رؤية جديدة للوجود، ظلت تختمر قرابة قرنين، استنادًا إلى أدب عصر النهضة الذي أعاد اكتشاف الأسطورة البروميثية ليؤسس عليه المذهب الإنساني، وإلى الثورة العلمية التي بلغت نضجها مع قوانين نيوتن الكونية عن الحركة والجاذبية نهاية القرن السابع عشر، ومع انتصاف القرن الثامن عشر، يقول سالم، أدرك الناس أنهم اكتسبوا أسلوبًا جديدًا لمقاربة الحقيقة عن طريق العقل، دون رعاية من الدين.
وفصل وراء فصل وصفحة تلو أخرى يواصل صلاح سالم رحلته التي يكشف فيها اللثام عن الرحلة التي قطعها التنوير حتى سنيننا هذه، معتقدًا أن التنوير الفرنسي ربما يكون هو الأسرع والأكثر جرأة في الإفصاح عن شكوكه إزاء قضايا الألوهية والدين، قياسًا إلى التقاليد التنويرية الأخرى، مؤكدًا أن الإلحاد كما نعرفه اليوم لم يكن متصورًا حتى منتصف القرن الثامن عشر، ذاكرًا أن الصالونات الثقافية مثلت ظاهرة مميزة للتنوير الفرنسي، بدأت في باريس مطلع القرن الثامن عشر، حين سعت نساء الطبقة العليا إلى تحصيل العلوم الحديثة والفلسفات الجديدة، وقت أن كُن ممنوعات من التعليم النظامي، ذاكرًا كذلك أن الأفكار التي كانت تناقش في تلك الصالونات مهمة في تاريخ الاستنارة مع الدور السياسي والاجتماعي الذي لعبته في الأحداث، ومنعطفًا نحو المادية الألمانية يقول الكاتب إن المذهب التجريبي الحسي يؤكد في نظرية المعرفة أن العالم المحسوس هو وحده العالم الحقيقي وأن العقل ليس إلا نتاجًا لعضو مادي هو الدماغ، وأن التعارض بين المادة والوعي لا قيمة له إلا في نظرية المعرفة، أما في نظرية الوجود فلا يوجد شيء غير المادة، وفقًا لما جاء في كتاب الفلسفة المعاصرة في أوروبا لبوشنسكي، مشيرًا إلى أن الدين هو الوعي الذاتي الأول وغير المباشر للإنسان، لذا فهو يسبق الفلسفة أينما كان، مثلما أن الإنسان ينقل كينونته الجوهرية إلى خارج نفسه "الدين" قبل أن يجدها في نفسه "الفلسفة"، فالدين هو الكينونة الجوهرية للإنسان في طفولته، لكن الطفل يرى كينونته الجوهرية خارج ذاته كطفل، كإنسان هو غرض لذاته، على حد قول لودفيغ فوبرباخ.
ما هو الإنسان؟
في تمهيده لأحد فصول الكتاب يتساءل سالم ما هو الإنسان؟ معلنًا أن هذا السؤال يمثل أحد أصعب الأسئلة وأيسرها، أعقدها وأوضحها، واضح حين نكتفي بالتعريف البيولوجي، لكن حين نتطلع إلى تعريف سيكولوجي وأخلاقي فإن الأمر يصبح صعبًا، مبينًا أنه مع نضوج فلسفة التنوير ارتقت الذات الفردية بقوة حضورها إلى مستوى النزعة الإنسانية الكونية التي اعتبرت كل شخص، لمجرد كونه إنسانًا وبغض النظر عن دينه أو عرقه أو طبقته الاجتماعية، يمتلك كينونة مقدسة وقيمة كبرى وذاتًا معتبرة تضمن له حقوقًا أساسية على رأسها الحق في الحياة وفي التفكير والتعبير والاعتقاد وفي اختيار السبل التي يراها محققة لذاته، متوقفًا عند جغرافية وتاريخ المسار الذي اتخذه التنوير الأوروبي المبكر إلى تشكيل الإنسانية الروحية سواء على صعيد امتلاك الإرادة الحرة، أو اكتساب الديناميكية التاريخية، مشيرًا إلى أن الحياة الإنسانية تعاش وتجري وقائعها على صعيد مزدوج من حيث إنها وجود إنساني، ومن حيث إنها إسهام في حياة تعلو على الإنساني، مؤكدًا أن حياة الإنسان عند النظر إليها عن بعد تعد شيئًا تافهًا إذا ما قورنت بقوى الطبيعة، فالإنسان مرغم على الخضوع للزمن، ويرهب القدر ويخشى الموت، ومن هنا تكون السمة البارزة في الدين هي أن الإنسان يعتبر نفسه على صلة بموجود أعلى.
نهاية، ونحن هنا إزاء كتاب مرهق بحثًا وكتابة وقراءة، ودال على عظم المجهود الذي بُذل في تأليفه وجمع مادته، ومثلما احتاج إلى بحث وتقصي وجمع معلومات، احتاج إلى تركيز وتأمل لحظة قراءته، وهو واحد من الكتب التي لن تمر في صمت هكذا، بل سيوقظ موائد النقاش والجدل حول ما جاء فيه، أظن أن المؤلف يطمح إلى ميلاد ثورة فكرية حضارية تنشد مجتمعًا عالميًّا حقيقيًّا، يقوم جميع سكانه بواجبهم الإنساني المشترك إزاء بعضهم بعضًا، على نحو يجعلهم أكثر سيطرة على مصائرهم، وأكثر تحررًا من قبضة الهيمنة الغربية على بعضهم، التي طال زمنها أكثر مما ينبغي، وقد آن له أن ينتهي.
|