|
القاهرة 09 فبراير 2026 الساعة 11:31 ص
?بقلم: د. إنجي عبدالمنعم
?خلف كل تصفيق حار يضج به مسارح أسوان، ومع كل رقصة تُبهر العيون، هناك جيشٌ لا يراه الجمهور، يسابق الزمن في صمت، ويطوي المسافات بين 15 موقعاً ثقافياً وسياحياً بمهارة "الحاوي".. إنهم "صنايعية البهجة" الذين لا تلمس أقدامهم خشبة المسرح تحت الأضواء، لكن أرواحهم تسكن كل تفصيلة في مهرجان أسوان الدولي للثقافة والفنون.

?• العلاقات الثقافية الخارجية.. "الدبلوماسية الناعمة" ومظلة الرعاية
?على مسارٍ موازٍ لهذه الجهود الميدانية، تبرز القوة الناعمة المصرية من خلال الإدارة المركزية للعلاقات الثقافية الخارجية، التي تمثل المظلة الدولية التي تحتضن هذا التنوع. ويأتي دور الأستاذ محمد نبيل، مدير إدارة الأنشطة الثقافية بالعلاقات الخارجية، كأحد المحركات الأساسية خلف الكواليس؛ حيث يعمل "حلقة وصل" احترافية تضمن تذليل كافة العقبات أمام الفرق الأجنبية المشاركة.
?فمنذ اللحظة الأولى لوصول الوفود، تظهر بصمات الإدارة في التنسيق الدقيق والحرص على تقديم صورة تليق بمكانة مصر الثقافية. وبحسب المتابعين، فإن مجهودات إدارة الأنشطة الثقافية هي التي تمنح المهرجان صبغته الدولية المنضبطة، حيث تتحول الأوراق والتصاريح والتنسيقات الرسمية إلى "واقع ملموس" من البهجة يراه الجمهور على مسارح أسوان، مما يؤكد أن نجاح المهرجان هو ثمرة تلاحم بين "الرؤية الإدارية" و"الإبداع الميداني".

* تامر النطاط: أصوّر بـ "روحي" قبل عدستي.. وحركتي الثابتة "حياة"
?وإذا كان المهندس يمنحنا العرض، فإن المصور الفوتوغرافي هو من يمنحه الخلود. وبشغف الفنان، يروي النطاط حكايته مع اللحظة: "كثيراً ما تستهويني اللحظات الفاصلة خلف الستار؛ أصوّر الفرق قبل دخولها المسرح بحالة (التركيز المقدس) في عيونهم وتشابك أيديهم. إنني لا أصورهم بالعدسة فحسب، بل أصوّرهم بروحي؛ فنظراتهم تعلن أنهم استوطنوا حالةً شعورية أخرى".
?وعن "فلسفة الحركة" في كادراته، يضيف: "حركة الراقصين على المسرح هي تحدٍ خاص؛ فأنا أختار بعناية ذروة الحركة مع مساحة الفراغ والزاوية. والنتيجة هي كادر ثابت، لكنه يعج بالطاقة والروح".
ويختتم بلمسة جمالية: "أعشق تجميل الحركة مثل تطاير ثياب (التنورة) وهي تعانق الهواء؛ فتجميل الحركة هو الذي يخلق هذا التناغم الساحر، ويجعل من اللقطة سيمفونية بصرية تليق بجمال أسوان".

?• كتيبة المهام الصعبة.. مهندسو الضوء والصوت في قلب أسوان
?وفي عمق الميدان، تبرز الإدارة الهندسية (قسم العروض الخارجية) كـ "حراس للحظة" وشركاء في صناعة الوعي؛ فهم العمود الفقري الذي يرتكز عليه سحر المهرجان، والجندي المجهول الذي يضيء دروب الثقافة من قلب المدينة إلى أبعد نجع وقرية.
?وبصوت يملؤه الفخر، يتحدث المهندس محمد أنور موضحاً أن مهمتهم تتجاوز الجوانب التقنية الصرفة: "نحن نطوع هندسة الصوت والضوء لتعكس (دفء النوبة) بألوان الشمس، وتجسد (غموض غابات الشمال) بظلالها الباردة. نتحمل مسؤولية سمعة مصر الدولية بأعصاب حديدية لضمان تناغم آلات العالم—من (الكوكل) اللاتفي إلى (السمسمية) المصرية—رغم العمل في تضاريس صعبة".
?وبنبرة تقدير لرفقاء الدرب، يؤكد أنور أن النجاح يُصنع بأيادي رجال يؤمنون بأن عملهم مهمة وطنية، وهم كتيبة المهام الصعبة: ?(محمد أنور، عصام زينهم، عطية أحمد علي، محمد ماهر، أحمد عطية، تامر أبو المجد، حمدي قضب، وليد راشد، محمد عصام، لؤي رؤوف).
?• مايكل يعقوب: الإضاءة.. لغة المسرح التي لا تنطق
?بفلسفة الفنان قبل تقنية المهندس، يروي لنا مايكل يعقوب، مصمم إضاءة المهرجان، كيف تتحول "الكشافات" إلى ريشة ترسم ملامح الشعوب؛ قائلًا: "مهمتنا هي (تجسيد المشاعر) قبل تجهيز المعدات؛ فنحن نرسم لوحات حية تتنفس مع كل عرض".
?وعند الغوص في (فلسفة اللون)، يكشف يعقوب عن "سر الخلطة" في موازنة الضوء؛ إذ يعتمد في العروض النوبية على "درجات الشمس" الذهبية التي تحاكي غروب النيل، بينما يستحضر في "غموض الشمال" برودة الشتاء عبر اللونين الأزرق والسيان والظلال الحادة، محولاً خشبة المسرح إلى جسر يعبر بالجمهور بين القارات بلمسة ضوء.
واتصالاً بهذا السياق، يوجه نصيحته لزملائه: "الإضاءة الناجحة هي التي يشعر بها الجمهور كحالة نفسية؛ لذا اجعلوا الضوء يرقص على إيقاع الصوت".
?• الزاوية الإنسانية.. متى يشعرون بالنجاح؟
?ختاماً، حين تسأل "جنود الخفاء" عن لحظة انتصارهم، لن يخبروك عن تكريم، بل سيشيرون إلى تلك "الابتسامة" على وجه سائح، أو "انبهار" طفل صغير، أو تلك "الصورة" التي انتشرت لتعرض جمال مصر. نجاحهم يكمن في "عدم شعور الجمهور بهم"؛ فكلما مر العرض بسلاسة، كان ذلك دليلاً على إبداعهم الصامت.
?لقد أثبت مهرجان أسوان في دورته الثالثة عشرة أن الفن هو تلك الجهود المضنية التي تُبذل في "الكواليس"، حيث يُصنع الفرح بأيدي "صنايعية البهجة" الذين اختاروا أن يكونوا الظل الذي يضيء للآخرين دروبهم.
|