|
القاهرة 01 فبراير 2026 الساعة 03:39 م

متابعة: إيمان السباعي
تصويرمحدي رضا
ضمن محور «تجارب ثقافية» في فعاليات الدورة السابعة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب، شهدت إحدى الندوات الفكرية نقاشًا معمقًا حول مشروع ترجمة الأعمال الكاملة للفيلسوف اليوناني أرسطو إلى اللغة العربية، في ندوة حملت عنوان: «أرسطو: من ما وراء الطبيعة إلى مملكة الحيوان.. ترجمة عربية متخصصة».
شارك في الندوة الدكتور محيي الدين مطاوع، مترجم المشروع وعميد كلية الألسن بجامعة بني سويف سابقًا، فيما أدارها الدكتور مصطفى النشار، رئيس الجمعية الفلسفية المصرية وأستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة.
ولم تقتصر الندوة على تقديم كتاب مترجم، بل طرحت قراءة فكرية لتجربة ترجمة طويلة المدى، أعادت فتح النقاش حول العلاقة بين الفلسفة والعلوم، وحدود الترجمة الفلسفية، وقدرة اللغة العربية على استيعاب أكثر النصوص الفكرية والعلمية تعقيدًا في التراث الإنساني.
مشروع ترجمة لا كتب متفرقة
وخلال مداخلته، استعرض الدكتور محيي الدين مطاوع مسيرته مع الترجمة، مؤكدًا أن انشغاله بأعمال أرسطو لم يكن قرارًا طارئًا، بل نتيجة تراكم معرفي طويل في دراسة النصوص اليونانية القديمة، وترجمة أعمال فلسفية وأدبية مهدت للانتقال إلى مؤلفات أرسطو الأكثر تعقيدًا، وعلى رأسها كتاب «الميتافيزيقا».
وأوضح أن التحدي الحقيقي لم يكن في نقل الألفاظ، بل في فهم المصطلح الفلسفي داخل سياقه اللغوي والفكري، وهو ما دفعه سابقًا إلى إعداد قاموسين يوناني ولاتيني، يقدمان المصطلح في مختلف اشتقاقاته ودلالاته، باعتبارهما أداة لا غنى عنها للباحثين في الفلسفة والعلوم ذات الجذور اليونانية.
وأشار مطاوع إلى أن ترجمة أرسطو لا يمكن التعامل معها كأعمال منفصلة، بل كمشروع فكري متكامل، تتقاطع أفكاره عبر مؤلفاته المختلفة، من الطبيعة والسياسة، إلى الأخلاق، وصولًا إلى كتاب «مملكة الحيوان».
بين الفلسفة والعلم
وتوقفت الندوة عند سؤال محوري: هل كان أرسطو فيلسوفًا فحسب، أم عالمًا سبق عصره؟
وفي هذا السياق، أوضح مطاوع أن أرسطو قدّم نموذجًا فريدًا للعالم الموسوعي، حيث نظر إلى الإنسان والطبيعة والمجتمع بوصفها منظومة مترابطة، مؤكدًا أن دراساته في الحيوان والنبات والتشريح لا تقل أهمية عن تنظيراته الفلسفية.
وأضاف أن مفهوم «الحيوان» عند أرسطو جاء بمعناه الواسع، ليشمل كل كائن حي تدب فيه الحياة، وهو تصور يقترب بدرجة لافتة من التصنيفات المعتمدة في العلم الحديث.
أرسطو أقرب إلى القارئ العربي
من جانبه، أكد الدكتور مصطفى النشار أن القيمة الأساسية لهذا المشروع تكمن في تقديم أرسطو للقارئ العربي بوصفه مفكرًا حيًا ومتجددًا، لا نصًا جامدًا أو غريبًا عن اللغة، مشيرًا إلى أن بعض الترجمات القديمة – رغم قيمتها التاريخية – لم تنقل النص اليوناني بدقة كافية.
وأوضح أن ترجمة مطاوع تميزت بالأمانة العلمية، والدقة المصطلحية، إلى جانب السلاسة اللغوية، ما جعل النص الأرسطي مقروءًا بالعربية، دون الإخلال بعمقه الفلسفي.
الفلسفة أساس العلوم
وشدد المتحدثان على أن تجربة أرسطو تؤكد أن الفلسفة ليست نقيضًا للعلم، بل تشكل أحد أسسه الأولى، لافتين إلى أن عددًا كبيرًا من المصطلحات العلمية والطبية المتداولة حتى اليوم يعود بجذوره إلى اللغة اليونانية القديمة.
كما أشار مطاوع إلى أن العمل لا يزال جاريًا على استكمال ترجمة كتاب «مملكة الحيوان»، مع إخضاعه لمراجعة علمية تشارك فيها أقسام متخصصة من كليات العلوم، في تجربة تجمع بين الترجمة الدقيقة والفحص العلمي، بما يحول العمل إلى موسوعة معرفية متكاملة.
جسر ثقافي بين حضارتين
واختُتمت الندوة بالتأكيد على أن مشروع ترجمة أعمال أرسطو إلى العربية يمثل خطوة مهمة في استعادة الدور الحضاري للغة العربية، ويعكس نموذجًا للتكامل بين الفلسفة والعلوم، وبين الجهد الفردي والعمل الأكاديمي الجماعي، في سياق معرض الكتاب بوصفه منصة للحوار الثقافي العابر للزمن.
وجاءت الندوة ضمن فعاليات تنظمها المؤسسة اليونانية للكتاب والثقافة – فرع الإسكندرية، في إطار اهتمامها بتعزيز الحوار الثقافي والفلسفي بين الحضارتين اليونانية والعربية، وقدمها الأستاذ ستافرولا سبانوذيس، رئيس المؤسسة، الذي أكد أهمية إعادة قراءة التراث الفلسفي الكلاسيكي بوصفه رافدًا أساسيًا للفكر الإنساني المعاصر.
|