|
القاهرة 02 فبراير 2026 الساعة 02:22 م

حاورته: د. إنجي عبد المنعم
بين "صومعة" الأب الأديب وهيب سراي الدين في العليّة، وجلسات الحكايا الشعبية تحت شجرة الليمون في حضرة الجدة، تشكّلت ملامح الكاتب أدهم سراي الدين. هو كاتب يفكك الماضي ليعالج قلقاً وجودياً يلاحقه من دمشق إلى باريس.
في هذا الحوار، يفتح لنا أدهم خزائن ذاكرته؛ يتحدث بصدقٍ جارح عن "عنق الزجاجة" الذي حبسه فيه ظل والده الكبير، وكيف استطاع السفر واللغات أن يمنحاه "جلبابه الخاص". يواجه نقاد أعماله بشجاعة، معترفاً بلحظات التسرع وهشاشة النهايات، ومدافعاً عن "الفضيلة" التي تولد من وعي الإنسان بذاته لا من وصايا المجتمع.
نرحل معه من "حفنة تراب على نهر جغجغ" إلى قصة "المهاجر"، لنكتشف كيف تحول "الحنان المدبّر" في طفولته إلى بوصلة تقوده في وعر الأدب والحياة.
1. تصف ذاكرة الطفولة بأنها "تتكئ على النوستالجيا"، كيف استطعت تحويل شقاوة الطفولة وبراءتها من مجرد ذكريات عابرة إلى مادة أدبية دسمة تعالج هموماً وجودية؟
نعم، حين أكتب عن أيام الطفولة المضمخة بالحنين، أحرص بوعيٍ تام على إبقاء جذوة نارها متقدة في السرد؛ وذلك عبر خلق توتر داخلي يتفاعل مع حاضري الذي أعيشه، ومن خلال تقاطعات زمنية وإنسانية تجعل تلك الذكريات تتماس مع القلق الأنطولوجي الراهن. هكذا تستحيل الطفولة وبراءتها نافذةً تطل على الأسئلة المفتوحة، ممتزجةً بذلك الفقد البطيء والمتواصل الذي يتسرب من أمامنا كما ينفلت الماء من بين الأصابع.
2. تحدثت بشغف عن جدتك "الأمية صاحبة القلب النبيل" وجلسات القراءة تحت شجرة الليمون؛ إلى أي مدى ساهمت تلك الحكايات الشعبية وقصص الأنبياء في تشكيل مخزونك السردي الأول؟
كانت جدتي، صاحبة القلب النبيل والابتسامة الطيبة، وتلك الحكايات الشعبية وقصص الأنبياء، هي الشرارة الأولى التي أجّجت مخيلتي وأشعلت روحي مبكراً. كنتُ أُخرج مشاهد تلك القصص في عقلي وقلبي لتستحيل مسرحيات مكتملة الأركان بشخصياتها وأحداثها. تلك القصص حببتني في الكلمة ذاتها، بفتنتها وقدرتها على خلق عوالم شتى. لم أكن أتعامل مع القراءة كواجب مدرسي بجمل جامدة، بل كمشاهد تنبض بالحياة والدفء والمشاعر، أعرضها داخل وجداني؛ فكنتُ أتألم لمحنة النبي أيوب وأغبطه على صبره العظيم. بلا شك، تلك المرويات الأولى هي ما صقل حسي السردي، وعلمتني أن القصص هي تجارب تفيض بالأفكار والمشاعر.
3. نشأت في كنف والد أديب (وهيب سراي الدين) وكنت تراقبه وهو يسوّد أوراقه؛ هل كان الأب "الكاتب" بوابة سهلة لدخولك عالم الأدب، أم أنه شكل تحدياً لك لتصنع صوتاً مستقلاً؟
أصبتِ؛ ففي البداية عشتُ فعلياً تجربة "البوابة السهلة". إن وجود والدي الأديب وهيب سراي الدين جعل فعل الكتابة جزءاً من المشهد اليومي لأسرتنا. كنتُ أراه يومياً يصعد إلى "صومعته" في العليّة (الطابق الثاني من منزلنا)، يقضي ساعات في تسويد أوراقه وكتابة قصصه، ثم يعود إلينا مساءً ليرتشف القهوة معنا، ويبدأ في سرد حكايات أبطاله وهو مبتهج بمغامراتهم وصراعاتهم. هذا المناخ ولّد لديّ تطلعاً مبكراً لكتابة قصصي الخاصة، لأرى ما سيفعله أبطالي حين أطلق سراحهم على الورق.
لكن مع مرور الوقت، تحولت هذه البوابة السهلة إلى شعور خانق؛ وكأنني عالق في عنق زجاجة لا أستطيع تجاوزها. بدأتُ أشعر بأن ظل الأب الكاتب حاضرٌ بقوة في لاوعيي، مما دفعني لتقليد روحه وأسلوبه. لذا كان عليّ أن أخلع "جلباب أبي الأدبي" بوعيٍ تام، وأرتدي جلبابي الخاص؛ فشرعتُ في تمرين أدواتي وتلمّس صوتي المستقل وطرح أسئلتي المتفردة. وما ساعدني في ذلك كان السفر، وتعلم اللغات، والانفتاح على الآداب العالمية. فالأدب في نهاية المطاف ليس وراثة بيولوجية، بل هو مغامرة متفردة في رحلة الحياة. والدي فتح لي الباب، وأنا عبرتُ الطريق وحيداً.
4. ذكرت أنك سهرت حتى الصباح لإنهاء رواية والدك "حفنة تراب على نهر جغجغ"؛ كيف أثرت تلك اللحظة التأسيسية على علاقتك بالكتب ورائحة الورق لاحقاً؟
ما زلت أذكر تلك الليلة جيداً، فقد كانت ليلة فارقة في حياتي. حينها سهرتُ حتى الفجر لأتمم رواية والدي "حفنة تراب على نهر جغجغ"، وشعرتُ أنني أعيش اكتشافاً طفولياً مدهشاً، كأنني عثرتُ على كنز في جزيرة نائية. ظننتُ حينها، بشيء من السذاجة الجميلة، أن كل الكتب تضاهي تلك الرواية جمالاً، وهذا الظن منحني اندفاعة عاطفية نادرة نحو القراءة. منذ تلك اللحظة، تغيرت علاقتي بالكتاب ورائحة الورق؛ فأصبحتُ أعشق ارتياد المكتبات، والتنقيب في الصحف الصفراء القديمة والمجلات الغابرة، بحثاً عن الصور البديعة والأفكار الملهمة. فالقراءة تجربة حسية متكاملة تكتمل بملمس الصفحات ورائحة الورق التي تحمل تاريخاً لم أعشه، لكنه أصبح جزءاً من تكويني. تلك الليلة أصابتني بـ "عدوى القراءة"، وجعلتني أبحث دائماً بين الصفحات عن ذلك الوعد الخفي الذي يقدمه كل كتاب جديد.
5. في ظل ذكريات الخوف الأولى من المدرسة، كيف استطاع موقف إنساني بسيط من "معلمتك الأولى" أن يغير مسار علاقتك بالتعليم وبالحياة الاجتماعية؟
أردتُ من خلال القصة الإشارة إلى أن جرعة ضئيلة من الحنان غير المتوقع قادرة على تغيير حياة طفل ونظرته للتعليم برمتها؛ فثمة لحظات بسيطة ظاهرياً تترك أثراً بعيد المدى. حين كتبتُ عن خوف ابني "كريم" من المدرسة، كنتُ أستدعي خوفي القديم في حقيقة الأمر. هذا المشهد أعادني عبر اللاوعي إلى معلمتي الأولى وحنانها الذي تجلى في لحظة شعرتُ فيها بالوحدة والضعف. تلك "الليرة" الواحدة التي منحتني إياها حينذاك كانت أجمل من كل شيء؛ كانت إشارة بأن العالم ليس قسوةً مطلقة، فثمة "صاحبة لرائحة الياسمين" تقف بجانبي وتمد يدها إليّ. ورغم أنني أدركتُ لاحقاً أن والدي هو من أعطاها المال لتهبني إياه، إلا أن هذا الاكتشاف لم يفرغ اللحظة من معناها، بل زادها بهاءً؛ لأن المحبة حين تكون مُدبرة من الكبار، تصل إلى قلب الطفل كحنان حقيقي ومؤثر.
6. النصيحة التي توجهها للأدباء الشباب الذين يستعجلون النشر قبل اكتمال نضجهم القرائي؟
نصيحتي هي: اقرأوا واكتبوا.. ثم اقرأوا واكتبوا أكثر. لا تجعلوا النشر غايتكم الأولى، بل اجعلوا بناء الأدوات وصقلها هو الهدف. ثمة لحظة صدق داخلية يشعر بها الكاتب، تخبره بأن ما يخطه لم يعد مجرد "خربشات"، بل أصبح نصاً قادراً على إقناع القارئ وإدهاشه؛ عند هذه اللحظة فقط، انشروا. لا ضير في التأخر قليلاً، بل العيب في التسرع الذي يحبس الكاتب مبكراً في صورة "الأديب الذي أغراه النشر قبل النضج، تماماً كفتاةٍ زُوّجت وهي ما تزال في طور الطفولة. ومع ذلك، حين تثق بأن نصك صار صالحاً للخروج إلى الضوء، فلا تتردد؛ واعلم أن الكتاب الأول يؤدي دوراً محورياً في مسار الكاتب، ولنا في رواية ديستويفسكي الأولى "الفقراء" خير مثال، إذ كانت مدهشة لكاتب لم يتجاوز الرابعة والعشرين.
7. وصفت قصتك "المهاجر" بأنها "قصة طويلة نوعاً ما" رغم أنها تتجاوز 80 صفحة؛ ألا ترى أن التصنيفات النقدية (رواية قصيرة/ قصة طويلة) قد تظلم العمل الفني أحياناً بحصره في معيار الطول والقصر؟
أشعرُ الآن أنكِ على حق؛ فالتوصيفات الأجناسية مثل (قصة قصيرة، قصة طويلة، رواية قصيرة) لا تفي العمل حقه الفني في كثير من الأحيان. هذه التصنيفات، رغم جدواها في العملية النقدية، إلا أنها قد لا تراعي التجربة الجمالية، إذ تختزلها في معيار الكم، وكأن القيمة تُقاس بعدد الصفحات لا بعمق السرد وجلال التجربة.
8. في "المهاجر"، يعيش البطل "سامي" بين باريس ودمشق؛ كيف وظفت تقنية "المحفزات الحسية" (مثل البرقية) للدمج بين الواقعي والمتخيل في سردية الاغتراب؟
في رواية "المهاجر"، اشتغلتُ على "البرقية" بوصفها المحفز (الخطاف) الذي يجذب القارئ إلى أعماق السرد ليبحر في عوالم الاغتراب والحنين. من خلالها، وقعت الصدمة على بطل القصة، فكانت هي المحرك لتداعياته إثر ذلك الخبر الصادم القادم من بعيد عبر ورقة صغيرة بكلمات صامتة، لكنها تصرخ في ذاكرته بقسوة، لتشرع أبواب أحداث الرواية على مصراعيها.
9. يرى بعض النقاد أن عبارة النهاية في "المهاجر" التي ربطت بين "هند" و"الوطن" كانت مباشرة وفضفاضة مقارنة بترميز نجيب محفوظ في "ميرامار"؛ كيف ترد على هذا الرأي؟
في الحقيقة، لم أكن راضياً تماماً عن نهاية "المهاجر" حتى وأنا أضع نقطتها الأخيرة. لقد تعثرتُ طويلاً أمام هذه الخاتمة، وبقيت الرواية معلقة على مكتبي فترة طويلة دون مخرجٍ مرضٍ؛ كنت أشعر أن الخيط الأخير عصيٌّ على الإمساك. وفي لحظة حاسمة، نفد صبري وتسرعتُ، فاخترتُ نهاية أكثر مباشرة وفضفاضية مما كنت أطمح إليه فنياً. لذلك، حين يقارن النقاد هذه الخاتمة بترميز نجيب محفوظ في "ميرامار"، فأنا أتفهم الملاحظة وأتفق معها إلى حد كبير. ربما تكشف هذه النهاية هشاشة لحظة الكتابة ذاتها؛ فمهما بلغنا من الوعي التقني، نظل بشراً يرهقنا النص فنلجأ أحياناً للحل الأيسر. نحن نكتب لنجرب، ونتعلم من أخطائنا أيضاً.
10. تضمنت مجموعة "المهاجر" قصصاً قصيرة جداً مثل "سماء بنكهة القهوة"؛ هل كان دمج هذه القصص مع العمل الرئيسي مقصوداً لخلق توازن في الإيقاع أم لضرورات النشر؟
بصراحة، دمج تلك القصص القصيرة جداً ضمن المجموعة كان استجابةً لضرورات النشر وبناءً على طلب الناشر. ففي مرحلة الإخراج النهائي للكتاب، كانت هناك اعتبارات عملية تتعلق بحجم العمل ومظهره التسويقي، وهذا ما استدعى ضم تلك النصوص القصيرة.
11. وُصفت قصة "الاستحقاق" بأنها قصة أخلاقية بامتياز؛ هل تعتقد أن الأدب لا يزال مطالباً اليوم بتعزيز الفضيلة، كما فعلت في مشهد حمل الأب لابنه المريض؟
الأدب ليس مطالباً بتعزيز الفضيلة كدرسٍ أخلاقي يُمْلى على القارئ. الفضيلة الحقيقية، في تقديري، هي التي تنبع من الداخل، لا تلك المفروضة عبر محددات المجتمع وتقاليده. دور الأدب هو تعزيز وعي الإنسان العميق بذاته وبالعالم، من خلال ارتياد مناطق التفكير المظلمة التي نخشى ولوجها: الأفكار التي تتسلل إلينا ونخجل من الاعتراف بها، والدوافع الملتبسة، ومناطق الظل في النفس البشرية. حين تُناقش هذه الطبقات بصدق، تطفو على سطح الوجدان وتُحرّك القارئ داخلياً، ومن خلال هذه العملية تتخلق الفضيلة بدافع ذاتي في السلوك، لا كامتثال لأمر خارجي.
أدهم سراي الدين، أديب ومترجم كندي من أصول سورية، تشكلت ملامحه الإبداعية بين "بازلت" السويداء وصقيع موسكو وضجيج كندا. هو ابن الأديب وهيب سراي الدين، لكنه صنع صوته الخاص بعيداً عن "وراثة المهنة" ومنحازاً لـ "وراثة الشغف". غاص في الأدب الروسي دراسةً وترجمة، فمزج في نصوصه بين العمق النفسي لـ "ديستويفسكي" والدفء المشرقي الفطري. يكتب عن الهجرة كحالة وجودية، وعن الوطن كذاكرة نابضة لا تندثر، مؤمناً بأن الأدب هو الحارس الأخير لملامحنا في زحام المدن الكبرى.

|