|
القاهرة 03 فبراير 2026 الساعة 01:28 م

بقلم: أحمد فاروق بيضون
(لكنَّ رُكاماً عرقلَ خَطوي) تراجيديا بين التشيُّؤ والاستلاب العاطفي وسينوغرافيا المشهدية في تلك الذات "الكفكاوية"... يتحفنا الشاعر المصري الدمياطي محمد لبَن، الديوان الحائزعلى جائزة المجلس الأعلى للثقافة عن فئة شعر الفصحى..
هَب أنَّه شاعرٌ بالفطرة يستنطق الوجود ويستحضر مرثيَّة من رحلوا بشكل دراماتيكي عن واقعنا المثخن بالألم، كما انبرى منذ عُتبة الاستهلالية الشاعرية بصورة الغلاف الأخضر الذي يخترق يباس الوحدة لذلك القاعد مطأطئ الرأس، ارتحالٌ رَوحاني بين الذات الشاعرة التي ترتل الأبيات وذلك الذي قفز من أعالي الكبارى ببلدته باحثاً عن الحقيقة والخلاص، بيدَ أن الشاعر الذي استفذه ذاك النبأ أبى إلا أن يجمِّل ذاك المناص الحتميِّ لذاك الذي عاش بين ركام الأيام وخراد الإنسانية بين عالمين من الواقع والمتخيل، حتى صرح عند آخر بيت في هذا التطواف الشعري الرقراق (يسبقُني إلى حتفي الأنيق).
هَب أنَّه مجبولٌ على التخاطر والتليباثية ليخاطب الأمواه والهواء واليابسة التي تنعيه وتبكيه في هذا التخييل الذاتيّ، فيصدحان بموسيقى معزوفات خالدة في مسارح الحياة والدُّنا، كأنه يمتشق عدسة كاميرا تصويرية لسينوغرافيا في (شعرٍ نثري)، بدأها بتصريح بطله الملحمي Epic Hero الراحل (لا شيء سيصلح ما أفسده العالم، ربما كانت (نوستالجيا الذكريات) والخالة نورة التي تخبز كعك العيد هي ترياقه ورمقه الأخير ليرتشف الحياة، لكنْ لم يسأله أحد والكل غير آبه لما آل إليه بعدما خلع نعليه ثُمَّ أبصر جثته مسجية إلى جواره...
تتجلَّى الأشياء في صوره العميقة المخاتلة بذاك العكَّاز الذي فقد وظيفته الفعلية بأنه خير عونٍ ليتوكأ عليه فصارا شيئاً وحداً مهملاً، يعقبها مشهدية لبعض الأمنيات التي يستحثها ليستطيع البقاء قيد الحياة (ماذا لو؟!) لكنها استحالت الخوف ومراقد الأحزان، أما عند استحضار تلك الصورة الغائبة من الماورائيات السمة العامة لمن انتهج الرومانسية Metaphysical Conceit (كأنه يحسبها بقعة زيت على صفحة ماء) وهي في الواقع زفرة من حشرجة الأنفاس الاخيرة، لقد وظف (عقرَباً) ليسلبه بهجة الحياة و(رصيفاً) يقرأ وقع الخطى في ذاكرة الوجود والرحيل، وعلى (هامش) الحياة تتمشهدُ سحابة عابرة خائفة أن تتجذَّ إلى غيث يمطر الأرض، لقد استلهم بين ميازيب الأقدار تلك الطاولة (ما لم تقله الطاولة) الوحيدة كأن الزمان عليها قد خلا؛ بلْ وحيدة كأنها (أنَاه)... تشيؤٌ فاغتراب وجداني ممجوجٌ بقلق وجودي.
وها هو يطلق رسائله (إلى وردة تنمو على حين غفلة في ساحة الحرب) ينتهبُ الخطى ليخوض معارك الحياة ويستنجد بزرقاء اليمامة التي أبصرت جيشاً من الأشجار يمشي في (غُرفته)... لكنه سينتصر! ومازال الاستدراك يناوئه في ذاك التنائي والتمرد على عالمه الضبابي العبثي، كأنه يناجي (سامسا) الكفكاوي الذي فقد هيئته الإنسانية وصار كلاَّ على ذويه يصارع من أجل البقاء في عالم لا يعترف إلا بشريعة الغاب، هكذا – (ظل ينفخُ من رئتيه الحياة حتى تفجرت الحياة)...
أما عن تلكم (الورود) المفعمة الخافقة بالرومانتيكية والسنتمنتالية، فقد لفظت أريجها بعدما ترملت النساء على إثر حرب لم ينجُ منها أحد (لا سيرةً للحرب سأنهيها.. مادام دمُ الإنسان أرخص من...)، ما زالت الأماني ممكنة وتراود نفسه وتطوِّع أدواته الشعرية المناهضة لهذا الكون المتآمر العاشق للخراب؛ (لو أنّ لي مُلكاً في الأرض لأوقفتُ كلَّ مُجنزرة.. لأدرتُ ظهري للأرض.. ومشيتُ ثم متُّ دون أن أكلِّف أحداً ثمنَ رصاصة؛ سوداوية وقتامة واستسلام وإذعان لدستوبيا عالمه القميء الذي يرفضه حتى ولو عانق الصولجان، حتى تلك (غيمة سوداء) التي تحمل العنونة في دفقة أبياتها (قلتُ أحدثكم عن الأرض.. لكن ركاماً عرقل خطوي.... لكنّ قلبي في الأسى تبخَّر غيمة سوداء)، كأنه يستصرخ السماوات بأن تغيثه من شآبيب الرحمات ومطير البشارات!
في سينوغرافيا موتُ المؤلف، استلهمت عينُ النقادة (رولان بارت) في فلسفته النقدية الشهيرة، وكأنه يستجدي المستهلك الجمالي والقارئ الناقد الذي يستبطن ويستبصر كما أراد شاعرنا في إيغال وحدته وعزلاته كشجرة تستجدي فنار ضوء فأضحت ملامحه لا تشبهه، ثم أخذ يبحث عن ساعي بريد الموت، ثم حلق بعيداً عن (قفصه) ليطلق العنان لروحه، في دهشة الفراق مع الحبيبة، وما زالت مشانق الليل المنسدلة تتراءى أمام محجريه كأنها نواقيس خطر داهم لفوضى الكائنات، لمّا أشارت عقارب البدايات لصخب النهايات الدقيقة دون جدوى، يتفقّد وطنه المفقود في (شرنقة) الوجود وطفل الرُّوح الذي يعرشُ في نياطه وينشد لحن الفراشات، كأنَّه يناغي لحن الحياة في كل سهبٍ وواد، مثالبُ لاءات في (مكاشفة) فلا حطَّ الحمام ولا سما إلى السماء ولا مالَ غِصن، كأننا نسترق أسماع صراخات تتهدج مدوية: (لا شيءَ يا شيءُ مستجدُّ، لا شيءَ يا شيءُ يستجد، لا شيءَ يا شيءُ يجِدّ)، ما الجدوى إذا غربت شمسه الذي يرتجيها ولم تقل طفلته بعد: بابا؟! وماذا لو همست حبيبتهُ الأولى حينها: أحبُّك؟! هل سيراوغ دائرة الموت ويعاند مغبة المصير؟! لكنّه ما زال ينزف ويزرف شلالا هادرا من دموع الخيبات معاتباً لائماً (الملح): (مدنٌ أنتَ يا ملح بخدش جدتر خدينا... وهكذا تحتضر القصائدُ في رحابك عارية).. يالها من صورة جميلة واستعارة فائقة في التوصيف والتبئير لذاك الصراع الذاتي والخارجي.
(الغنائيون) بدأها (لولا انفجار الروح من غسق التجلِّي).. كأنه قبس من صوفية الحلاج وموشحات ابن زيدون، وهنا يبحث عن ضالته بين سنابك الخيل والحمام الذي حط على كتفه وتلك الوردة في مهب الريح، لكنه يغوص في سحابة التأويل بعدما استوطن الغرباء، فما عاد الغيث يرتسم ألحانا وما اخضوضر الحب في شغاف قلبه، فهل يمكن رتقُ كلّ مهترئ بالروح ليتمّ لُعبة النص كما ترتق أمه الجوارب، تؤول الأمور في الختام إلى شرخٍ في جدار الفؤاد بجراحات لا تندمل.
(سينوغرافيا الأشخاص) تتبدى في طورها الجديد بحُلم صبيّ يحكيه كحكَّاء يقص أثره لما صارح أباه برغبته باغتيال الشمس لتسقط مغشياً عليها وتذوب أشعتها بين البرايا، كأنه يربتُ على أبيه الذي يواجهها بقصعته من أجل لقمة العيش، (احتضار) نصه العبقري الذي يبرهن على آلية الزمن في الساعة الثانية بعد منتصف الحنين ؛ الموافق لجرحه الأوي وفي عام دارت الأرض عكس دورتها، ثمَّ المكان بالمشفى ويسمع قهقهة أصوات تطال مريضاً ولكنّ أبوه بين الأحباب المتروكين في أغلفة الهواء رهن السقوط الحرّ، كأنه يستجدي الأذهان واللاشعور لتلك الأرواح التي أزهقتها نواعير الدمار والغدر، (جورب) يستنطق طفلاً يرثي أباه الذي كان يداعبه بإخفائه الجورب (ليتني خبأت أبي بين أضلعي.. كيلا يغيب عن الحياة)، (في البدء) كان يلتقط كلماته وينتقيها ويتذكر الجد الذي يداعبه بمواراة قرص الرمضاء في صورة عملته المعدنية، (أبناء الكباري) هم شغله الشاغل من كلّ ملتفعٍ بمعطف عمر كئيب ذبلت روحه بهاتهِ الأرض الأمّ الرؤوم التي تؤم اللاجئين وأبوة الكباري الإسمنتية التي تكتنف كل مار على قارعتها؛ فهي أحنُّ عليهم من المآذن وأرقُّ من الأجراس، تخاطب الذات الشاعرة النائمين من أبناء ذاك الطين والشحاذين من فلاسفة الخيال وأبناء الأرصفة ومريدي الحقيقة المطرودين في ذاكرة الوقت، ويستنهض عزائم الجوعى الباحثين عن السلام على الرغم من أجسادهم المتشحة بالثلج، لقد احترق النائمون في عالمه كأغصان زيتون (يصطرخون)... وأيما صرخة!!
يتحفنا من قاموسه السيميائي الشعري الخاص بعالم النجارة بأرض البُرش وصوت الكماشة والمنشار الجَمَل فوق رَبُوب العُمر ومسماور يذوي، ليدرج في هامشه الشعري نمطا ثقافيا مستحدثا جريئا مستساغاً للقارئ بأسلوب شعري رائق، ليقلنا في لواج لسيرة ذاتية للورشة التي كانت تصنع أثاثا مبهراً وباتت آنذاك عديمة الجدوى، ناهيك عن نشارة خشب تفترش أرضاً لتقاقي الدجاجات أو كرسيٍ منسي يصبح فحماً للأرجيلة أو قنديلاً اعتلَّ وميضه على نغمات (ثوما) في "صباح الخير ياللي معانا"، تطنبنا (ثرثرته) وبوحه الذي يد بمثابة حريق لأخيلته المصابة بالعطن قبل أن يبحر في سينوغرافيا الرومانسية؛ لما استهلها في غياهب (ظلٍّ) يحاوط عشيقين يتبادلان الأناهيد (سيقولون اثنان وثالثهم وردة ورابعهم شوقهم)، يذوب حنيناً كذاك الليل الدامس الغامض، ثم يداعبنا بأطروفة تكسر الأطياف الداكنة لما قال (مُصابٌ باتساع أوردة المحبة وضيق شرايين البغضاء)، ثمّ يصحبنا في (تراتيل على وتر اللقاء) لحضارة الأندلس وينادم الملكة "إيزابيلا "في سطوتها عند مدخل قصر الحمراء، لكن الورد يتفتح خجلاً من أجل محبوبته التي تسبح بين بيادر الأحلام، إنها استحالة العاطفة التي تهيمن على ذاك التائه في معترك الحياة!
يختتم رحلته المضمخة باليأس والخذلان في (وحيداً كما ينبغي) كلازمة شعرية متككرة في طليعة عشرِ مقاطع تنوء بحملها بيتُ القصيد، كثيمة لصيقة بالرومانسية الزائفة، يبادل أطراف الحديث مع العصافير ذات القلوب الخضراء بوكناتها مستشرفاً حياته البسيطة مصرحاً على غرار مقولة الزعيم المصري الراحل مصطفى كامل في تناص بديع: (لو لم أكُن رجُلاً لوددت أن أكون قصيدة).. لكنه ما زال منبثاً من الوجود!
ثم يستدني تناصاً قرآنيا آخر في (سماء): (كوادٍ غير ذي زرع) كأنه يشبه قفار واد منعزل أو كأم تفترش عباءة ليحط الطير، فبعدما ضاقت الأرض بما رحُبت في خضام الأيام القاسية لزاماً عليه أن يعلم الروح كيفية التحليق، ثم يعود أدراجه لطائلة الحزن (ويسألونك عن الحزن قل هو مني وأنا لَه)، يهرول الخطى يستجدي غيمة خلاص من الأوجاع المتلاحقة مستلهماً بيت امرؤ القيس الشهير فيقول: (مكرٍّ مفرّ مقبل مدبرٍ، معاً.. كأرنب بريّ حاصره الرمادُ فارتمى)، لا غرو بأن الأبيات تستنطق الآن قوله سبحانه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ" (المائدة: 101)
الجريمة التي ارتكبها هي قطف وردةٍ تركت الغصن يتيماً، حتى المحبوبة المكذوبة تضع مولودها الثاني سفاحاً من زوج يكبر أباها في شرع الهوى، فلم يُعد يحدُّ عالمه سوى نقر عصافير مُستنفرة، وكأنه حرف جرٍّ غير موقعه من الإعراب فذهب الإيقاع، وفي النهاية (يرقصُ) على أعتاب الدهشة حتى الموت متشبثاً بآخر ما تبقى من أفلاطونية المدن الفاضلة، فهو مجرد نطفة في كفّ الرحمن ونُطفة في رحم التأويل...
عند خط النهاية يخرج من العالم آمناً مطمئناً يحمل في اليمنى كتاباً وقلماً وفي راحته اليسرى وردة حمراء وحفنة من الطين ويمضي إلى ما ليس يدري! هكذا – كانت أروع النهايات بين بيارق الشعراء وأقبية المجهول!
ديوان من الشعر النثري يفوحُ بالجمال الموجود في كل قبح بهذا العالم، لكن الأحاسيس باتت منعدمة وضرباً من ضروب الأخيلة وتبقى حقيقة محتومة تتسربُ مكامنها بين السطور وتعزف أهازيج الخلود –ألا وهي الموت!
|