|
القاهرة 10 فبراير 2026 الساعة 12:52 م

تأليف: مارجريت لاركن
ترجمة: د. سعيد شوقي
النص الذي سأعتمد عليه في هذه الدراسة()، عبارة عن نسخة مكتوبة لقصة() الأدهم() الشرقاوي، جلبها بيير كاشيا() من مصر عام 1942م، وجعلها - بكرمه- في متناولي.
والأمر الذي لا خلاف عليه، أن هذه القصة التي هي عبارة عن حياة مجرم حقيقي، هو الأدهم الشرقاوي، والتي أصبح موضوعها مسلسلا في التلفاز المصري؛ قد حكيت وأعيد حكيها مرات ومرات() بأشكال مختلفة، منذ أن صرعت رصاصات الشرطة الأدهم عام 1921م.
وحقيقة، لقد أمدني –حديثا– إفيرت راوسون بنسخة مغناة للحكاية الشعبية، بصوت المطرب الشعبي المصري محمد رشدي، صدرت في مصر عام 1975م.
والنسخة التي سوف أتعامل معها –هنا– هي على وجه اليقين النسخة المطبوعة الأكثر دقة، التي جلبها بيير كاشيا، والتي سوف أسميها: "نص 1942م".
لن أتعامل أثناء تقدمي في الدراسة، مع أية تفاصيل في النسخة التجارية المغناة، أو في أية نسخة أخرى، فيما عدا الإشارة إلى بعض التغييرات، التي حدثت في الحكي مع الإصدار التجاري للحكاية المغناة عام 1975م .
ببساطة شديدة ما أهتم بفعله، هو إلقاء نظرة على كيفية عمل مكونات النص معا بوصفها قصة، والسبب في هذا التناول ليس فقط في ميلي الطبيعي إلى تفضيل ذلك، ولكن أيضا في اعتقادي أن عناصر القصة ينبغي أن توضع معا، بطريقة ترتبط مباشرة، في علاقة متبادلة مع مجموعة المسلمات الثقافية، التي يعالجها القص الشعبي.
ما أعنيه بهذا –آمل– أن يصير واضحا؛ أثناء تقدمي في دراسة الحكاية.
طبقا للجوانب الشكلية لهذا النص، مثل كثير من المواويل، فإنه لا يوجد انتظام في البحر الشعري()، ولا في القوافي(). كذلك كثيرا ما يختلف طول السطور الشعرية. أيضا تندر جدا صياغات التورية()، التي هي عمدة هذا النوع من النصوص.
ولا ريب أن السياقات التي تستجلب صياغات التورية، في القصص الشعبي بشكل طبيعي، ليست متوفرة هنا.
يبدأ النص بالاستهلال التقليدي:
1- منين أجيب ناس لمعناة الكلام يتلوه
شبه المؤيد إذا حفظوا العلوم وتلوه
هذان السطران الشعريان يبينان -بوضوح تام- أهمية الدور البلاغي، الذي يمارسه الجمهور –بتأمل شديد- أثناء الاستماع للحكاية، التي تلقى أمامه؛ بغية ترسيخ الحقيقة.
وفكرة ترسيخ الحقيقة بواسطة تكرار رواية معينة من الأحداث؛ فكرة تقليدية في كل من الأدب العربي: الكلاسي، والشعبي.
وفي حالة هذه الحكاية: حكاية الأدهم الشرقاوي، فإن من الواضح –على وجه خاص– كما تلمح السطور التالية من الحكاية، أن الحكي لا ينهض على رواية مجموعة من الأحداث بطريقة حيادية، ولكنه بالأصح يعتمد على تفسير خاص لهذه الأحداث، أو على الحكم عليها؛ فالحكاية تسمي ما وقع هكذا:
2- الحادثة اللي جرت على سبع شرقاوي
الاسم الادهم لكن النقب شرقاوي
والملاحظ أن استخدام حرف الجـــر (على)، يستجلب إلى الذاكرة الفعل جار–يجور gara / yaguru، الذي يعني يقمع أو يعامل بظلم وعدوان، على عكس ما يعني الفعل: يحدث، الذي دائما ما يأخذ حرف الجر(لـ).
وبكلمات أخرى، فإن الإيحاء الواضح منذ بداية القصة، يؤكد أن الأدهم ضحية تم وضعها في محنة، بواسطة ما يمكن أن نطلق عليهم سريعا(الأنذال).
والملاحظ هنا أيضا، أن دور المستمعين ليس سلبيا، ولكنه دور مشارك في هذا التفسير، ويزداد هذا الدور تثبيتا أثناء الحكي بواسطة الشفرة، التي سوف تتضح جليا بعد.
ولقد وضعت القصة مع السطر التالي بصورة دقيقة، وكأنها تجري في زمنها الحقيقي وبأحداثها الكاملة:
3- الولد كان بالمدرسة عنده من السنين تلاتاشر
وتنه في المدرسة لما بلغ تمانتاشر
مزق شباب الأدهم السعيد، ظهور حادثة خاصة، شكلت مستقبل حياته؛ واستجابة لاستفسارات رفاقه في الصف، يميط أدهم اللثام عن الدافع وراء أفعاله:
5- قالوا له : بتبكي يا أدهم وأصل البكى إيه
قال لهم : مات عمي يا رفاقه وأنا في البلد دي صنعتي إيه
وهذا –بكلمات أخرى– انتقام واضح، سببه قتل شخص من عائلة البطل.
نحن في العالم المألوف عن شرف العائلة: إذا لم ينتقم أدهم من القاتل، فسوف يفقد كرامته في قريته.
وعلى الفور، توجه الأدهم إلى المدينة()، وهو في حالة من الاهتياج الشديد؛ ليبحث عن قاتل عمه، وعندما وجد ابنه؛ مزقه إربا بيديه الخاليتين.
من المهم أن نلاحظ، أن حادثة الانتقام الدموية -بكل ما في الكلمة من معنى- قد حذفت –كلية– من نسخة 1975م، وتتميز هذه الحادثة الأولى، مثل غيرها في سلسلة الصدامات الطويلة، التي تتكون منها الحكاية؛ بظهور لفـظ (الحكومة) فقط عند الإشارة إلى أية صورة من صور السلطة.
وبكلمات أخرى، كل السلطات مهما تكن هويتها المحددة، أو منزلتها المعلومة، يشار إليها على أنها (الحكومة)، تماما مثلما حدث في الستينات في أمريكا، عندما استخدم المصطلح Establishment() بطريقة شاملة.
يقرأ السطر الشعري هكذا:
8/1- جت الحكومة بتقول: يا أدهم عملت كده ليه
هذا السطر الشعري، أو أية صياغة قريبة جدا منه، يشكلان لازمة تتكرر طيلة الحكاية.
وحقيقة، يمكن لنا أن نقسم مراحل الحكي، طبقا لأماكن وجود هذه اللازمة.
ووظيفة هذه اللازمة -تقريبا- مثل وظيفة الستارة الهابطة بين الفصول المختلفة في المسرحية؛ لأن هذه الحكاية -خلافا لأكثرية المواويل الأخرى- مبنية على مجموعة من المناوشات المنفصلة، بين البطل الأدهم والسلطات، تماما مثل الفصول في المسرحية، أو الحركات في قطعة الموسيقى.
تؤسس الإجابة التي يقدمها الأدهم للحكومة، أسلوب المقاومة الذي –في رأيي– يوجه الحركة الكاملة للحكاية:
8/2- قال لها: يا حكومة لما قتل عمي عملتي إيه
ما تود هذه القصة تقديمه، هو البحث الفردي عن الانتقام، من أجل إرضاء الشعور بالشرف، الذي فشلت الحكومة في فرض احترامه.
الأدهم بطل، ليس فقط بسبب بحثه عن الانتقام لشرف الأسرة، ولكن أيضا بسبب مواقفه المؤمنة، بكل ما هو حق وشرف، على عكس ما فعلت السلطات الرسمية.
وبكلمات أخرى، لقد عين الأدهم نفسه سلطة بديلة، أو ممثلا للقيم. ويزيد التباين بين الحكومة، والأدهم، مع كل مواجهة بينهما، ومع كل تكرار للازمة السابقة.
هذا النقد موجه -تماما- ضد سلوك السلطات، وكما سنرى سيصل هذا النقد إلى مستوى الهجاء الصريح، عند نقاط معينة من القصة.
من المهم أن نلاحظ، أن هذا الاتهام الموجه إلى السلطات غائب من النسخة المسجلة عام 1975م، حيث بدلا من أن يوجه البطل الاتهام إلى الحكومة، وجهه مباشرة إلى أهالي القرية، وهذا –بصراحة– فارق خطير في التسجيل التجاري المعاصر، إذ يبدو أتباع البطل القرويون مقصرين عن أداء واجبهم وليس الحكومة.
وبطريقة مماثلة بدت الحكومة مرة أخرى في الجزء التالي كله، وكأنها عديمة الشرف، حين نجح أهل الأدهم في رشوتها والحصول على حكم مخفف لأدهم بالسجن ست سنوات.
وفي السجن تحدى الأدهم أعنف النزلاء، وهذا الجزء أيضا محذوف من النسخة المسجلة.
واستجابة لطلب الأدهم أن يقدم المساجين أنفسهم، والجرائم التي اتهموا بها؛ تعالت الأصوات كالابتهالات الدينية، معلنة أسماء المجرمين في مختلف الأماكن المصرية.
والأمر الذي يستوجب توكيده –واقعيا- هنا، أن جميع جرائم المساجين كانت جرائم دفاع عن الكرامة:
13- واللي على تهمهم الكل يدلوني
اللي يقول: دا انا م الصعيد قاتل ولا بالي
14- واللي يقول له: دا انا م الفيوم قاتل عمي ومرات خالي
واللي يقول له: دا انا م البحيرة مظلوم وانا الباري
15- واللي يقول له: دا انا من المنوفية ياما يتمت عيال
16- واللي يقول: دا انا من الغربية مسجون علشان عرضي ورسمالي
واللي يجول دا انا م القليوبية رماني أعز أصحابي
وهذا القسم من الحكاية جزء لا يتجزأ من حركة الحكي، ليس هذا فقط ولكن أيضا من عملية إدماج المستمعين –بلاغيا– في الاتهامات الأخلاقية المستمرة بالاشتراك في الجريمة، ليس فقط الأدهم ولكن أيضا هذه الأرواح المضطهدة الأخرى التي عوقبت بواسطة السلطات لموقفها من أجل الحق الواضح والشرف.
الجمهور المستمع لهذا الموال، مدعو لعد نفسه شيئا واحدا مع (أولاد بلدهم) ومع الأدهم في شعورهم بالحنق والاستياء إزاء السلطة الرسمية.
كان القاتل الفعلي لعم أدهم –للأسف الشديد– هو آخر الأصوات المتحدثة، وبمعاملة بطلنا لهذا المجرم الذي يبحث عنه يتم الكشف عن جانب جديد من شخصيته:
17- قال له: تعالى يالي عليك العين بتدور
يا شبه قنديل في وسط البيت منور
18- إن كنت عطشان لاجيب لك من ماء الزلال واسقيك
وإن كنت جعان أهو لحم كتافي يغديك
19- وان كنت عريان لاجبلك حرير سندسي واكسيك
قعد معاه م الصبح للضهر طق منه مات
وجوهريا لقد قتله الأدهم باللطافة وبالعناية الكاذبتين، ومع أن قوته لا حدود طبيعية لها، فهو قادر –أيضا- على قتل عدوه بطريقة حلوة ناعمة. ومع ذلك نعلم من السطور التالية، أن هذا الموت لم يرض الأدهم، وعاد –مرة أخرى– ومزق عدوه إربا بيديه الخاليتين:
20/1- ما كفهش موته قام فسـخه بإيديه
لو توقفنا لحظة لنقيم شخصية الأدهم، فإننا يمكن أن نضع هنالك عدة ملاحظات: أولها أن بطلنا الأدهم عين نفسه ممثلا لسلطة أعلى من السلطات الرسمية؛ أعني سلطة العدل والحق، فلقد فسدت الحكومة التي تحداها الأدهم، ومن ثم أخفقت في فرض رمز الشرف، الذي رفعه الأدهم مع تابعيه من أبناء قريته().
ومع أن البطل شجاع وعظيم وأفعاله مبررة أخلاقيا، فهو شخصية عنيفة تماما، لا يقتنع بأن يتخلص من أعدائه فقط، ولكن يحتاج إلى درجة معينة من الوحشية لكي تقر عينه، إذ لا حدود لقسوته الطبيعية كوسيلة انتقام.
وهو أيضا شرير لدرجة أنه يدفع عدوه إلى الموت، وهو في حالة من الابتهاج الغامر. ومع كل مواجهة مع الحكومة، يظهر الأدهم سمة من السمات، التي تجعله البطل المثالي، والمحارب النموذجي لكل الباحثين عن الشرف والعدل.
إنه –في الحقيقة– التتابع الوصفي لسمات هذه الشخصية، الذي يدفع الحكي إلى الأمام، وهو –هكذا تقريبا– عندما يكون بطل الحكي هو النموذج المثالي نفسه.
وذكرا للعبارة المعتادة:
20/2- جت الحكومة بتقول: يا أدهم عملت كده ليه
تؤدي الحادثة في الحكاية إلى الحبس الانفرادي للأدهم، وتمثل استجابة الأدهم لهذا التطور، تصاعدا مهما لكل من تطور الحبكة –إن كان يصح أن نقول ذلك بدقة– ولعمل تشخيص البطولة أيضا:
21- قال لها: جاتك خيبه يا حكومه لما قتل عمي عملتي إيه
دا انا قتلت وانا في سجنكم موجود
22- والرب موجود مش عاوز بينات شهود
حكم على الولد في الزنزانة انفرد له
23- الولد كان رفيع الوسط سبحان خلقه
انتنى وانفرد في الزنزانة هد ركنها
24- ونط م السجن حتى السور لم شافه
وطلع على عرب ساكنين بين أوحاشه
هناك عدة أشياء يمكن ملاحظتها حول هذا الجزء، أولها: السخرية المباشرة تماما من الحكومة:
21/1- دا انا قتلت وانا في سجنكم موجود
حتى السجن، لم يستطع أن يمنع بطلنا، من قتل عدوه، والأكثر من ذلك أن الرب يقف بجانبه، ولم يدع أي شخص يشهد الجريمة.
وهذه الإشارة النموذجية للرب، لا تحمل أية دلالة أكثر من كونها صيغة لقوة الفعل الإسلامي، والأدهم لم يؤكد أن قوته وقدرته تأتيان من الرب، بل على العكس فإن التأكيد طيلة الحكي على القوة المذهلة لهذا الرجل الأعزل.
وفي هذا الصدد، فإن الإشارة إلى الرب، ترسخ التأكيد بأن الأدهم في جانب الحق، بطريقة لا تقبل الجدل، ولكي لا يكون هناك أدنى شك، وإلا فإن الرب لم يكن ليوفقه في أفعاله. لكن ما هو أكثر أهمية هنا، أننا ذهبنا بعيدا خارج الإطار الذي يمكن تصوره للقدرة البشرية الطبيعية، فالأدهم –هنا– الذي يمتلك بنية جسدية متواضعة، قادر –رغم ذلك– بجسده على تحطيم جدران زنزانته الصغيرة، ولقد حاول الأدهم بعد ذلك، أن يثب خارج حدود السجن بسرعة لا حدود لها، يعبر عنها الموال هكذا:
24/1- .... حتى السور لم شافه
ما نراه هنا هو المبالغة، التي تنقلنا خارج العالم الواقعي إلى العالم الذي أسماه تودوروف بالـ : Le merveilleux hyperbolique ().
فلقد انطلقنا منذ بداية الحكي، مع أشخاص حقيقيين، معيني الهوية، في زمان ومكان محددين، فالأدهم –مثلا– له سن معلوم، ويتقدم في الحياة بشكل واقعي، كما يتضح ذلك في بداية الحكي، لكننا –هنا– بدأنا ننزلق تدريجيا، داخل حدود عالم الأسطورة، وكما قلت سابقا: إن العناصر التي أمامنا هي مكونات إصدار مثالي للبطل/الذكر، الذي يحرك آليات الحكي طيلة الحكاية، وبصفة خاصة ما يظهر أمامنا الآن، هو: مغامرات فتوة، يبرز بوصفه ذكرا، ذا قوة استثنائية، وسمعة اجتماعية متميزة، ويكون مؤمنا برموز الشرف، ومعترفا به من قبل الجماعة، بوصفه ناسخا لأي نظام قانوني مفروض، بواسطة السلطات القائمة خارج الجماعة.
وعند هذه النقطة في الحكاية، تعتاد الأحداث الواقعية، تغيير اتجاه الحكي ناحية الأسطورة، والأثر الواضح نتيجة لهذا، هو اعتماد الأدهم بوصفه فتوة، أعني: أن يكون –في الأغلب– خيرا، أكثر مما ينبغي، حتى يكون رجلا –بكل ما في الكلمة من معنى– بين الناس.
ومع تغير الموقف، بهروب الأدهم من السجن، يسرع فعل الحكي، مؤديا إلى قتال مباشر بين الأدهم، وقوات الحكومة.
السطر الأول من هذا القسم، يكشف –أيضا– جانبا آخر من جوانب شخصية الأدهم البارزة، فعندما ذهب ليعيش في الجبال وسط البدو، وجدهم غير متعلمين، فبدأ في تعليمهم، فالأدهم ليس فقط مقاتلا عنيفا، ولكنه أيضا متعلم بل ومعلم.
وبالفعل تضمن تعليمه خبرة بعدة لغات:
25/2- عربي فرنساوي بكل لسان كلمهم
ويضيف هذا التفصيل، عنصرا مجلوبا لشخصية البطل، ومن المهم –بصفة خاصة– أن نلاحظ أن العبارة نفسها، تماما وبدقة واضحة، اعتيد منها أن تشير إلى الفارس (جفان مارد)()، في الحكاية القروسطية() للعيار. هذه الخاصية المعزوة إلى (جفان مارد) مألوفة -تماما- عند الحديث عن شخصية الفتوة، سواء أكان من أصل عربي، أم فارسي().
الجانب الأسطوري لشخصية الأدهم، الذي أشرنا إليه في الجزء الأخير، يتأكد بتقنية مختلفة تماما، في هذا الجزء سوف نفارق الحقيقة كثيرا، وذلك باختفاء أي شعور صادق بالزمن الحقيقي:
24- ونط م السجن حتى السور لم شافه
وطلع على عرب ساكنين بين أوحاشه
25- وراح عليهم لقاهم مبلمين علمهم
عربي فرنساوي بكل لسان كلمهم
26- لبس حكمدار وراح تيه البارود هزه
وقال له: يا مأمور لم غفرك وعساكرك
كل الأفعال هنا في الزمن التام، ومع ذلك فإنها لا يمكن أن تشترك في إطار زمن واحد، ولا يمكن أن تحدث بهذا التتابع السريع، فلقد اختفت المسافة الزمنية بين الأحداث، وأصبحت الحكاية –بطريقة واضحة جدا– قائمة بمغامرات الفتوة، بدلا من أن تصير قصة واقعية، لشخص واقعي، اسمه الأدهم.
هذه السمات غير المحددة في شخص معين، والتي تماثل صورة الشخصية الأسطورية، تؤكد بالتدخل الأول في الحكاية، من قبل راو يلفت النظر إلى سمة الشخصية، التي يظهر بها الأدهم في الحدث، يقول:
28/1- شوف من جرأة الولد على الورق علم
وينسق ظهور هذا الراوي، استجابة المستمعين –بطريقة قصوى– للحكاية التي تؤثر عند تكرارها، في إبعاد شخصية الأدهم الشرقاوي، بأقصى ما يمكن عن حياتها الواقعية، وفي جلب الصورة الأسطورية –بوضوح تام– إلى بؤرة الشعور الجماهيري؛ خدمة للنموذج الوعظي في الحكي.
سذاجة السلطات الواضحة التي لها علاقة بهذا القسم من النص، حذفت تماما من نسخة 1975م؛ وذلك –بوضوح تام– لأن فكرة قاطع الطريق الذي يتنكر في صورة رئيس الشرطة، والذي يخدع الجنود، ويجردهم من أسلحتهم، لم تكن مستساغة أبدا، من قبل شركة صوت القاهرة.
على أية حال، فلقد استمر تدفق تيار الحكي.
والحق أن التصور الذي يرى، أن البطل إذا أراد أن يكون واقعيا، فلا بد له أن يمكث طويلا جدا مع البدو، مردود عليه، ليس فقط بواسطة الأمر الذي فرضه الأدهم على نفسه، في القيام بدور المعلم بالنسبة لهم، ولكن أيضا –وبصفة خاصة– بحقيقة أن الأدهم الآن صار زعيما، لمجموعة من الأتباع في شكل عصابة.
وجه الأدهم أول تحدياته المباشرة إلى الحكومة:
31/1- وقال يا حكومة: اللي عايزني يجيني في الجبل بره
وواصل على نحو مطرد، إحباطها في كفاح مع ما يمكن أن ترسله ضده من كتائب جند، شديدة القوة والنظام.
أدى تحدي الأدهم التالي للحكومة:
34/2- وقال: اللي عاوزني يجيني في البيت
إلى نشوء أبرع خدعة في الحكاية كلها، وفيها وصلت السخرية من الحكومة -التي لم تكن قد اتضحت بشكل جيد- حتى هذه النقطة، إلى أقصى حد.
قمة التنكر كانت في المواجهة السابقة مع الحكومة، حينما ارتدى الأدهم زي الحكمدار، هنا يستغل الأدهم مظهره الوسيم، ويتنكر –أولا– في صورة امرأة () Woman، ثم -ثانيا- في صورة أجنبي:
35- بص لقى الحكومة ضربت حصار على البيت
الولد كان جميل الصورة سبحان من صور
36- لبس قميص بحمالات ومقور
ومسك ونور كمان اللمبه
37- يقول لهم: بتدورم على إيه يا حكومة
قال له المأمور: بندور يا بنت
38- بندور على ادهم ، قال لهم انا الادهم
واجيبه منين ، دا انا الادهم سمعت إنه مجمع من الرجال ألفين
39- دا انا يا حكومه بدي أشوفه
ولو تروح من عيوني عين
40- ولبس خواجه من تاني طريق وقابلهم
عربي وفرنساوي وبكل لسان كلمهم
41- قال لهم: بتدوروا على إيه
قالوا: يا خواجة بندور على ادهم
42- قال لهم: أنا الادهم أجيبه منين
43- دا انا الادهم يا حكومة: سمعت بايع عمره قد الاتنين
44- دا انا الادهم يا حكومة ، سمعت إنه مجمع من الرجال ألفين
دا انا الادهم ياحكومة: قاتل لي م العيال اتنين
وتستخدم هنا العبارة (دا انا الأدهم) التي يمكن أن تعني: إمـا "الحديث عن الأدهم الغائب"، أو " الحديث عن الأدهم الحاضر".
وفي الحقيقة، فإن البطل يقف أمام عدوه: جنود الحكومة، يخبرهم بالعبارة: "دا انا الأدهم"، وهم ما يزالون عاجزين، أن يلتفتوا إلى معنى العبارة الثاني ويقبضوا عليه.
وهذا في الواقع نوع من السخرية الدقيقة. هل أحتاج هنا إلى الإشارة أن هذا الجزء غير موجود في النسخة المسجلة؟
بالنظر إلى السطر:
40- ولبس خواجه من تاني طريق وقابلهم
عربي وفرنساوي وبكل لسان كلمهم
يرى بيير كاشيا أنه "بالنسبة للجمهور، تبقى الآلة الحكومية مؤسسة غريبة نوعا ما عنهم"()، وهذا بالتأكيد صواب، فحقيقة يجب أن نقول هنا وطوال الحكاية: إن الحكومة، سواء أكانت من أصل عربي، أم أجنبي، فهي ترى بوصفها كائنا غريبا، لا يمكن للأدهم، أو جماعته أن ينتموا إليه.
إنه نقص أساسي في الثقة، يجهز الساحة لبزوغ البطل/الضد، مثل الفتوة الأدهم.
تبدأ عقدة الحكاية في الحل، عندما تدرك الحكومة أن (أعز أصحاب) الأدهم، هو الوحيد القادر على الإيقاع به، فعندما هزم الأدهم الحكومة بالحيلة والخداع، وسخر منها، أدركت أن السبيل الوحيد للإيقاع به، هو في البحث عمن يخونه، وبطريقة ملائمة تماما ترقى الخائن -الذي استجاب لتنفيذ هدفهم- من عسكري إلى أمباشى، وتوجه –تحت ستار منهم– إلى وكر الأدهم، ومعه وجبة الفطور، دون وجبة العشا.
ورغم أن البطل/الأدهم أحس -بحدس داخلي- بما يجري، فلقد صرع في نهاية الأمر برصاصات الحكومة.
وبكلمات أخرى إن خطأ أدهم القاتل، هو ثقته في ولاء أصدقائه.
ولقد احتاجت الحكومة إلى أربع رصاصات؛ لقتل الأدهم، وبين كل رصاصة وأخرى، لخصت الصراعات التي حركت القصة كاملة، مع إعادة ألقاب الشرف التي وصف بها البطل/الأدهم إلى الذاكرة، ولقد لام الأدهم نفسه؛ وذلك لوضع ثقته في أشخاص ليسوا رجالا حقيقيين، وعاب على الرصاصات الآثمة، إسقاطها لحر أبي مثله.
هذه المناجاة للنفس أثناء الموت؛ مخصصة لأشد النهايات درامية، ولقد وصفها بيير كاشيا وصفا ملائما تماما، هو في الأغلب الأوبرالية().
ومع الرصاصة الثالثة، يتوجه الأدهم في مناجاته النفسية إلى الحكومة، ويتضح من ذلك، أن كينونة الأدهم لم ترق بعد إلى النموذج الإنساني الذي يمثله. ما هو أكثر أهمية هنا، هو أن الأدهم شرع في تكرار أحداث الحكاية الكاملة؛ مستشهدا بكل مواجهة، كدليل على انتصاره المطلق على الحكومة، وفي الواقع دليل على أنه يجسد الرمز، الذي يلخص صراعاته تماما، فهل فشل المستمعون في فهم الدور الوعظي لأحداث الحكاية، ومن ثم أخفقوا في رؤية أنفسهم كشاهد على التفوق الأصيل للأدهم وأمثال الأدهم؟ هذه المطالب الميتة بالنسبة للبطل كيف أريد لهذه الأحداث أن تفسر؟ فكل نصر على الحكومة، يشبه رصاصة تصيب الحكومة، الأمر واضح: الرصاصات الحقيقية هي الأحداث السالفة، والخزي المتتابع، الذي لاقته الحكومة على يد الأدهم، وليس في هذه الرصاصات التي يعانيها أثناء حواره مع نفسه.
وفي هذا الصدد، فإن النجاح الظاهر للحكومة، يقل شأنه عند مقارنته أخيرا، بما فعل الأدهم:
56- تالت رصاصة جات في بزه الشمال بنيشان
وقال: إن عشت يا حكومه لألبسك بدل الطرابيش طرح وشيشان
57- وان عشت يا حكومه دا انا واخد عليكي تلاته بنيشان
58- أول نيشان سلاح منك ولميت
تاني نيشان يا حكومه بالشمع ونورت لك البيت
59- تالت نيشان يا حكومة في الطريق تاني لفيت
عربي فرنساوي بكل لسان كلمتك
60- وقلت: أنا الأدهم ولا فهمتيش
رابع رصاصة جت بين القلب والصرة
تشكل مناجاة الأدهم الختامية، الموجهة إلى أتباعه أو بالأحرى إلى المستمعين، الأثر الوعظي النهائي القوي لهذا الموال:
62- والحق عندي أنا اللي وريت ابن المرة الجره
أمانة يا من عشت بعدي ماتأمنش لصاحب دنيا غروره
63- ما فيش ولا صاحب إلا ويجيب لك الأذى بإيديه
أمانة يا عيلة شرقاوي حد بعديه لا أخ لي ولا عم لي
64- يا خد التار بعدي يا قاعدين كلكم وحدوا الله يا هو
65- الحادثة دي جرت على سبع شملول وداسوا عليه الرجال قتلوه
وبكلمات أخرى، يثمن الأدهم كلا من الحرية، والثقة بالنفس عاليا، وينصح بالحذر من أولئك الذين يثق المرء بهم.
وفي الختام، يناشد الأدهم ليس فقط عائلته، ولكن -بالضرورة- المستمعين، أن يثأروا لقتله بصفة خاصة، كما انتقم هو لعمه، وبصفة عامة أن يتعلقوا برمز الشرف ومبادئه، التي عاش من أجلها.
يظهر الراوي مرة أخرى مع السطر الأخير، وكأنه يؤكد دقة الأحداث المحكية توا:
65- الحادثة دي جرت على سبع شملول وداسوا عليه الرجال قتلوه
وبشكل شخصي، ما أجده شائقا جدا في هذه الحكاية، هو كيفية عمل كل صفة في شفرة شخصية البطل، بطريقة تغير اتجاه نوع القص.
يعمل النص بمستويين:
الأول- مستوى وعظي، بقائمة صفاته التي تشكل الفتوة.
والثاني- مستوى تشويقي، في الحكي، ينهض على كيفية روغان الأدهم من البوليس().
وهذا المستوى يشكل –بكلمات أخرى– ابتهالا صرفا من الفعاليات المثالية، المصنوعة بطريقة شائقة، بواسطة أحداث المسرحية، بين كل مواجهة بين الأدهم والبوليس، وبين كل تعارض بين قوتين، وبين مثالية البطل، والسخرية من السلطة التابعة للحكومة.
وبينما ينتقل الكاتب بين هذين المستويين، يستمتع المستمعون في الوقت ذاته.
الشفرة تنمي مراحل الحبكة، والحبكة تستحضر الشفرة إلى الحياة: الحياة الواقعية، وتنشأ الأسطورة.
حل العقدة، وسقوط البطل المفاجئ، يأتيان فقط بانتهاك الشفرة، التي تولد قوة الدفع طيلة الحكاية، وفي هذا الصدد، فإن سقوط الأدهم قد برئ في الحال-من قبل النص- على المستوى الأخلاقي، فالأدهم لم يسقط بسبب بعض الضعف الموجود فيه، ولكن بسبب فشل الآخرين في إخلاص الولاء، لرمز الشرف العالي الذي يمثله.
فالأدهم نفسه، يمكن أن يموت زمنيا، لكن رمزه والآخرين مثله، هم الذين سوف يخلدونه إلى الأبد.
الإحالات:
|