|
القاهرة 08 فبراير 2026 الساعة 12:33 م

بقلم: د. إنجي عبدالمنعم
• فلسفة الخيط.. حينما يرتدي التاريخ جسد الفن
هل تساءلت يوماً لماذا نرتدي ما نرتديه؟ هل هو اتقاءٌ لبردٍ أو سترٌ لجسد، أم أنه محاولة أزلية لتدوين "الذات" على مساحة من قماش؟!..
في "مهرجان أسوان الدولي للثقافة والفنون"، لم تكن الأزياء مجرد خيارات جمالية أملتها ذائقة المصممين، بل كانت تجسيداً لفلسفة "الوجود من خلال الخيط".
إن الثوب، في جوهره، هو الكائن الوحيد الذي يمتلك قدرة مذهلة على اختصار المسافات بين الجغرافيا والتاريخ، وبين الروح والمادة؛ فهو "اللغة التي لا تنطق" لكنها تُفصح عن مناخات البلاد، وتضاريس الجبال، وحكايات الحصاد، وحتى صرخات المقاومة.
على ضفاف النيل بأسوان، يتجلى "الثوب" كفعلِ مقاومةٍ ضد النسيان. فالإنسان، عبر العصور، نحت هويته في "غرزة" إبرة، وصقل انتماءه في "لمعة" خيط معدني، بجانب نحته للصخر.
هنا، ندرك أن القماش هو ذاكرة بصرية تحتفظ برائحة الحقول في كفر الشيخ، وبريق الشمس في النوبة، وخشونة الصوف في غابات الشمال، ودموع الوجد في فلسطين. إنها "فلسفة الستر والإعلان"؛ حيث يستر الثوب الجسد ليعلن عن "الأمة"، ويحمي الكائن ليتحدث عن "الحضارة".
في هذا الفضاء الإبداعي، يتحول العارضون إلى "رواةٍ صامتين"؛ كل حركةٍ من أطراف أثوابهم هي جملة موسيقية، وكل لونٍ يرتدونه هو مذهبٌ فكري. الأزياء هنا هي "القوة الناعمة" في أبهى صورها؛ فهي لا تحتاج إلى ترجمة لتخبرنا أن أهل كازاخستان فرسان الجبال، أو أن اليونانيين ورثة الرخام والبحار. إنها دعوة للتأمل في كيف استطاعت "الإبرة" أن تخيط جراح المسافات، وتجمع العالم في "ديوانٍ بصري" واحد على ضفاف نيلنا الخالد، ليبقى الثوب هو الشاهد الأصدق على أننا – برغم تباين ألواننا ونقوشنا – ننسج جميعاً حكاية إنسانية واحدة.
• التلّي الصعيدي والنوبي.. وهج الشمس وسمرة الأرض
حين تتأمل الفرق المصرية المشاركة، يبرز "التلّي" الصعيدي (كما في إبداعات فرقتي كفر الشيخ وبني سويف) كشاهدٍ عريق على ذائقة الفنان المصري الفطرية؛ بخيوطه المعدنية التي تتلألأ فوق القماش القاتم كأنها انعكاس لضوء القمر على صفحة النيل في ليلةٍ صافية.
وفي المقابل، تطل الملابس النوبية والأسوانية بألوانها الزاهية، لتضج بالأصفر والأحمر والأزرق في محاكاة صريحة لألوان الطبيعة في جنوب مصر؛ فالثوب هناك هو احتفاءٌ بصري بوهج الشمس، وعناقٌ حار لسمرة الأرض النوبية الأصيلة.
• أزياء اليونان وكازاخستان.. تباين الجغرافيا في خيط واحد
وبإمعان النظر في أزياء الفرق الأجنبية، نجد تبايناً مذهلاً يحكي فلسفة البيئة؛ ففرقة كازاخستان (بأزيائها الحمراء المزدانة بالفراء والتطريزات الذهبية الكثيفة) تنقل لنا هيبة السهول الآسيوية الشاسعة وعنفوان الطبيعة الجبلية، حيث تعكس الزخارف الذهبية روح المحارب والفروسية المتجذرة في تراثهم. أما اليونان، فتطل بأزياءٍ تمزج بين بياض الرخام الناصع وزرقة المتوسط الملكي، مع لمساتٍ ذهبية رقيقة تعيدنا إلى هدوء الجزر العريقة؛ فتلك الأزياء بوقارها وتداخلاتها الهندسية تشبه في صرامتها وجمالها عمارة معابدهم القديمة، ما يجعلها شاهدةً على حضارةٍ لم تنفصل يوماً عن جذورها.
• التطريز كرسالة.. من غابات لاتفيا إلى صحاري فلسطين
ولا يمكن للعين أن تخطئ فرقة "أوبيت" اللاتفية بأزيائها الصوفية الثقيلة ونقوشها المربعة (الخانات)، وهي تفاصيلٌ تنطق ببرودة الغابات الشمالية وقسوة الشتاء والحاجة للدفء. وفي ذات السياق القوي، تبرز فرقة وطن الفلسطينية بأثوابها السوداء المزدانة باللون الأحمر القاني؛ حيث تروي كل "غرزة" في التطريز الفلسطيني قصة صمودٍ وارتباطٍ أزلي بالأرض، وكأن ذلك الخيط الأحمر هو شريان الحياة الذي يربط غزة بأسوان، ويحول الوجع إلى جمالٍ يقهر النسيان.
• الثوب.. لغة الشعوب الصامتة
في مهرجان أسوان، أثبتت الأزياء أنها اللغة الكونية الأكثر صدقاً؛ فالألوان الداكنة والخامات المتينة حدثتنا عن الجبال والغابات الباردة، بينما الألوان الصارخة والأقمشة المسامية سردت لنا حكايات الحصاد والشمس والدفء.
لقد كانت ضفاف النيل في هذه الدورة شاهدةً على أن الشعوب -مهما تباعدت لغاتها- تظل خيوطها تنسج حكاية إنسانية واحدة، تجعل من "الثوب" هويةً عصية على المحو، وبصمةً خالدة في ذاكرة الزمن.





|