|
القاهرة 09 فبراير 2026 الساعة 07:37 م

قصة: مصطفى علي عمار
"سيما" كانت هذه الكلمة تجمع أهالي القرية في المساء بعد صلاة العشاء، كبير وصغير. عندما نسمع نداء "سيما يا بلد" ويكمل المنادي في غرب البلد عند الجمعية الزراعية، أو عند الوحدة الاجتماعية بحري البلد أو عند المدرسة. يجري الصبية والشباب بملابسهم البسيطة من الجلباب البلدي وبعضهم حافي القدمين وبعضهم بملابس بالية، إلى اتجاه المكان ويجلس الجميع على الأرض جلسة القرفصاء أو جلسة التربيعة. وتصطف القرية في مكان فسيح في مشهد يعبر عن بساطة الناس.
ويأتي عسكري وخفير من النقطة ليتابع معهم ومع الناس هذا الاصطفاف حتى ينتهوا من الفرجة على السينما.
في هذا الوقت، لم يكن في القرية أكثر من 20 تلفاز أبيض وأسود، لم تكن التليفزيونات الملونة قد نزلت القرية. ولم يكن الناس يعرفون طريق السينما في المدينة لبساطتهم. فكانت تأتي سيارة ميكروباص من مدينة المنيا، وتحديدًا من مديرية الصحة، محملة بجهاز سينما ومتعلقاته ومعهم طبيب وممرض.
وكانوا يخطرون النقطة بمجيئهم لاتخاذ اللازم. فيختاروا مثلًا الحائط العريض للجمعية الزراعية أو حائط منزل شيخ البلد أو حائط منزل العمدة ليتم عرض الفيلم عليه بعد أن يتجمع الناس.
وكانت الناس تشتري التسالي من اللب البلدي أو بعض الحلويات كي يشعرون أنفسهم أنهم مثل أهل المدن يجلسون في السينمات. ولكنهم يشعرون بفخر لأن السينما تأتي إليهم إلى دارهم.
وكان يجلس الجميع مترقبًا بأن يقول الفني "نعم، هذا الحائط يصلح للعرض". أما إذا جلس الجميع ثم قال الفني بعد تجربته للعرض "إن هذا الحائط غير صالح للعرض"، كان الجميع يقومون بندم وحسرة، لكن عليهم أن يجروا مهرولين مضطرين في الشوارع وراء السيارة إلى مكان آخر يصلح للعرض. كما يختاروا بعد توجيه عسكري النقطة لهم أو الخفير أو أحد الأهالي. وتسير السيارة متجهة للمكان الآخر وورائها الجميع مهللين "سيما". وعندما يقول الفني "هذا الحائط صالح للعرض" يصفق الجميع مهللين بالفرح، وربما لو هناك نساء تشاهد من خلف الشرفات لزغردن.
وقبل تشغيل السينما لهم على الحائط، أثناء إعداد فريق عمل السينما الفيلم الذي سوف يعرض، كان الجلوس يغمرهم سعادة وفرح، ويظل مستمرًا بالتصفيق لفريق العمل، وكأنهم في يوم عيد.
وعندما يبدأ الفيلم، الجميع يصفق ويعلو صوت الصفير.. ثم يصمت الجميع متابعًا تحرك الأشخاص على الحائط ومتابعين قصة الفيلم التي كانت أغلبها مكررة كل مرة حتى حفظت الناس الفيلم الذي يعرض كل مرة.
وكانت أغلب القصص تتكلم عن الفلاحين والبلهارسيا وعرض إعلانات قديمة عن البلهارسيا، وتحذير من الاقتراب من الترعة أو الاستحمام فيها. ثم يعيدون الإعلانات أكثر من مرة.
كنا نعتقد أنها حقًا سينما ترفيهية لنا، إلى حين أدركنا أنها سينما توجيهية وتوعوية بسبب أمراض البلهارسيا التي كانت منتشرة وقتها وكانت تفتك بكثير من الفلاحين لجهلهم بالمرض وعدم التوجه للوحدة الصحية لعمل التحاليل وأخذ جرعات العلاج اللازمة.
وعندما شعروا بأن الأهالي ملت من عرض هذه الأفلام المكررة، فقاموا بتغيير الفيلم..
أتذكر يومها كنت مع المصطافين، وكان فيلم للفنان فريد شوقي الذي كان يحكي عن انتقام البطل مما دمر منزله واغتصب زوجته وتسبب في وفاتها. كانت قصة مؤثرة أبكت الجميع وفتحت مدارك الصغر والشباب على اتباع سرد الفيلم والتأثر بقصته ومعرفة هل هي هادفة أم للتسلية.
ولكنهم جعلوا الجزء الثاني من الحفل - لو صح أن نطلق على هذه الليالي يوم حفل - جعلوا الجزء الثاني أفلام قصيرة عن البلهارسيا وإعلانات البلهارسيا أو شرح دورة حياة البلهارسيا لتوعية الناس حثهم على التوجه للوحدة الصحية.
وبعد أيام عرض برنامجهم السينمائي ويختتم بهذه الإعلانات. إذا فجأة تطفأ الأنوار المتحركة بالأشخاص على الحائط، ويظلم المكان كما كان. فيعود الجميع للتصفيق والصغير لعلمهم بانتهاء هذه الليلة المبهجة.
ثم تبتلع الشوارع الجميع وكل منهم يدخل داره. ويعود فريق عرض السينما إلى سيارتهم حاملين جهاز السينما مودعين القرية بسلام للجميع للقاء آخر بعد بضعة أشهر أو عام.
|