|
القاهرة 03 فبراير 2026 الساعة 01:25 م

بقلم: سوزان سعد
في الفن المصري، لم تكن المرأة يومًا مجرد صورة عابرة داخل إطار. كانت حاضرًا يتجاوز الشكل، ومعنى يسبق الملامح. وحين نتتبع صورتها عبر العصور، لا نقرأ تاريخ الفن وحده، بل نقرأ تحولات النظرة الإنسانية إليها، وكيف تغيّر موقعها بين المركز والهامش، بين القداسة والصمت، ثم بين الغياب والعودة بصوت أكثر وعيًا وهدوءًا.
في البداية، لم تكن المرأة صورة تُرى، بل معنى يُحترم.
هكذا يمكن قراءة حضورها في الفن المصري القديم، حيث لم تُجسَّد الأنثى ككائن تابع، بل كقوة تحفظ التوازن. إيزيس، في هذا السياق، لم تكن مجرد إلهة، بل فكرة مكتملة عن الحماية والمعرفة والاستمرار. لم يكن الجسد عبئًا على المعنى، بل جزءًا منه، محاطًا بالوقار والرمز، لا بالاستعراض أو المبالغة.
لم ينظر المصري القديم إلى المرأة باعتبارها موضوعًا للنظر، بل باعتبارها مركزًا للحكاية. كانت الأنثى أصل المعنى، لا تفصيلة فيه. وربما لهذا جاءت صورتها متماسكة، هادئة، خالية من الزخرفة الزائدة، وكأن الفن آنذاك كان يعرف حدوده، ويعرف ما يجب أن يُقال وما يُترك للصمت. كانت المرأة في اللوحة الأولى شريكة في صياغة العالم، لا انعكاسًا له فقط.
ومع انتقال الفن إلى عصور لاحقة، بدأت صورة المرأة تنسحب بهدوء. لم تختفِ فجأة، ولم تُمحَ من الذاكرة البصرية، لكنها ابتعدت تدريجيًا عن مركز المشهد. في الفنون القبطية، ظل البعد الروحي حاضرًا، إلا أن الجسد أصبح أقل وضوحًا، أكثر اختزالًا، وكأن الروح وحدها هي ما يستحق البقاء في الضوء. أما في الفن الإسلامي، فقد غابت صورة المرأة المرسومة، لتحضر بشكل غير مباشر في الزخرفة، في الإيقاع، وفي الجمال المجرد. لم يعد الجسد محور التعبير، بل صار الغياب نفسه لغة.
أحيانًا لا تختفي المرأة من الصورة، بل تنسحب بهدوء، وتترك فراغًا لا يراه إلا من ينتبه.
هذا الغياب لم يكن نفيًا بقدر ما كان تعبيرًا عن رؤية مختلفة للجمال، رؤية ترى في الإيحاء قيمة، وفي الصمت حكمة. لكنه، رغم عمقه الفلسفي، خلق مسافة طويلة بين المرأة كواقع معاش، والمرأة كصورة فنية متداولة.
هذه المسافة اتسعت مع بدايات الفن الحديث في مصر. عادت المرأة إلى اللوحة، ولكنها عادت محمّلة بدلالات أكبر منها. ظهرت كرمز للوطن، أو للأمومة، أو للأرض، أو للحزن . كانت حاضرة بقوة، لكنها لم تكن متكلمة. مرئية بوضوح، لكن المسافة بينها وبين ذاتها كانت طويلة. الفنان يرسم رؤيته للعالم، والمرأة تتحول إلى حامل لمعنى لا تختاره بنفسها.
لم تكن المشكلة في الحضور، بل في زاوية النظر.
المرأة كانت داخل الإطار، لكن صوتها يأتي من مكان آخر، أحيانًا بعيد، وأحيانًا مكتوم. الصورة تتكلم، لكن ليس دائمًا بلسانها.
التحول الحقيقي لم يحدث حين تغيّرت الأساليب أو الخامات، بل حين تغيّرت اليد التي تمسك بالفرشاة. دخول الفنانات إلى المشهد التشكيلي لم يكن مجرد إضافة أسماء نسائية إلى قائمة طويلة، بل كان تغييرًا جذريًا في طبيعة الرؤية. حين أمسكت المرأة بالفرشاة، لم تضف نفسها إلى المشهد، بل غيّرت زاوية النظر كلها.
في أعمال فنانات مصريات معاصرات، لم يعد الجسد مثاليًا أو صامتًا. لم يعد موضوعًا للعرض، بل صار مكانًا للذاكرة. جسد يحمل آثار الحياة اليومية، التعب، الانتظار، التناقضات الصغيرة، والأسئلة التي لا تجد إجابات جاهزة. الجسد هنا لا يُقدَّم بوصفه جمالًا مكتملًا، بل تجربة إنسانية مفتوحة.
القوة في هذه الأعمال لا تأتي من الصخب، بل من الصدق.
القوة لا تكون دائمًا في الظهور أو المواجهة المباشرة، أحيانًا تكون في القدرة على قول الحقيقة بهدوء. الفنانة لا تحاول أن تعيد إنتاج صورة قدسية قديمة، ولا أن تنافس خطابًا سائدًا، بل تبحث عن مساحة آمنة للبوح، وعن لغة شخصية ترى بها نفسها والعالم.
اللافت أن المرأة، بعد رحلة طويلة من التحولات، عادت إلى مركز اللوحة، ولكن بشروطها الخاصة. لم تعد تنتظر نظرة الآخر لتكتمل، بل تصنع نظرتها بنفسها. لم تعد ترى ذاتها من الخارج، بل تنظر من الداخل إلى العالم. وهنا يتحول الفن من أداة تمثيل إلى فعل مصالحة، ومن وسيلة إثبات إلى مساحة فهم.
المرأة لم تتبدل كثيرًا عبر العصور، الذي تبدّل هو موقعها داخل الحكاية.
من رمز مقدس، إلى حضور صامت، إلى ذات واعية ترسم تجربتها، تتكشف رحلة معقدة لا يمكن اختزالها في تسلسل زمني أو تطور شكلي. إنها رحلة بحث مستمر عن الذات، وعن اللغة التي يمكن للمرأة أن تقول بها نفسها دون وساطة.
وحين ترسم المرأة نفسها، لا تبحث عن صورة أجمل، بل عن صورة أصدق.
صدق يسمح بالهشاشة، وبالتردد، وبإعادة النظر. صدق لا يخجل من الأسئلة، ولا يسعى إلى إرضاء النظرة الخارجية. في هذه الأعمال، لا تقدّم المرأة نفسها كإجابة نهائية، بل كحالة إنسانية قابلة للتغير.
اليوم، حين نتأمل أعمال الفنانات المصريات، لا نرى إيزيس الأسطورة، لكننا نشعر بظلها. نلمح القوة وقد تحولت من رمز بعيد إلى وعي حي، ومن أيقونة ساكنة في الذاكرة إلى تجربة إنسانية تُعاش. المرأة لم تعد صورة تُعلّق على الجدار، بل صوتًا هادئًا يتردد داخل اللوحة وخارجها، في التفاصيل الصغيرة، وفي المساحات التي كانت مهملة من قبل.
الفن لا يشرح المرأة، لكنه يترك لها مساحة أن تكون.
وفي هذه المساحة، لا تطالب المرأة بالكمال، ولا بالقداسة، بل بالصدق. مساحة تسمح لها أن ترى نفسها دون أقنعة، وأن تعيد طرح الأسئلة التي طال تأجيلها.
وهكذا، تظل رحلة المرأة في الفن المصري رحلة مفتوحة، لا تبحث عن خاتمة نهائية. رحلة تتحرك بين الذاكرة والواقع، بين ما كان وما يمكن أن يكون. وبين قدسية إيزيس وصوت فنانات اليوم، تمتد خيوط كثيرة من الصمت والكشف، من الغياب والحضور. وخلال هذه الرحلة، يبقى الفن شاهدًا هادئًا، لا يفرض إجابات، لكنه يترك الضوء مشتعلاً لمن يريد أن يرى.




|