|
القاهرة 03 فبراير 2026 الساعة 01:38 م

بقلم: شيماء عبد الناصر حارس
يقولون إن العقل هو صندوق فارغ وأن الأفكار (الإيجابية والسلبية) موجودة حولنا، ربما طائرة في الهواء وربما هي جزء من تكوينات الفراغ المحيط بنا، وأننا نستطيع جذب أي أفكار وطرد أي منها، لا أعرف في الحقيقة صحة أو خطأ هذه التصورات أو الأفكار، ما أعرفه أن عقلي مليء بها أو بناء على هذا التصور يجتاحه طوفان منها، أحلام اليقظة، الأفكار، كلها أشياء يضج بها عقلي، لكن هل أشعر بالونس؟
الإجابة: لأ، أشعر بالضجيج والإزعاج الشديد.
وكل أمنياتي طوال اليوم أن أحظى بلحظة يصمت فيها مخي تمامًا، هذا هو النعيم.
أتحدث مع الطبيب المعالج عن مشكلتي في تنظيم الأفكار، أو التنظيم عموما، أفكار، مشاعر، ذكريات، أفعال، أخبرته أن الأمر بالنسبة لي يشبه طبق السلطة، أكتب عن كل شيء وأفكر في كل شيء، بدون أي نوع من التنظيم، ولكني بطريقة ما ولكي أتحايل على فكرة "التنظيم" قررت كتابة هذه السلطة، تحويل الكتابة من عمل منظم إلى عمل يشبه طبق السلطة فيه كل شيء، والسلطة بالرغم من أنها صحية كطعام وفيها تنويعات من الخضراوات والألوان المختلفة، لكن ماذا عن كتابة السلطة، وهل هي صحية هي الأخرى أم أنها ضارة بالكتابة وغير صحية على المستوى الشخصي؟
لا أعرف.
التنظيم هو الآخر مجهود أحتاج إلى بذل الكثير من التمارين كي أتقنه، علي فقط أن أصنع النمط، أكرره، أقنع عقلي أن هذا النمط هو المستقبل، سيقاوم في البداية، لكنه سيستجيب في نهاية الأمر.
في لحظة أثناء العمل، أثناء النوم، أثناء السير في الشارع، أي وقت في اليوم سيباغتني شعور سيء، ربما أستطيع وصفه بالتفصيل يومًا ما، لكنه مبهم الآن، يخبرني الطبيب، أنه شعور بالفراغ، اعتدت أن املأه بطريقة خاطئة، الاتصال بصديقة، بزوج، علاقات عموما، أحلام يقظة، أفكار سيئة تحرك الأدرينالين داخلي فتصنع أحداثًا تملأ الفراغ، التهور في شراء منتجات قد لا أحتاجها، الطعام والشراب عموما، اعتدت ملأه بالكثير من الأشياء وفي الغالب أعود نادمة، لأني وضعت نقودي مثلا في بضائع لا أحتاجها، اتصلت بالأصدقاء كي يملؤوا الفراغ وحينما لا يمتلئ أشعر بالغضب فتحدث مشكلة مثلا، أو الحنين لعلاقة من أي نوع، أو تناول طعام لست بحاجة إليه، أو الاندفاع في أي مشكلة أو شيء لا يناسبني عموما، المهم في النتيجة الفراغ لا يمتلئ، وأعود نادمة، اليوم حينما باغتني، وكان يوما جميلا بدأته بالرياضة وتمارين التنفس والتركيز، لا أجد فيما أشعر به سببا من أي نوع، بدأت في الثورة والغضب، ولكني عدت لكلام الطبيب، شعور بالفراغ، الملل، تشعرين بالملل فتبدئين بعمل المشكلات، الكلمات عادت ورنت في أذني مرة أخرى، ومرات ومرات، ذكرت نفسي بهذه الكلمات وبكلمات أخرى، رفضت عمل أي نوع من المنبهات، رفضت تناول الطعام فلست جائعة، رفضت الذهاب لشراء أي منتج كمقبلات أو الوجبات الخفيفة، رفضت إرسال رسائل لأحد، رفضت كل العروض المغرية من عقلي والتي يصورها لي كحلول سحرية في غاية الجمال للخروج من دائرة الشعور السيء، والذي دائما أصوره للطبيب بصورة كأني أسير في الطريق وفجأة أقع في بئر عميق، أحاول الخروج منه بكل الوسائل الممكنة حتى لو استمعت لكلام عقلي ومغرياته بإحداث مشكلة مع أحد أو التذمر لسبب معين، أو شراء منتج أو الطعام أو المنبهات أو حتى الخروج للسير، فأحيانًا يأتي الشعور في وقت متأخر من الليل، ماذا أفعل؟
ببساطة تحدثت مع نفسي، قلت لها إنه ذلك الشعور الذي أخبرني عنه الأطباء بوصف ملل أو فراغ، يأتي فجأة وبدون أي مقدمات ليعبث بهدوء يومي وبالطبع حياتي لأنه يترتب عليه نتائج كارثية في كل مرة، أنا لا أحتاج سوى أن أهدأ وأفعل كما لو كان موجة، أرخي جسدي للموجة فتعلو بي، وتذهب إلى حالها، ولحسن الحظ البحر هادئ وقليل الأمواج، بالطبع مع الأدوية والتمارين، راحت الموجة وعدت هادئة بمجرد بعض الحركات أو المهام التي كنت أؤجلها، لم أتواصل مع أحد، لم أصنع حوارا أو تذمرًا مع شريك أو صديق، لأن عقلي ببساطة في هذه الحالة، يخبرني أن الجميع بالفعل سيئون، لو أنهم يفعلون ما عليهم لن أشعر بذلك، فأشعر بتقصير الجميع، الآن الجميع في مكانهم، لا أحد مقصر ولا أحد يفعل زيادة، ولم أتواصل مع أحد، مرت معركتي مع الفراغ المرضي اليوم بسلام.
|