|
القاهرة 03 فبراير 2026 الساعة 01:29 م

كتبت: ريم عباس - السودان
لا يمكن الحديث عن شهر رمضان في السودان دون التوقف عند "الحلو مُرّ"، أو ما يُعرف محليًا باسم "الآبري" يعرف اقتراب شهر رمضان من رائحته التي تعبق في أجواء السودان قبل شهر إلى شهرين من قدومه، ذلك المشروب الشعبي الذي تجاوز كونه شرابًا تقليديا ليغدو رمزا للهوية، وذاكرة جمعية تختزن طقوس البيوت السودانية، وملامح السودان، وخصوصًا في شهر رمضان المبارك.
يُعدّ الحلو مُرّ من أقدم المشروبات التراثية في السودان، ويرتبط اسمه بالمفارقة الجميلة التي يحملها مذاقه، فهو "حلو" في طعمه، "مُرّ" في صناعته، لا يُحضَّر هذا المشروب على عجل، بل يمرّ بمراحل طويلة من الصبر والعناية، ما يجعله وصف صادق عن روح المرأة السودانية، وحكمتها في تحويل البسيط إلى قيمة ثقافية عالية.
تبدأ رحلة الحلو مُرّ من حبوب الذرة، التي تُنقع وتُخمّر، ثم تُجفف وتُطحن، لتُخلط بتوابل خاصة تشمل القرفة والزنجبيل والقرنفل وغيرها من الأعشاب العطرية، بعد ذلك تُخبز العجينة على هيئة رقائق رفيعة، وهي المرحلة الأهم والأكثر رمزية، إذ تتحول البيوت إلى ورش عمل جماعية جميلة وحيوية، تتشارك فيها النساء الضحكات والحكايات، في طقس اجتماعي يحمل روح التعاون والتواصل بين الشغب.
يرتبط الحلو مُرّ ارتباطًا وثيقًا بشهر رمضان في السودان، حيث لا تكاد تخلو مائدة إفطار منه، فهو ليس مجرد مشروب يُروى به العطش، بل عنصر أساسي في طقوس الإفطار الجماعي، ويُقدَّم للضيوف وعابري السبيل، في مشهد يصوّر قيم الكرم والتكافل التي يتميز بها المجتمع السوداني.
إلى جانب رمزيته الثقافية، يتميز الحلو مُرّ بفوائد صحية، إذ يُساعد على ترطيب الجسم وتعويض السوائل، كما أن مكوناته الطبيعية تجعله مناسبا للمناخ الحار، ويُنظر إليه في الوعي الشعبي كمشروب يمنح الجسد توازنًا بعد ساعات الصيام الطويلة.
في السنوات الأخيرة، بدأ الحلو مُرّ يلفت انتباه الزوار والباحثين في التراث الغذائي، باعتباره عنصرا ثقافيا متكاملا، فالسائح الذي يتذوق الآبري لا يكتفي بالمذاق، بل يعيش حكاية مجتمع، ويتعرّف على طقوسه وعلاقته بالطعام، وقد أصبح حضور الحلو مُرّ في المهرجانات الثقافية والمعارض التراثية وسيلة لتعريف العالم بخصوصية المطبخ السوداني.
مع هجرة السودانيين إلى مختلف دول العالم بسبب الحرب، حملوا معهم الحلو مُرّ بوصفه قطعة من الوطن، فصار يُحضَّر في المنافي بالطقوس نفسها والحنين نفسه، وتحوّل إلى جسر ثقافي يربط الأجيال الجديدة بجذورها، وهكذا خرج الآبري من الإطار المحلي ليحمل رسالة ثقافية عن السودان، أرض التنوع والصبر والنكهة الأصيلة.
إن الحلو مُرّ ليس مجرد شراب يُقدَّم باردًا في شهر رمضان، بل هو طقس سنوي راسخ، يُعرَف من رائحته قبل أن يُتذوَّق، ويُحفظ في الذاكرة الشعبية قبل أن يُسكب في الكؤوس، يحمل في مذاقه حكاية مجتمع، وفي لونه دفء البيوت، وفي طقوس إعداده معنى الانتماء، وهو شاهد حيّ على قدرة الثقافة الشعبية على صناعة الهوية، وعلى أن الأصالة الحقيقية تنشأ من تفاصيل الحياة اليومية، حيث يتحول البسيط إلى ذاكرة، والذاكرة إلى حكاية، والحكاية إلى وطن.



|