|
القاهرة 03 فبراير 2026 الساعة 01:40 م

بقلم: ضحى محمد السلاب
تُعدّ السينما المصرية ذاكرة بصرية كبرى؛ فهي لم توثّق الحكايات والمشاعر فحسب، بل شكّلت عبر العقود "خزانة أمينة للهوية المصرية". وفي هذا السياق، تبرز الإكسسوارات لا بوصفها أدوات تكميلية، بل كرموز مشحونة بالدلالات، تربط المشاهد بهويته، وتستدعي في داخله إحساس النوستالجيا.
-
فائدة الإكسسوارات في الأعمال الفنية وطبيعة استخدامها:
تُعدّ الإكسسوارات (Props) من العناصر الأساسية في أي عمل فني، سواء كان سينمائيًا أو مسرحيًا، أو حتى في الفنون التشكيلية. وعلى الرغم من أنها قد تبدو في ظاهرها مجرد تفاصيل بصرية، فإن دورها يتجاوز وظيفة التزيين ليصبح جزءًا لا يتجزأ من السينوغرافيا، حيث تسهم في بناء العالم البصري للعمل الفني بصورة متكاملة.
كما تُعد أداة فاعلة في رسم ملامح الشخصيات، إذ تقدم إشارات مرئية تساعد على تشكيل خلفياتها الاجتماعية والثقافية والنفسية. فعلى سبيل المثال، قد تكشف حقيبة يد أو نظارة شمسية الكثير عن طبيعة الشخصية وتوجهاتها. وهنا يبرز دور مصمم الإكسسوارات (Prop Master)، الذي يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين الوظيفة الجمالية والرمزية، بما يخدم العمل الفني ككل، لا المشهد أو اللقطة فقط.
-
الإكسسوارات من منظور نقدي (السينوغرافيا):
قبل الخوض في هذا المحور، تجدر الإشارة إلى أن مصطلح **السينوغرافيا** (Scenography) يشير إلى فن تصميم الفضاء البصري في الأعمال الفنية، لا سيما المسرح والسينما، أي تصميم المكان الذي تجري فيه الأحداث، إلى جانب العناصر المادية المكوّنة للبيئة البصرية، مثل: الديكور، الإضاءة، المؤثرات والخدع البصرية، الأزياء، المكياج، الصوت، الموسيقى، والإكسسوارات.
ومن هذا المنظور، تُعدّ الإكسسوارات جزءًا من التكوين البصري العام، يعزّز العلاقة بين الفضاء والشخصيات. فهي لا تعمل بمعزل عن باقي العناصر، بل تتداخل مع الإضاءة والديكور والموسيقى لخلق تجربة بصرية شاملة تؤثر في الوعي الجمعي للمشاهد.
وفي هذا السياق، لا تُستخدم الإكسسوارات كأشياء مضافة للمشهد فقط، بل كرموز تنقل معاني غير مُعلنة، سواء عبر تكرارها، أو من خلال حضورها المادي الذي قد يجعل الشخصية أكثر قوة وتأثيرًا، أو على العكس، أكثر هشاشة وانكسارًا.
ليست السينما المصرية مجرد سجل للحكايات والعواطف، بل ذاكرة بصرية جماعية صاغت ملامح المجتمع المصري عبر عقود طويلة. وداخل هذه الذاكرة، تحتل الإكسسوارات موقعًا مركزيًا، يتجاوز كونها عناصر تكميلية، لتغدو **علامات دلالية مشحونة بالهوية والحنين**، قادرة على استدعاء زمن كامل بمجرد ظهورها داخل الكادر.
فالإكسسوار في السينما المصرية لم يكن يومًا تفصيلة صامتة، بل وسيطًا بصريًا بين الفيلم ووجدان المشاهد، وجسرًا يربط الخيال السينمائي بالذاكرة الجمعية.
-
الإكسسوار وتشكيل هوية السينما المصرية:
في السينما، لا تُروى الحكاية بالكلمات وحدها، بل بما يرتديه البطل وما يحيط به. ففي أفلام الأبيض والأسود، لم يكن المشاهد بحاجة إلى شروح مطولة لفهم طبيعة المجتمع؛ إذ كانت **الطربوش، العصا، وساعة الجيب** كافية للدلالة على عالم الأفندية وصعود الطبقة الوسطى في الأربعينيات والخمسينيات، حيث مثّل الطربوش آنذاك هوية رسمية للمواطن المصري قبل تحولات ما بعد عام 1952.
في المقابل، شكّلت "الملاية اللف، البرقع، والخلخال" صورة “بنت البلد” القوية في السينما الشعبية، كما في فيلم "شباب امرأة"، حيث لم تكن هذه الإكسسوارات للزينة، بل لتأكيد انتماء طبقي وثقافي متجذر في الحارة المصرية، وهو ما يثير اليوم حنينًا إلى زمن “الجدعنة” والهوية الشعبية الصلبة.
-
العصر الذهبي: حين رسمت الإكسسوارات ملامح الوطن:
تمثل الخمسينيات والستينيات ما يمكن تسميته بـ”العصر الذهبي” للهوية البصرية المصرية، حيث كانت السينما بمثابة كتالوج للرقي والعصرنة والوطنية.
بدأ **الطربوش** في التلاشي، ليحل محله الشعر المصفف والبذلة الأوروبية، في إعلان واضح عن ميلاد “المصري الحديث”. وتحولت ساعة الجيب إلى ساعة يد جلدية في أفلام عبد الحليم حافظ، بينما أصبحت السيجارة والولاعة المعدنية جزءًا من صورة الرجل الواثق المتحرر، كما جسدها رشدي أباظة وأحمد رمزي.
أما المرأة، فقد عبّرت إكسسواراتها عن مزيج دقيق بين الأنوثة والتمكين؛ إذ لم تكن "عقود اللؤلؤ" لدى فاتن حمامة وماجدة رمزًا للثراء بقدر ما كانت دلالة على النقاء والرقي، فيما عكست "القفازات والحقائب الصغيرة" صورة المرأة المتعلمة الحاضرة في المجال العام بوقار. وفي تفاصيل مثل الإيشارب أو التربون، كما لدى شادية وسعاد حسني، نلمح تمصيرًا ناعمًا للموضة الأوروبية دون فقدان الجذور.
حتى إكسسوارات المنزل، مثل الهاتف الأسود ذي القرص أو الجرامافون، تحولت إلى محفزات نوستالجية تعيد بناء صورة البيت المصري، حيث الزمن أبطأ والصوت أكثر حميمية.
-
الواقعية الجديدة: الإكسسوار في أفلام الثمانينات في السينما المصرية :
تُعدّ فترة الثمانينيات من أهم المراحل في تاريخ السينما المصرية، إذ أسهمت في تشكيل جيل جديد من النجوم، من بينهم أحمد زكي، عادل إمام، ويحيى الفخراني، إلى جانب بروز عدد من المنتجين المؤثرين الذين ساعدوا على استمرار ريادة السينما المصرية.
و للإكسسوار في هذه المرحلة دلالات واضحة؛ ففي فيلم *زوجة رجل مهم* إخراج محمد خان(1988)، تنوعت الإكسسوارات لتعكس شخصية العقيد هشام أبو الوفا (أحمد زكي) المتسلطة، مثل البدلة العسكرية، المسدس الشخصي، النظارات الشمسية الداكنة، والسيارة الفارهة. في المقابل، عكست ملابس منى (ميرفت أمين) الأنيقة، والأثاث الفخم للشقة، ملامح هذا النفوذ والسلطة.
-
إكسسوار أفلام التسعينيات: الكاجوال والتمرد الناعم:
في التسعينيات، ظهرت نوستالجيا أقرب زمنًا وأكثر صخبًا. فقد عكست سينما “الكاجوال” تحولات جيل نشأ بين الانفتاح والعولمة والشارع المصري.
كان **الووكمان** في فيلم *آيس كريم في جليم* في عام ..1992 أكثر من مجرد جهاز موسيقى؛ بل إكسسوار هوية لشاب حالم يشعر بالاغتراب. وامتدت هذه الروح إلى الملابس والإكسسوارات القماشية، حيث أصبح الجينز الواسع والسلاسل الفضية والتوك القماشية علامات على جمال غير متكلف، قريب من مظهر الشباب الحقيقي في الجامعة والشارع.
ويبرز هنا نجاح الزعيم عادل إمام في توظيف **الجاكيت وبنطلون الجينز** في أفلام عدة خلال هذه الفترة، مثل *جزيرة الشيطان* و*حنفي الأبهة* (1990)، ليظهر منتميًا إلى الطبقات التي اعتبرته بطلها. فقد مثّل الجينز قطعة ملابس قادرة على الجمع بين الأناقة والعملية، دون افتعال، وهو ما ندر في تمثيل الطبقات الفقيرة سينمائيًا.
وقد أشار عادل إمام، في حواره مع الأديب والصحفي محمد المنسي قنديل عام 2003 في مجلة *العربي* الثقافية الكويتية، إلى أنه كان أول من أدخل الجينز إلى السينما المصرية، للتخلص تدريجيًا من أزياء السبعينيات الضيقة، مؤكدًا أن الجينز قطعة تحمل خامات متعددة تناسب جميع الطبقات، وأن اختياره لها جاء بدافع نفسي لعدم الإحساس بالفروق الطبقية، والانحياز للبسطاء والمهمشين.
-
الإكسسوار كبطل في السينما المصرية:
في بعض الأعمال، لم يكتفِ الإكسسوار بدور داعم، بل أصبح **عنوان الفيلم وبطله الرمزي**. ففي *النظارة السوداء* (1963)، تحولت النظارة إلى قناع نفسي يعكس العزلة والتمرد. وفي *الخاتم* (1996) لعاطف الطيب، أصبح الخاتم رمزًا للسلطة وتوارث القهر. أما محمد خان، فقد قدّم نموذج “الشيء البطل”، حيث تختصر قطعة واحدة—كحذاء—معاني الكرامة والانتماء الطبقي.
-
السينما المعاصرة: الإكسسوار كتحية للماضي:
في سينما ما بعد 2010، تحوّل الإكسسوار من أداة استخدام إلى **أداة استحضار**. ففي أفلام مثل *كيرة والجن* (2022) و*خيال مآتة* (2019)، استُخدمت الإكسسوارات بدقة فائقة لصناعة جماليات نوستالجية واعية، لا بوصفها واقعًا معيشًا، بل حلمًا بصريًا عن زمن أكثر أناقة.
ففي *كيرة والجن*، أوضحت مصممة الأزياء ناهد نصر الله، في حوار مع موقع *القاهرة 24*، أن تصميم ملابس فترة الاستعمار الإنجليزي كان مرهقًا ومعقدًا، نظرًا لكثرة المجاميع ودقة التفاصيل، مثل الأزرار النحاسية ذات الدلالات الرمزية. كما عكست ملابس شخصية “دولت” (هند صبري) خلفيتها الصعيدية، واستخدامها للأزياء الأجنبية كان جزءًا من تمويه درامي يخدم مسار الأحداث.
أما في فيلم *خيال مآتة*، فتمحورت أبرز الإكسسوارات حول بروش أم كلثوم الشهير، الذي شكّل محور القصة الدرامية، إلى جانب النظارات والملابس الكلاسيكية التي عكست شخصية العجوز “يكن”، مضيفة طابعًا كوميديًا عتيقًا على العمل.
-
السينما كخزانة أمينة للهوية المصرية:
تكشف رحلة الإكسسوار في السينما المصرية عن حقيقة جوهرية؛ فنحن لا نشاهد الأفلام لنعرف ماذا حدث، بل لنشعر بمن كنا. فالإكسسوار هو الخيط المادي الذي يربطنا بذاكرتنا وهويتنا؛ قطعة صغيرة قادرة على استدعاء وطن كامل في الوجدان.
ومن خلال نظارة، أو خاتم، أو راديو قديم، أو حقيبة مهترئة، تواصل السينما المصرية أداء دورها كـ**خزانة أمينة للهوية**، رافضة أن يطمس الزمن جمالها أو يبدد حنينها، لتغدو الإكسسوارات بمثابة **بطاقة هوية شخصية**؛ صغيرة وبسيطة، لكنها تكشف العمر والانتماء والمكان أكثر مما يفعل الوجه نفسه.
1. موقع *إضاءات*، «كيف تروي الأزياء الحكاية السينمائية؟»، حسام الدين السيد، 2023.
2. موقع *القاهرة 24*، «مصممة أزياء كيرة والجن: تصميم ملابس الاستعمار الإنجليزي معقد وأرهقني»، رودينا مجدي، 2022.
3. موقع *جريدة الوطن*، «في عيد ميلاده الـ83.. ما سر شهرة الزعيم عادل إمام بارتداء الجينز؟»، أمنية سعيد، 2023.
4. موقع *الجزيرة نت*، فريق التحرير، «خيال مآتة.. هل بدأ نجم أحمد حلمي في الأفول؟»، 2019.





|