|
القاهرة 03 فبراير 2026 الساعة 01:42 م

د. هويدا صالح
"والمسرح في جوهره إجمالًا فنًا يتجاوز حدود التسلية ليغدو أداة فلسفية وفكرية للكشف عن تناقضات الإنسان ووجوده المتأرجح بين لحظة الميلاد ولحظة الموت، بين الحريّة والقيود التي تحدد حركته، وبين الفرد كواحد والمجتمع ككل، وهذه هي بعض القضايا والثنائيات التي يمكن أن نلمسها عند قراءتنا لمسرحيات هذا الكتاب المكون من مسرحيات ثلاث (الرحيل، ملك ليوم واحد، أشواق معتقلة) والتي كتبت على فترات زمنية متباعدة نسبيا" هكذا قدّم إبراهيم الحسيني لكتاب" تحليق نسبي" للكاتب السوري نواف يونس، والذي صدر مؤخرا (2026) عن دار يافا للعلمية للنشر والتوزيع.
يضم الكتاب ثلاث مسرحيات هي (الرحيل ، ملك ليوم واحد، ـأشواق معتقلة) وهي مسرحيات تعبر عن رؤية فلسفية ووجودية تكشف عن أبعاد عميقة من الصراع الإنساني من أجل الصمود في وجه أشكال متنوعة من الظلم والقهر.
ويتنوع البناء الفني في المسرحيات الثلاث ما بين مسرحية من فصل واحد(الرحيل) ومسرحية متوسطة الطول، (ملك ليوم واحد) ومسرحية مونودراما (أشواق معتقلة) ، وقد جمعت هذه الأشكال المسرحية الثلاث ثيمات الموت والسلطة والعزلة، وهذه النصوص الثلاث تعكس فضاءات رمزية ورؤية فكرية واضحة وعميقة.
ترتكز مسرحية "الرحيل" على وجود شخصيتين يتبادلان حوارا دراميا ممتدا يجسّد الأزمة الوجودية التي يعانيها الإنسان. رجل بسيط يُدعى "غريب"، أنهى يومه في العمل، وها هو يستعد للنوم مع انقضاء النهار وحلول الليل. إنها رحلة قصيرة، غير أنه، وقبل أن يستسلم لنعاسه، يقتحم حجرته رجل آخر يُدعى "المندوب" لا يعرف"غريب " على وجه الدقة من أين أتى هذا الرجل. كلماته محددة، وإجاباته مقتضبة وغامضة. يتساءل "غريب" عمن يكون هذا "المندوب"، ليكتشف أنه ملك الموت، وقد جاء ليسترد روحه. عند هذه اللحظة، يدخل "غريب" في أزمة وجودية تهدد مصيره؛ إذ كان يظن في البداية أن الرجل مندوب الغاز، أو الكهرباء، أو مصلحة الضرائب، لكنه لا ينتمي إلى أيٍّ من هؤلاء. وهنا يواجه سؤالا قاسيا وفلسفيا في آن : ماذا يمكن للإنسان أن يفعل أمام حتمية الموت؟ هل يستطيع رفضه؟ هل يمكنه طرد ملك الموت؟ أم أن كل محاولات المقاومة لا تفضي إلا إلى الاعتراف بالعجز أمام قدر لا يقبل التفاوض؟
من خلال هذه "الحلقة المفرغة"، والحوا ر العبثي بين الغريب وملك الموت يطرح الكاتب أسئلة وجودية جوهرية:
- هل الحياة مجرد وقت يستهلكه البشر؟ أم أنها وعاء يحمل معانيَ كبرى في كل لحظة؟ هل نستثمر وقتنا حقاً، أم نؤجل العيش إلى "غد" قد لا يأتي للجميع؟. تُجسد المسرحية صراع الإنسان مع حتمية الموت، ليس كحدث بيولوجي فحسب، بل كموقف فلسفي يُعيد تقييم معنى الوجود ذاته.
السلطة كاستلاب وهشاشة في مسرحية "ملك ليوم واحد"
في مسرحية "ملك ليوم واحد" ينتقل يونس إلى نقد السلطة السياسية بوصفها قفصاً يَسْتُرُ العزلة ويُغيّب الحقيقة. يهرب الكاتب هنا من الزمان والمكان المحددين إلى فضاء رمزي مطلق (اللامكان واللازمان)، ليكشف عن الآلية التي تُعزِلُ الحاكم عن شعبه.
يمتلك الملك شكوكاً حول أحوال مملكته، فينزل متخفياً (بمساعدة أخته "ست الملك") ليكتشف بنفسه حقيقة الظلم الذي يمارسه وزيره وقائد جنده. يُعتقل لعدم حمله هوية، وفي السجن يلتقي بنماذج من الشعب المسجون ظلماً، مما يُحدث لديه استنارة وجودية تُغيّر نظرته للسلطة والشعب معاً.
يكشف النص من خلال هذه الرحلة أن السلطة ليست امتلاكاً بل استلاباً، وأن الملك ليس سيداً بل عبداً لصورته الملكية. الرموز التقليدية (التاج، الصولجان، العباءة، الحراس) هي ما يخلق الفارق الوهمي بين الحاكم والمحكوم. وبمجرد تجريد الملك من هذه الرموز، يتحول إلى إنسان عادي قد يجلس في الزنزانة ذاتها مع أفراد شعبه.
تُقدّم المسرحية رؤية دستورية تُعلن أن الشعب مصدر السلطات، وأن الديمقراطية الحقيقية لا تكتمل إلا بمشاركة الشعب في الحكم. كما تتحول إلى نقد وجودي لكشف ضعف الإنسان أمام إغراءات القوة المطلقة، وهشاشة السلطة القائمة على الفردانية وإلغاء الرأي الآخر.
"أشواق معتقلة" المونودراما كفضاء للبوح وإعادة تشكيل الذات:
تُمثل مونودراما "أشواق معتقلة" نموذجاً درامياً يعتمد على الاعتراف الذاتي وإعادة رسم الهوية القلقة المحاصرة بالأسئلة الوجودية. تتحول الغرفة الأنثوية إلى مسرح داخلي يُفتح على العالم عبر تدفق الذكريات والهواجس، حيث تُقدّم الشخصية الرئيسية (امرأة في أوائل الثلاثينيات) ككائن محاصر بأحلامه المجهضة، يسكن فضاءً حميمياً يتحول مع الوقت إلى "سجن ذاكري".
وعلى الرغم من اختلاف ثيمات المسرحيات الثلاث (الرحيل" – "ملك ليوم واحد" – "أشواق معتقلة)، إلا أنها تشترك في طرح ثنائيات متضادة تكشف رؤية الكاتب الفلسفية:
"الرحيل" تجسد الحياة/الموت، حيث يقاوم الغريب الموت
"ملك ليوم واحد" تجسد السلطة /العبودية، حيث يتحول الملك من سيد ظاهري إلى عبد لصورته، ثم إلى إنسان حر بالمعرفة.
وفي مونودراما "أشواق معتقلة" نتعرف على دراما تعتمد على البوح وإعادة رسم الذات القلقة والمحاصرة بالأسئلة، حالة من البوح يرسم الكاتب عبرها صورة امرأة وحيدة في أوائل الثلاثينيات، أسيرة حجرتها وأحلامها المجهضة، فنحن أمام فضاء أنثوي يتميز بالحميمية (سرير، مرآة، عطور، موسيقى،كرسي وحيد،...) فضاء يدعو للراحة النفسية والهدوء لكنه في حقيقة أمره مجرد مكان يحوي لحظة تفور بالذكريات، مع تفجر تلك اللحظة ينهال الحكي ومعه تستحضر المرأة حياتها كلها، وكل ذكرى سلبية تستدعي أخرى شبيهة بها، وكل موقف يتم تذكره يبني جدارا مرتفعا بين هذه المرأة و استمتاعها بلحظتها الحاضرة، لذا مع تزايد الذكريات تزداد الجدران فتصير المرأة سجينة لها في نهاية الأمر، حيث نجدها تخاطب نفسها أمام مرآتها: قائلة: "وحيدة مازلت، وحيدة بين جدران هذه الغرفة… حبيسة منذ آلاف الليالي والأيام.."
هنا تتجسد العزلة في صورتها القصوى، وهي عزلة تخص الجسد والعاطفة والهوية، والرموز في المسرحية كثيرة، فالمرآه التي تنظر فيها المرأة تكشف صراعها مع ذاتها ومع المجتمع من حولها، والنافذة التي تذهب إليها وهي تلقي ببصرها للخارج تمثل اشتياقها للعالم الخارجي، و الساعة المعلّقة على الحائط تجسد الزمن القاسي الذي يحسب عليها دقائق العمر ويعد عليها الأيام والسنين، لذا تظل المرأة في حالة بوح متصل، تستدعي همومها دفقة واحدة، تسرد ذاتها وترصد ملامح صورتها ورؤيتها للعالم، تتقلب على كل المشاعر، تبكي، تضحك، تشعر بالغربة،.. تتحول مأساتها الخاصة ولفظة "عانس" التي تطاردها إلى شبح مخيف يفسد عليها حياتها ويكسرها بعنف، والمجتمع بدوره يتحول هنا إلى سجن ـ يدينه الكاتب ـ بسبب وصم هذا المجتمع للمرأة التي لم تتزوج بالعار وكأنها السبب فيما وصلت إليه.
نحن أمام مونودراما عن العزلة وما تفعله بنا حالة الاغتراب، حيث تتحول حجرة المرأة الثلاثينية إلى استعارة عن عالم كامل يفضح قسوة الزمن والمجتمع، فالقضية التي يطرحها النص هنا ليست قضية حرمان عاطفي فقط، بل هي مأساة ذاتية لها بعدها العام المعبر عن مجتمع يفتقد الحب والاحتواء.
ثنائيات متضادة:
في المسرحيات الثلاث يُظهر الكاتب هشاشة الفرد أمام قوى أكبر منه (القدر، النظام السياسي، التقاليد الاجتماعية)، لكنه يُبرز في الوقت ذاته قوة الوعي كمقاومة أخيرة، حتى وإن كانت مقاومة يائسة. فـ **"أشواق"**، رغم حبسها، تظل تتكلم؛ و "غريب"، رغم هزيمته، يظل يتفاوض؛ و "الملك"، رغم خيانة بطانته، يظل يبحث عن الحقيقة. وهذا التناقض بين الهشاشة والمقاومة هو ما يُشكل القلب النابض للمشروع المسرحي لنواف يونس.
يتبنى الكاتب في مسرحياته الثلاث رؤيةً وجوديةً تُصوِّر الإنسان بوصفه كائناً ضعيفاً ومحاصراً يواجه قوىً جبريةً تفوق قدرته على السيطرة أو المواجهة. فالإنسان في هذه النصوص يُختزل إلى **نواة ضعيفة** تُحاصر من جميع الجهات:
- في "الرحيل" الموت كقدر مطلق لا مُفاوضة فيه.
- في "ملك ليوم واحد" السلطة كمؤسسة تستلب الإرادة وتُزيّف الواقع.
- في "أشواق معتقلة" المجتمع وتقاليده القاسية كسجنٍ رمزي يُقصي ويُوصم.
وتتجلَّى قوة الزمن كعامل جبري رابع يخترق هذه المسرحيات جميعاً؛ فـ"غريب" يحاسب اللحظات الأخيرة، و"الملك" يُدرك فداحة سبع سنوات ضائعة في الجهل، و"أشواق" تُراقب الساعة وهي تحسب عمراً يبدو وكأنه يهرب منها. هذه القوى مجتمعة تُنتج حالةً من **الاغتراب الوجودي الدائم**، حيث يعجز الفرد عن تحقيق ذاته أو امتلاك مصيره بشكلٍ قاطعٍ ونهائي.
|