|
القاهرة 06 فبراير 2026 الساعة 01:03 ص

بقلم: د. إنجي عبدالمنعم
* قراءة بصرية في هوية مهرجان أسوان الدولي للثقافة والفنون
* مفتاح الحياة: حينما يرقص الرمز في ضيافة النيل
تمثل المهرجانات الدولية الكبرى منصة لتقديم الهوية الوطنية في أبهى صورها؛ ومن هنا تبرز أهمية مهرجان أسوان الدولي للثقافة والفنون كواحد من أهم المحافل التي تضع مصر على خارطة السياحة الثقافية العالمية.
وفي عصر "الصورة"، أصبح التصميم الدعائي أداة تسويقية استراتيجية تلعب الدور المحوري في جذب الجمهور وبناء انطباع ذهني يجمع بين الإبهار والاحترافية.
إن التصميم الناجح هو "البوابة الأولى" التي يعبر منها الزائر نحو أجواء المهرجان، وهو ما يجعل من القراءة النقدية للهوية البصرية لهذا الحدث ضرورة لفهم كيف يسهم الفن الجرافيكي في تعزيز الرسالة الثقافية للدولة المصرية.
وتتجلى هذه الأهمية الفلسفية في كون التصميم لا يقف عند حدود الوظيفة، بل يتجاوزه ليصبح "بياناً بصرياً" يسرد قصة اللقاء الإنساني فوق أرض الذهب.
وفي هذا السياق، استطاع الفنان "وسام سامي" - مصمم الجرافيك بالإدارة العامة للجرافيك التابعة للإدارة المركزية للوسائط التكنولوجية بالهيئة العامة لقصور الثقافة - أن يقدم رؤية بصرية مغايرة؛ حيث تعامل مع مساحة التصميم كميدانٍ حيوي تنصهر فيه عناصر الأنثروبولوجيا البصرية لتخاطب الوجدان الجمعي، محولاً "البانر" إلى جسرٍ يعبره المشاهد نحو عمق الحضارة المصرية.
وبالنظر إلى المنظومة اللونية التي اعتمدها المصمم، نجد استلهاماً عميقاً من ثلاثية "الطبيعة والزمن"، محققاً توازناً دقيقاً بين الهدوء والطاقة؛ فاللون الأزرق النيلي يفرض حضوره كرمزٍ للاستمرارية، بينما يتوهج الأصفر الذهبي والبرتقالي ليعكسا حرارة الشمس والرمال النوبية، مما يضخ شحنة من "الديناميكية" التي تحاكي إيقاع الرقص الفلكلوري.
إن هذا الهارموني اللوني يعكس وعي "وسام سامي" بضرورة ضبط الضجيج البصري الناتج عن تعدد الفرق المشاركة، وصهره في سيمفونية واحدة توحي بالوحدة رغم التنوع.
ويبرز ذكاء المصمم في اختيار عنصر "مفتاح الحياة" (العنخي) ليكون أيقونة الربط الوجودي في التصميم؛ فهذا الرمز الذي اختصر به الأجداد مفهوم الخلود، لم يكتفِ المصمم بوضعه كعنصر ساكن، بل منحه "حياة" إضافية عبر تحويله إلى عنصر حركي فاعل ضمن برومو عرض الافتتاح.
إن توظيف "مفتاح الحياة" كأداة تتحرك وتتفاعل يعكس رؤية إخراجية تهدف إلى كسر الجمود، حيث يتحول الرمز من أيقونة تاريخية إلى طاقة بصرية حية تنسجم مع أجساد العارضين وإيقاع الموسيقى. هذه "الحركية" تمنح التصميم ثقلاً يوازن بين صخب الحركة ووقار الرمز، محولةً إياه إلى رسالة فلسفية مفادها أن الفن هو سر الحياة المتجدد.
أما على صعيد العناصر والرموز الأخرى، فقد ارتكزت رؤية المصمم على مبدأ "التراكم الحضاري"، حيث يتم تجريد الهوية الإنسانية في خطوط انسيابية توحي بالحركة الكونية التي لا يحدها لسان. وهنا تبرز فلسفة "الثبات والمتغير" من خلال دمج الكتل المعمارية للمعابد الصخرية، وكأن المصمم يشير إلى أن الحجر قد يحفظ التاريخ، لكن الفن هو الذي يمنحه الروح والقدرة على السفر عبر الزمن، وهو توظيف رمزي يؤصل لهوية المكان المستضيف وسط الزخم الدولي للمهرجان.
وفيما يتعلق بالبناء التركيبي، تظهر الرؤية النقدية لـ "وسام سامي" في استخدام "التوازن غير المتماثل" الذي يخدم فكرة المهرجان القائمة على المفاجأة؛ حيث يترك للفراغ مساحة للتنفس، معتبراً أن "الصمت البصري" هو التمهيد الضروري للموسيقى الصاخبة.
إن هذا الاقتصاد في العناصر يضفي صبغة من الفخامة والحداثة، مما يجنب التصميم السقوط في فخ التكدس، ويسمح لكل رمزٍ بأن يحكي قصته الخاصة دون تشتيت لعين المشاهد التي "ترقص" بفضول بين تفاصيل اللوحة.
يذكر أن مهرجان أسوان الدولي للثقافة والفنون تظاهرة إبداعية فريدة تُقام سنوياً في قلب "عروس النيل" أسوان، تزامناً مع ظاهرة تعامد الشمس على تمثال الملك رمسيس الثاني بقلب معبد أبو سمبل.
ويستمر المهرجان الذي تنظمه الهيئة العامة لقصور الثقافة، على مدار أسبوع حافل بالبهجة، حيث تتوزع فعالياته بين مسرح "فوزي فوزي"، ومواقع الثقافة بمختلف قرى ومراكز أسوان.
وتتلاقى في هذه الدورة فرق فلكلورية تمثل عشرات الدول العربية والأفريقية والأجنبية، لتصنع لوحة من التعايش السلمي والحوار الثقافي، وتثبت أن الفن في "مصر المحروسة" سيظل دائماً هو اللغة الأقصر للوصول إلى قلب العالم، وهو الحارس الأمين لجماليات الهوية التي لا تزيدها الأيام إلا بريقاً وتجدداً.

|