|
القاهرة 10 فبراير 2026 الساعة 12:49 م

بقلم: حسن غريب
لا تُكتب هذه الدراسة من موقع النظرية الباردة أو المسافة النقدية المتعالية، بل تنبثق من تماسّ حي بين النص والقارئ، بين التجربة الشعرية والوعي الذي يتلقّاها. فمع كل قصيدة، يتولّد إحساس بأن الشاعر لا يكتب من خلف الكلمات، بل يهمس بها مباشرة، كأن القراءة جلسة مصغّرة للإنصات: إنصات للصمت، وللخذلان، ولليومي الذي يمرّ بنا جميعًا دون أن ننتبه.
تتناول هذه الدراسة ثلاثة دواوين عامية معاصرة، تتقاطع في اشتغالها على الفقد، والغربة، واليومي الملموس، مع اختلاف واضح في زاوية الرؤية ونبرة التعبير:
محمد أبو حج يواجه الصدمة بلا تزييف أو تجميل، رشا الفرجاني تغوص في غربة داخلية هادئة وممتدة، بينما يلتقط حسام كمال تفاصيل اليومي والهامشي ليحوّلها إلى مرآة للوعي الاجتماعي.
لا تسعى هذه القراءة إلى إصدار أحكام قيمية، ولا إلى تقديس التجارب أو إدانتهم، بل تراهن على الإنصات والمعايشة، ومحاولة فهم الكيفية التي تتحوّل بها المشاعر الإنسانية إلى لغة، ويغدو الصمت شعرًا، واليومي رؤيةً جمالية.
كل فقرة في هذه الدراسة تنطلق من سؤال جوهري: ما الذي يجعل النص ينبض؟ وكيف تنجح الكلمات في نقل الشعور لا بوصفه معنى فقط، بل تجربةً معاشة؟
أولًا: الشعراء وسياق التجربة
ينتمي الشعراء الثلاثة إلى جيل يكتب من قلب تحوّلات اجتماعية ووجدانية حادّة، حيث تتقاطع الأزمات الفردية مع شعور عام بالإنهاك واللايقين.
محمد أبو حج يكتب من موقع الذات المصطدمة بالخذلان، حيث تتداخل التجربة الشخصية مع خيبات جماعية، فتتحوّل الذات إلى مرآة لاختلال العلاقات والقيم.
رشا الفرجاني تقدّم صوتًا أنثويًا تأمليًا، تبحث فيه الغربة الداخلية عن ملاذ شعوري، فتغدو الكتابة رحلة طويلة في هشاشة الانتماء.
حسام كمال ينحاز إلى اليومي والهامشي، ويمنح التفاصيل البسيطة قدرة على كشف التحوّلات الصامتة في الوعي الاجتماعي.
تتغذّى هذه التجارب من سياق ثقافي مثقل بالإحباط، حيث تتقاطع الخسارة الفردية مع شعور جمعي بالانكسار، وهو ما يفسّر الحضور الطاغي للذات المجروحة، واللغة القريبة من نبض الشارع والوجدان.
ثانيًا: شعر العامية.. من البوح إلى الوعي
لم يعد شعر العامية المعاصر مجرّد ممارسة وجدانية تلقائية، بل تحوّل إلى فضاء لاختبار الذات في علاقتها بالعالم. فالعامية هنا ليست اختيارًا لغويًا بريئًا، بل موقفًا ثقافيًا من اللغة المهيمنة، ومن أنماط التعبير المؤدلجة.
في الدواوين الثلاثة، لا تكتفي الذات بالشكوى، بل تعيد صياغة ألمها في لغة قادرة على الاحتمال والتكثيف، وهو ما يفتح السؤال النقدي التالي:
إلى أي مدى يعي الشاعر اشتغاله بلغته، وبذاته، وبقارئه في آن واحد؟
ثالثًا: ديوان «الخذلان» – محمد أبو حج
يقدّم ديوان **«الخذلان»** تجربة شعرية مكثفة، تضع القارئ مباشرة أمام ذات تتعرّض للفقد والانكسار المستمر. اللغة هنا عارية من الزخرفة، والصورة نابعة من صميم التجربة.
في قصيدة "القلب كومة" تتكثّف الدلالة الوجدانية عبر مفردات بسيطة محمّلة بضغط شعوري عالٍ، حيث لا يقرأ القارئ الكلمات بقدر ما يشعر بثقلها.
وفي"أصدقاء الغياب" يتحوّل الخذلان من تجربة فردية إلى إحساس جمعي مألوف، بينما تصبح المرآة في قصيدة "في المرآة" مساحة تأمل وجودي، لا أداة بلاغية فحسب.
الليل، القلب، المرآة، والصمت ليست رموزًا زخرفية، بل مفاتيح نفسية تفتح النص على تجربة إنسانية مشتركة، يتماهى معها القارئ بسهولة.
ينجح الديوان في خلق صدى وجداني مباشر، يجعل القراءة مشاركة شعورية لا مجرّد فعل تحليل.
رابعًا: ديوان "غربة روح" – رشا الفرجاني
في هذا الديوان، لا تُقدَّم الغربة بوصفها انفصالًا مكانيًا فقط، بل حالة وجودية ممتدة. اللغة هادئة، شفيفة، تعتمد الهمس بدل الصراخ.
في قصيدة "القمر شاهد" يتحوّل القمر إلى مرآة للذات، وفي " بوح المرأة" يصبح الصمت أداة كشف لا أقل فاعلية من الكلام. أما الذكريات والظلال، فتؤسس فضاءً شعوريًا عامًا يمكن للقارئ أن يسكنه بسهولة.
تحوّل الفرجاني تجربتها الفردية إلى سؤال إنساني مفتوح، يتجاوز الخصوصية دون أن يفقد صدقه.
خامسًا: ديوان «اليومي» – حسام كمال
يشتغل حسام كمال على التفاصيل العابرة: الشارع، البيت، الوجوه، الزمن. لكنه لا يكتفي بوصفها، بل يمنحها كثافة شعورية تجعلها قابلة للتأمل.
في "شارعنا" و"بيت بلا صدى" يتحوّل المكان إلى كائن حي، يحتفظ بالذاكرة والصمت. أما الزمن في "حكايات الزمان"، فيمرّ بلا ضجيج، لكنه يترك أثرًا عميقًا في الوعي.
ينجح الديوان في تحويل اليومي إلى تجربة شعورية مشتركة، تضع القارئ داخل النص لا أمامه.
سادسًا: تقاطعات التجربة واختلاف الرؤية
أبو حج: بوح صادم، لغة مكثفة، رموز نفسية مباشرة.
الفرجاني: تأمل هادئ، غربة داخلية، لغة موسيقية.
كمال: اشتغال على اليومي، لغة نثرية شفيفة، حس اجتماعي واضح.
القاسم المشترك بين التجارب الثلاث هو تحويل الخاص إلى خطاب شعوري عام، قابل للتشارك والتأويل.
تكشف هذه الدواوين عن الإنسان الكامن خلف الكلمة، وعن نصوص كُتبت من التجربة قبل أن تُصاغ شعرًا.
في "الخذلان" نعيش الصدمة، وفي «غربة روح» نهمس مع الغربة، وفي "اليومي" نعيد اكتشاف التفاصيل الصغيرة التي تصنع حياتنا.
بهذا المعنى، لا يقدّم شعر العامية هنا لغة بديلة فحسب، بل يقدّم حياةً كاملة، وحسًّا إنسانيًا صادقًا، يجعل من القراءة فعل مشاركة وجدانية، لا مجرد تلقي نقدي.
|