|
القاهرة 03 فبراير 2026 الساعة 01:33 م

كتب: د. جمال الفيشاوي
في إطار الدورة السادسة عشر من مهرجان المسرح العربي والتي أقيمت في القاهرة قدمت جمهورية العراق الشقيقة العرض المسرحي "مأتم السيد الوالد" من إنتاج فرقة المسرح الوطني العراقي، وتأليف وإخراج مهند هادي.
عنوان العرض يتكون من ثلاثة كلمات وأولها كلمة مأتم وتطلق على التجمعات للتعزية والمواساة في حالات الوفاة والجنازات، كما تطلق على مكان إقامة هذه المراسم، وحدد العرض أن المأتم مكان مراسم العزاء، وكلمة السيد تطلق على صاحب السيادة والمقام الأول أو القيادة وهو الرئيس أو المتبوع السيد، فهو المَولى سيد العبيد والخدم، وهو لقب تشريف، أما كلمة الوالد هو الأب، أي الشخص الذي ينجب ويدل على العلاقة البيولوجية المباشرة، ويحيلنا العنوان إلى سؤال ماذا حدث في مأتم السيد الوالد صاحب السلطة المطلقة، الذي يمثل القوة المهيمنة على العرض.
تدور الفكرة الرئيسية للعرض حول حكاية اجتماعية لكننا نكتشف أنها ليست اجتماعية، بل أنها ترمز إلى حكاية وطن ومن الممكن أن تحدث في أي مكان.
تبدأ الأحداث بإقامة بنتين وأزواجهم سرداق عزاء لوالدهم المتوفى؛ لكن لم يحضر أحد للعزاء، فهذا المأتم لا يشبه أي من المآتم المتعارف عليها، فهو مأتم تتكشف فيه الحقائق التي كانت مدفونة في صدور البنتين وأزواجهم في حياة الأب، فمن خلال الأحداث نكتشف أن المتوفى كان مريضاً، وأن مأساة البنتين في صدمة فقدان الأب، لكنها تتلاشى على مدار الوقت، كما نكتشف أيضا بمرور الأحداث أن هذا الأب جلب طفلين من الملجأ وقام بتربيتهم من منطلق إنساني وزوجها من بناته وجعل أحدهم مسؤولا عن أمنه والآخر مسئؤولا عن ماله.
لكن المفاجأة أن البنتين ليستا بناته فقد جلبهما أيضا من الملجأ، فهو رجل حاول أن يخلق كيان أسري اجتماعي من العدم، ونفاجأ أن هذا الشخص كان يعيش طفولته في الملجأ، فهو مجهول النسب مثل هؤلاء الأطفال وأراد أن يكرر تجربته، فهذا الرجل الذي لا أصل ولا جذور له كون أسرة لا أصل ولا جذور لها، وذلك كان سببا حقيقيا في كل ما حدث، وهذا العرض يرمز إلى حكاية مجتمع فمن لا أصل أو جذور له دائما ما يفضل أن يكون من حولة على شاكلته، كما يلقى العرض الضوء على استبداد السلطة الذكورية وتحكمها في مصائر النساء، والتي تنتقل من الأب إلى الزوج، فنكتشف أن البنتين اشتركتا عن عمد في قتل الأب بإعطائه دواء قاتل أثناء فترة مرضه للتخلص من سلطة الأب الديكتاتور الذي قام بقمع أحلامهم وتقرير مصيرهم بأن أجبر البنت الكبرى على ترك الجامعة لتتزوج، وحرم الأخرى من التعليم وقام بزواجها في سن مبكر.
وتتناول الأحداث العلاقات الأسرية والوجع الإنساني والقيود التي تكبله وتجعل الأسرة تعيش في صرعات نفسية، فنجد سلطة الأزواج الذكورية حرمت الزوجات من الإنجاب، ويتناحر هؤلاء الأزواج على أرث الرجل المتوفى، وهذا المنزل لا يعنيهم فمنهم من يريد أن يزرع ألغاما به لينسفه ومنهم من يريد أن يقسم هذا المنزل إل نصفين ببناء سور في منتصفه، فهذا المنزل يرمز للوطن الممزق حيث لا يوجد ولاء ولا انتماء من الأشخاص الذين ليس لهم جذور لهذا المكان، فالعرض يعالج أزمات ممكن أن تتجاوز حدود المكان، بمعني أن تلك الصراعات الإنسانية تحدث في أي مكان في العالم خاصة العالم الثالث، فالعرض به إسقاطات سياسية يدعو إلى تحطيم الأفكار وقدسية السلطة الزائفة ويدعون لتغييرها.
كان ديكور (محمد النقاش) عبارة عن أربعة كراسي وضعت على مقدمة المسرح على يسار المتلقي يجلس عليها بناته وأزواجهن، وتوسطهم إطار من الخشب يعبر عن شخصية الأب المتوفي وهم فقط الحاضرين عزاءه، وهذا المنظر يمثل سرادق العزاء، ونشاهد خلفة في عمق المسرح باب يمثل منزل هؤلاء الأشخاص وهو ما ظهر في بداية العرض، ثم نلاحظ بعد ذلك أنها مجموعة من الأبواب تفضي إلى أبواب، تجتمع هذه الأبواب في إطار أو هيكل أو صندوق خشبي صمم على شكل مستطيل محمل على عجل يتحرك بواسطة التقنية الرقمية، ونري أنه مقسم من الداخل إلى عدة أبواب تمثل منزل الأب من الخارج والداخل حسب الأحداث، وعندما يتحرك الديكور نشاهد غرفة لأحد البنات وزوجها وبها أريكة حمراء وأمام هذه الأريكة في مكان مرتفع عنها مرآة لكن تلك المرآة لا تعكس الملامح ولكنها تظهرها كشبح، وبالغرفة صورة للأب، ثم نشاهد غرفة أخري للبنت الأخرى وزوجها (هي المكان نفسه ولكن مع تغير الأشخاص لتصبح مكانا آخر يشبهه)، ونستطيع القول بأن هذا المنزل تسكنه الأشباح، فقضية كل زوجين هي قضية الزوجين الآخرين نفسها، وتظهر صالة داخل المنزل، ومن خلال تحريك الديكور يشاهد المتلقي الأحداث التي تحدث داخل الغرف المغلقة من صراعات وأزمات لكل من الزوجين، وحياتهم المشوشة التي يسيطر عليها الخراب والدمار، وأسهم تحريك الديكور في إيصال فكرة العرض للمتلقي، ومن الممكن أن نطلق على هذا المنزل المتاهة التي صنعها وتركها الأب المتوفي الغائب الحاضر بكل مكان بهذا المنزل، هذه المتاهة هي متاهة السلطة، ومتاهة البحث عن الحقيقة، والسؤال هل الأبناء بالتبني قد نجوا من تلك المتاهة التي خطط لها الأب أم ما زالوا داخل هذه الدوامة.
كانت الملابس عصرية عبارة عن ملابس سوداء للحداد.
سيطر على إضاءة (محمد رحيم) اللون الأزق فكانت الرؤية في معظم الأحيان خافتة (شبه معتمة) مما يعني أن هذا المنزل بلا حياة، وكانت تظهر نصف الوجوه في أغلب المشاهد.
الموسيقى كأنت تمثل أنينًا داخليا واستخدم آلة التيشللو ودمجه مع بعض الحوارات من صوت الأب، بالإضافة إلى تلاوة الآية الأولى (ك?هيع?ص?) من سورة مريم من القرآن الكريم بشكل مستمر وهي من الحروف المتقطعة، والحروف المتقطعة إعجاز آخر من القرآن لأهل اللغة.
شارك في العرض بالأداء التمثيلي كلٌّ من: باسم الطيب، مرتضى حبيب، إسراء رفعت، ريهام البياتي، وبحضور ضيف الشرف طارق هاشم، وكان أداؤهم متناغم ومتميز حيث غاص وانصهر كلٍ منهم في الأداء بشكل واقعي لمس عقل المتلقي، فقد اعتمد عليهم المخرج بشكل أساسي في العرض.
كل التحية لكل من أخرج هذا العرض للنور.




|