|
القاهرة 04 فبراير 2026 الساعة 08:49 م

بقلم: محمد خضير
أسدل معرض القاهرة الدولي للكتاب الستار على دورته السابعة والخمسين بعد رحلة ثقافية ثرية، رسّخت من جديد مكانة هذا الحدث بوصفه أحد أهم الملتقيات الفكرية في المنطقة والعالم.
ومع تجاوز عدد زواره حاجز الستة ملايين زائر، لم يكن المشهد مجرد رقم قياسي يضاف إلى سجل المعرض، بل شهادة حية على اتساع رقعة الوعي المجتمعي بقيمة المعرفة، وعلى استمرار الكتاب في احتلال مكانته كأداة لصناعة الوعي وبناء الإنسان.
لقد تحوّل المعرض عبر مسيرته الطويلة إلى منصة حضارية تعكس ملامح الشخصية الثقافية المصرية، حيث تتجاور الإصدارات الفكرية والإبداعية مع الفعاليات الفنية والندوات الفكرية، في صورة بانورامية تؤكد أن الثقافة لم تعد نشاطًا نخبوياً، بل أصبحت ممارسة مجتمعية تتفاعل معها مختلف الفئات العمرية والاجتماعية.
ومن هذا المنطلق، جاء الحضور الجماهيري الكثيف ليعكس تعطش المجتمع للمعرفة، وحرصه على المشاركة في فضاء ثقافي يجمع بين المتعة الفكرية والحوار الحضاري.
تميزت هذه الدورة بتنوعها اللافت في البرامج الثقافية والفنية، وهو ما أتاح مساحة أوسع لطرح القضايا الفكرية المعاصرة، ومناقشة التحديات التي تواجه المجتمعات في ظل التحولات العالمية المتسارعة.
كما أسهمت المشاركة الواسعة لدور النشر العربية والأجنبية في إثراء المشهد الثقافي، وفتح آفاق جديدة للتبادل المعرفي، بما يعزز حضور مصر كمركز إقليمي لصناعة النشر والثقافة.
وشكّلت جوائز المعرض أحد أبرز ملامح الاحتفاء بالإبداع، حيث عكست فلسفة قائمة على دعم المواهب وتشجيع التجارب الثقافية المتنوعة، بما يرسخ فكرة أن الثقافة مشروع وطني متكامل يستند إلى الاستثمار في الإنسان وتنمية قدراته الفكرية والإبداعية. وقد عكست قائمة الفائزين تنوعًا لافتًا في مجالات الإبداع، ما يؤكد اتساع رقعة الفعل الثقافي، وقدرته على الوصول إلى مختلف المحافظات والشرائح المجتمعية.
كما مثّل اختيار رموز ثقافية بارزة لتكون شخصية الدورة امتدادًا لنهج يربط الماضي بالحاضر، ويؤكد استمرارية المشروع الثقافي المصري القائم على ترسيخ الهوية والانفتاح على الآخر في آن واحد.
ولم يكن حضور ضيف الشرف سوى تأكيد إضافي على أن المعرض بات جسرًا للتواصل الحضاري، يعزز الحوار بين الثقافات ويُرسّخ قيم التفاهم الإنساني.
ويبدو أن النجاح المتحقق في هذه الدورة يعكس تطورًا ملحوظًا في إدارة الفعاليات الثقافية الكبرى، حيث تجلّت روح العمل الجماعي والتكامل المؤسسي في صورة تنظيمية متقدمة، أسهمت في تقديم تجربة ثقافية متكاملة تجمع بين جودة المحتوى وسلاسة التنظيم، بما يواكب طموحات الجمهور الثقافي في مصر والمنطقة.
كما إن معرض القاهرة الدولي للكتاب لم يعد مجرد مناسبة سنوية لاقتناء الكتب، بل تحوّل إلى موسم ثقافي شامل يعيد طرح الأسئلة الكبرى حول دور المعرفة في تشكيل المستقبل، ويؤكد أن القراءة تظل الطريق الأوسع لبناء المجتمعات المتقدمة.
ومع كل دورة جديدة، يثبت المعرض أن الثقافة المصرية قادرة على التجدد والاستمرار، وأن قوة مصر الناعمة ما زالت قادرة على صناعة التأثير وترسيخ حضورها في المشهد الثقافي العالمي.
|