|
القاهرة 01 فبراير 2026 الساعة 03:36 م

متابعة: نهاد إسماعيل المدني
(تصوير: مجدي رضا)
شهدت القاعة الرئيسية «بلازا 1» بمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57، مواجهة فكرية رفيعة المستوى حول قضية "الاستشراق الجديد"، بمشاركة نخبة من الأكاديميين: الدكتور عبد الله إبراهيم المتخصص في الدراسات السردية، والدكتور محمود الضبع عميد كلية الآداب بجامعة قناة السويس، وأدار النقاش الدكتور شوكت المصري أستاذ النقد الأدبي بأكاديمية الفنون.
من الإنقاذ إلى التفكيك.. تحولات "المركزية الغربية"
استهل الدكتور عبد الله إبراهيم الطرح بالتمييز بين طبعتين من الاستشراق؛ مؤكدًا أن الاستشراق التقليدي رغم انحيازاته، قدم خدمة جليلة للتراث العربي عبر حفظ ملايين المخطوطات من الضياع، معتبرًا أن المشكلة لم تكن في الاستشراق ذاته، بل في إسقاط المناهج الغربية على واقع حضاري مختلف.
وأوضح إبراهيم أن «الاستشراق الجديد» الذي تبلور ما بعد الحرب العالمية الثانية، تجاوز مرحلة "نقد النص" إلى مرحلة "إنكار الحدث الإسلامي" برمته، مستخدمًا أدوات النقد التاريخي المقارن التي جردت النصوص من قدسيتها، ليدعي أن الإسلام "صيغة سياسية لاحقة" وليس وحيًا تاريخيًا، واصلاً إلى ذروة التشكيك عبر إنكار الوجود التاريخي للنبي ? وربط الظاهرة بروايات قديمة سابقة.
"الثالوث الناعم" وحصار الهوية
من جانبه، حذر الدكتور محمود الضبع من تحول الاستشراق من أروقة الأكاديميا إلى أدوات "ناعمة" ومؤثرة، وصفها بـ «الثالوث المعاصر» (التكنولوجيا، مجتمع المعرفة، وعلم النفس السلوكي)، مؤكدًا أن الخوارزميات ووسائل التواصل باتت تعيد تشكيل الوعي الجمعي العربي وترسخ صورة "العجز".
وشدد الضبع على أن استهداف اللغة العربية يمثل رأس الحربة في مشروع تفكيك الهوية، حيث يؤدي تراجع مكانتها في المؤسسات التعليمية لصالح اللغات الأجنبية إلى حالة من الاغتراب الثقافي لدى الأجيال الجديدة، وهو ما يسهل عملية السيطرة الثقافية والتبعية التي لا تزال مستمرة بأشكال مختلفة.
فخ "الإبراهيمية" واختراق الداخل
وفي مداخلة نقدية لمدير الندوة، كشف الدكتور شوكت المصري عن ملمح خطير للاستشراق الجديد، وهو "الاستشراق الداخلي" عبر مراكز بحثية وكُتّاب داخل العالم العربي يتبنون أجندات مشبوهة. وأشار المصري إلى أن التركيز على مفهوم "الديانات الإبراهيمية" لا يستهدف الإسلام فحسب، بل يسعى لتذويب خصوصية المسيحية الشرقية أيضًا، معتبرًا أن هذا الخطاب يتقاطع مع طروحات "القرآنيين" وتيارات التشكيك في الثوابت.
المواجهة.. "لا لدفن الرؤوس في الرمال"
واختتمت الندوة بطرح آليات للمواجهة، حيث دعا المتحدثون إلى ضرورة:
اقتحام الترجمة: نقل الأعمال المؤسسة للاستشراق الجديد إلى العربية لفهمها وتفكيكها بدلاً من تجاهلها.
بناء الوعي النقدي: الانتقال من مربع "الرفض والإنكار" إلى مربع "المساءلة العلمية".
تجاوز العزلة: التوقف عن سياسة الهروب من المواجهة الفكرية، واعتبار التصدي لهذا التيار "ضرورة وجودية" وليس ترفًا ثقافيًا.
أجمعت الندوة على أن "الاستشراق الجديد" بات مشروعًا معرفيًا عابرًا للحدود، يستخدم الفنون والسينما والإعلام كأدوات لتمرير سرديات بديلة، مما يفرض على العقل العربي استعادة زمام المبادرة في قراءة تراثه بأدوات حديثة ومنطلقات ذاتية.
|