|
القاهرة 08 فبراير 2026 الساعة 01:37 ص

بقلم: د. إنجي عبدالمنعم
تحت سماء أسوان التي لم تغمض عيناها يوماً عن تلاقي الحضارات، وفي رحاب الدورة الثالثة عشرة لمهرجانها الدولي للثقافة والفنون، شهد حضور فرقة "أوبيت" (Up?te) اللاتفية استحضاراً لروح الغابات الشمالية الباردة ووضعها في قلب النوبة الدافئ. هذه الفرقة التي تأسست عام 2002، جاءت بقلبها النابض كحارسٍ للتراث العالمي غير المادي، لتنشر في فضاءات أسوان أمانة الحفاظ على هوية منطقة "لاتغاليا" التاريخية بكل ما تحمله من شجن وجمال.
وبمجرد أن اعتلى أعضاء الفرقة مسارح أسوان، انطلقت أصوات "الكوكل" (Kokle)؛ تلك الآلة الوترية التي تشبه في شجنها أنين القانون، لتمتزج مع رنين الكمان ودقات الطبول، مقدمةً أسلوب الغناء "Balsi" المتعدد الأصوات. في تلك اللحظة، انصهرت المجموعة في تناغمٍ جماعي يجسد روح الترابط القوي لأهالي قريتهم البعيدة، مما خلق حالة من الاندماج العاطفي مع الجمهور المصري الذي تفاعل بوجدانه مع ألحانٍ لم تحتج لمترجم لتعبر القارات.
وفي حديثٍ مفعم بالامتنان، عبّر أندرياس سليشن مدير الفرقة عن دهشته بهذا العناق الثقافي قائلاً: "إن الوقوف على مسارح أسوان كان حلماً يتجاوز حدود الجغرافيا؛ لم نتخيل أن ألحان غاباتنا ستجد هذا الصدى الدافئ لدى شعب النيل، لقد تعلمنا هنا كيف يبتسم التاريخ للفن".
ولم يكن المشهد سمعياً فحسب، بل تحولت فضاءات العرض إلى "متاحف متنقلة" تزهو بالأزياء التقليدية؛ حيث الأوشحة البيضاء المطرزة بمشابك "Sakta" الفضية، وتيجان الفتيات التي تنافس الشمس بريقاً. ومع كل رقصة دائرية أو تشبيكٍ بالأيدي، كان أعضاء الفرقة يرسلون رسالة رمزية عن دورة الحياة التي تجمع شعوب الأرض مهما باعدت بينهم المسافات.
لقد أثبتت "أوبيت" من قلب مصر أن التراث حين يُصان بالحب، يصبح لغة عالمية تخترق الصدور.
ومع تواصل عروض 14 فرقة مصرية ودولية في 15 موقعاً سياحياً وثقافياً، تظل أسوان هي المبتدأ والخبر في كتاب الحضارة، بانتظار ليلة الختام الكبرى يوم الاثنين 9 فبراير على مسرح "فوزي فوزي"، لتتوج ملحمةً فنية صاغتها الإدارة المركزية للشئون الفنية بإتقان، ودمجت فيها سحر الفن بحيوية السياحة في قلب جنوب الصعيد.



|