|
القاهرة 30 يناير 2026 الساعة 12:31 م

بقلم: أحمد محمد صلاح
كانت العصور القديمة والوسطي كما أسلفنا هي بدايات الفلسفة بزخمها الكبير وإن كانت قد حوت وجمعت كل العلوم في طياتها، فكانت الفلسفة في ذلك الوقت هي علم العلوم، حملت بين تلك الطيات الدين والعلوم والفلك والعلوم الاجتماعية والسياسية وغيرها، ولم يكن هناك أي فاصل بين تلك العلوم المجتمعة التي يتكلم فيها الفيلسوف.
فكانت المشكلة العلمية يتم فلسفتها بشكل أو بآخر وإضفاء -في بعض الأحيان- نظرة أسطورية على القضية العلمية، مما جعل العلم في العصور الوسطي يتحول إلى عملية تكاد تقترب من السحر إلى المنهج العلمي، وهذا ما سنستعرضه لاحقا عند الحديث عن تاريخ العلم، كذلك كان الدين ورجال الكنيسة يسيطرون بشدة على الفكر ونتائجه سواء بالمعطيات أو النتائج.
بدأت العصور الحديثة مستغله التراث الفلسفي في العصور الوسطي كركائز وأسس منهجية علمية مع البدء في الفصل التدريجي بين الفلسفة ومختلف العلوم، من خلال النظرة المجردة الوضعية للعلم، ويقول يوسف كرم في كتابة تاريخ الفلسفة الحديثة:
"بينما الجامعات والمعاهد الدينية تستمر على مدرسة تراث العصر الوسيط تشتد من حولها الحركة العلمية والفكرية التي بدأت في عصر النهضة، فنرى رجالًا مستقلين يعملون على تنمية العلم الجديد، الرياضي منه والطبيعي، فيؤلفون الجمعيات أو الأكاديميات، وينشئون المجلات لإذاعة بحوثهم والمناقشة فيها، ونرى رجالًا آخرين يستحدثون مذاهب فلسفية كانت الأصول التي نسج عليها الفكر الحديث، ففي إنجلترا يتوطد المذهب الحسي بفضل فرنسيس بيكون، وتوماس هوبز، وچون لوك، وفرنسا يبرز ديكارت بفلسفة عقلية روحية نستطيع أن ننعتها بالجديدة، ولو أن عناصرها ترجع إلى المدرسيين، فينتشر أثرها إلى جميع المفكرين، يصطنعها فريق منهم، ويعارضها فريق آخر، ويعدل فيها فريق ثالث وأشهرهم جميعًا بسكال، ومالبرانش، وسبينوزا، وليبنتز، وستظل الفلسفة إلى أيامنا تابعة لهؤلاء".
وإن كنت أحب أن أقول أن العلم والفلسفة الإسلامية قد أخذت شوطا آخر مهما، فالدين الإسلامي يفصل بين العلم والدين، ولا يرجع الظواهر أو النظريات إلى الغيبيات، فنجد التقدم العلمي عند المسلمين في العصور الوسطى، وظهر ذلك جليا في قدرة علماء المسلمين على الفصل بين العلوم، فظهر بن سينا في الطب، الخوارزمي في الجبر، والرازي في الطب والكيمياء، والبيروني في الرياضيات والفلك، والزهراوي في الجراحة، وابن الهيثم في البصريات، أما في الفلسفة فكان بن رشد علي سبيل المثال، وكان كل عالم من هؤلاء مبدعا في مجاله فقط وليس متكلما في كل العلوم.
ويقول أحمد أمين في كتاب قصة الفلسفة الحديثة:
"فاشتدَّ الهَياج على النظام الموجود، والمبادئ القائمة، وزاد سُخط الناس على ما لدَيهم من عقائد عتيقة، فأُعلنت الحربُ على كل نوع من أنواع السلطات، وطُولِب بحرية الفكر، وأصبح الحق في نظر الناس ليس ما اعتُبَر حقًّا منذ قرون، ولا ما قال عليه فلان إنه حقٌّ سواء كان القائل أرسطو أو غيره، إنما الحقُّ ما بُرهِنَ لي عليه، واقتنعتُ بكونه حقًّا، وبدَتْ طلائع الفلسفة الحديثة التي كانت في أول عهدها أميَلَ إلى الاتجاه نحو الطبيعة، وانصرف الفكر الحديث -بدافع الروح اليونانية- إلى الطبيعة وعلومها ينظُر نظرًا غير مُتحيِّز، وقَوِيَت الرغبة في تعرُّف العالم من جديد.
هذا ولم تكن الفلسفة الحديثة طبيعية فحسْب، بل كانت فردية كذلك، فقد كان من خواصِّها لفْت عقل الفرد وتحريره من رِقِّ رجال الكنيسة، وكان من أغراض الحركة الحديثة تقرير حقِّ الأفراد في الحكم على الأشياء، فلكلِّ فردٍ أن يبحث وينتقِد غير مُقيدٍ ذلك بأية سلطة خارجية".
ومعنى هذا كله أن النهضة الفكرية قرَّرت أن يكون لعقل الفرد القول الفصل، وعلى هذا الأساس قامت الفلسفة الحديثة، وكان أول من حمَل لواءها «بيكون» و«ديكارت».
اتفق هذان الفيلسوفان في الغرَض، ولكنهما اختلفا في الوسيلة المؤدِّية إليه، فبينما يذهب بيكون إلى أنَّ المصدر الوحيد للحقائق هو ملاحظة العالم الخارجي وتجربة ظواهره، إذا بديكارت يعترف بأن يكون العقل مَعِينًا تتدفَّق منه المعرفة إلى جانب العالَم الخارجي الذي ينتقل إلينا عِلمه بالحواس، وكان بذلك بيكون مُؤسِّس الفلسفة التجريبية، كما كان ديكارت واضع الأساس لفلسفة عقلية جديدة".
اذا.. فقد كانت الفلسفة في العصور الحديثة قائمة على مبدا فصل العلوم، ومن ثم تحرير الفلسفة من الدين وسطوة رجال الكنيسة، واتخاذ مناحي جديدة على الفكر الفلسفي الأوروبي، كما أكدنا أن الفلسفة الإسلامية استطاعت ان تسبق الفلسفة الأوروبية بمراحل كبيرة.
|