|
القاهرة 27 يناير 2026 الساعة 03:24 م

بقلم: د. طارق إبراهيم الشناوي
عتبات النص أو Paratexts هو مصطلح يشير إلى كل ما يحيط بالنص الأساسي، مثل العنوان، والغلاف، والمقدمة، والإهداء، حيث تُعدّ هذه العناصر "مفاتيح" تساعد القارئ والمتلقي على الدخول لعالم النص، وتوجهه نحو كشف دلالاته العميقة. والنص الذي أمامنا غني بهذه المفاتيح، فالغلاف عبارة عن صورة لسماء مظلمة يشقها شعاع من البرق، بما يحمل من دلالات متعددة، مثل الصدمة / الصاعقة / لحظة الكشف / الإدراك / الرؤية المفاجئة / إلخ. على صفحة الغلاف، استخدمت الكاتبة كلمة "سرد"، لوصف محتوى العمل، بدلا من وصفه بالمجموعة القصصية، كما يظهر في صفحة الغلاف الداخلي. ربما تشير كلمة "سرد" إلى فكرة تخطي التجنيس الأدبي، فنحن نجد مثلا القصة الأولى مقسمة إلى ستة مناظر، ويبدأ كل منظر بوصف للزمان والمكان (ليل – نهار / داخلي – خارجي)، ووصف تفصيلي لفضاء الحدث، ولشخصياته، وكأن الكاتبة تكتب سيناريو لعمل درامي أو مسرحي، كما نجد بعض القصص التي تنتمي لفن القصة القصيرة جدا والتي لا تتعدى أربعة أسطر، مثل قصة (رحيل)، ونجد أيضا القصة الومضة، مثل القصة الأخيرة في المجموعة، والتي تتكون من ثلاثة مفردات؛ عنوان وكلمتان. "السرد" أيضا، بالإضافة إلى تجاوزه لفكرة التجنيس الأدبي، يعطي إحساسا بالحميمية الكتابية، وبالانطلاق في التعبير عن المشاعر المخبوءة أو المكبوتة، وبالحكي الحر، بدلا من الاتكاء على أشكال الكتابة التقليدية.
على الغلاف الخلفي للمجموعة، نجد اقتباسا من القصة التي تحمل المجموعة عنوانها (عندما تمزق الواقع)، وهذا الاقتباس يتجاوز حتى الكتابة السردية، ليأخذ شكلا أقرب إلى الشعر:
نعم، أنا الغريبة التي كانت بالأمس
صاحبة الدار والجوار
أنا التي جار عليها الحب والعُرف
وخط الهجر بتوقيعه على جدرانها . . .
عصفت ليالي الحب بالأحباب
فلا الود يشفع
ولا الدمع يشفي
ولا السنوات عائدة
ولا يكفي العتاب.
العنوان يبدأ بظرف زمان، مفعول فيه، في إشارة إلى اللحظة التي حدث فيها التمزق / الاكتشاف / الخذلان. الفعل هنا أخذ صيغة الفعل الماضي، مع أن التمزق حاضر وحادث في كل الأوقات، ولكنه يشير إلى فكرة المفاجأة، بأكثر من فكرة الحضور المستمر الذي يشير إليه الفعل المضارع، والذي يتنافى مع فكرة الصدمة.
أهل النحو سيعربون كلمة الواقع في العنوان (فاعلا)، ولكن هل الواقع هو الفاعل؟ هل هو الذي قام بالفعل؟ أم أنه هو الذي وقع عليه الفعل، وكأنه فاعل إعرابيا، ولكنه مفعول به فعليا. إذن، من الفاعل أو ما الفاعل؟ من الذي مزق الواقع؟ ولماذا مزقه؟ وما الواقع الذي تمزق؟ أهو واقع مادي حسي؟ أم هو واقع معنوي، من صنع بطلة القصص، ستار وهمي، غلفت به البطلة محيطها الذي تعيش فيه، بحثا عن الحب / الأمان / الحماية / الثقة، ثم، تأتي لحظة الخذلان أو الصدمة، من الحبيب / الأهل / المجتمع / الصديق، أو كما تقول في قصة (عندما تمزق الواقع)، أنا التي جار عليها الحب والعُرف. العُرف هنا يمثل المجتمع، بكل منا يمنحه من أمان، وما يشكله أيضا من قيود وأعباء. أما الحب، فهو ذلك الكائن الذي أهدته الكاتبة عملها:
إلى الحب . . . .
ذلك الكائن الذي دونه لم يستطع آدم أن يسكن إلى حواء، ولم يهمس في أذنها بالكلمة السر التي جعلتها تنطوي طواعية تحت جناحه، وتهبه زهورها ورياحينها، وتتحمل شوكه وغلظة طبعه، فتحيل صحراء حياته جنة، وتملأ كونه بهجة، وتمنحه امتدادا على وصفه وشكله، لتعمر الدنيا إلى ما شاء الله.
لكن الحب ليس مجرد كلمة، بل هو تطبيق تلك الكلمة على أرض الواقع، بما تمنحه من أمان / ثقة / احترام / صدق، ثم تكتشف الأنثى أن هذا الغطاء / الواقع قد تمزق في لحظة صادمة، كاشفة، صاعقة، عندها، ينهار كل شيء. الخذلان هنا لا يأتي من الحبيب بمعناه الضيق، بل قد يحدث أيضا من الأهل / المجتمع / الصديق، ويتضح ذلك عندما نقف على بعض قصص المجموعة.
في قصة (مشرط الخالة ترك)، تتناول الكاتبة حادثة (الختان) لفتاة صغيرة بريئة، تفاجأ بأنها مطلوبة ليمارس عليها هذا الطقس المجتمعي، مع أخواتها البنات، بمعرفة الخالة ترك، وعندما تحاول الهرب والتملص، تمسك بها أمها، وتشل حركتها، وتباعد بين ساقيها، حتى تتيح للخالة إتمام عملها. ورغم محاولات الفتاة المستميتة، ورغم تذكيرها لأمها بتحذيراتها المسبقة والمتكررة بألا تسمح لأي أحد، ولا حتى لنفسها، بالعبث بجسدها، إلا أن الأم هنا تنحاز للعرف المجتمعي، ضاربة عرض الحائط بتوسلات ابنتها، وتساؤلاتها حول من الذي يملك جسدها، وهل، كلما خطر لهم (لمن يملك جسدها / المجتمع) أن يزيلوا جزءا من هذا الجسد، فعلوا هذا، بالرغم منها؟ وبدون أن تدري لماذا يحدث هذا، ولا حتى أن يكون لها الحق في الاختيار أو الرفض.
في قصة (الطريدة)، تتحول علاقة الصداقة أو الزمالة لبطلة القصة مع سيدة مسنة تعيش وحيدة إلى رغبة جامحة من السيدة في ممارسة علاقة شاذة ومحرمة مع بطلة القصة، والتي لم تفهم محاولات المرأة الواضحة والمتكررة إلا متأخرة جدا، ربما تحت تأثير الأفكار المجتمعية السائدة، بأن الخطر على الفتيات يأتي دائما من الرجال الذئاب، أما مع بنات جنسها، فهي في أمان. نعم، استطاعت بطلة القصة أن تهرب في الوقت المناسب، وللمفارقة، فقد استعانت بسائق سيارة أجرة، قرب الفجر، لتفر من منزل السيدة التي كانت قد تهيأت لافتراسها. وحتى بعد أن شعرت البطلة / الطريدة / الفريسة بشيء من الأمان في اللجوء إلى المجتمع / الشارع، لم تتوقف عن استراق النظر من نافذة التاكسي الخلفية، خوفا من أن تلحق بها الصيادة. القصة هنا لا تتحدث فقط عن علاقات مسكوت عنها في المجتمع، بل تجعلنا نفكر أيضا في ثوابت المجتمع، ومن هم الذئاب، وفكرة الأمان الزائف مع من يفترض فيها أن تكون زميلة أو صديقة أو أخت أو حتى بمثابة الأم، في مقابل الخوف من الجميع / المجتمع / الآخرين.
في قصة (عفوا، مع خالص حبي)، وهي القصة / السيناريو / المسرحية، والتي استخدمت فيها الكاتبة اللغة العامية للمرة الأولى والأخيرة في المجموعة، حيث ترتضي بطلة القصة بأن تكون زوجة ثانية، وبشكل سري، لمديرها في العمل، تأتي لحظة الصدمة عندما تلتقي مع زوجها بصحبة زوجته الأولى العلنية، وعندما يقدم كل منهما للأخرى، يختار للأولى صيغة الزوجة، وعندما يقوم بتعريف البطلة، يكتفي بذكر وظيفتها في الشركة. ساعتها، تأتي لحظة المكاشفة، والمكاشفة هنا مع الذات، الذات التي قبلت أن تكون زوجة في الظل، والتي تقرر أن تبتعد، بلا لوم ولا عتاب للزوج، الزوج الذي أنكرها أو (عزلها) بتعبير البطلة، بل وترسل له باقة ورد مع عبارة اعتذار، هي عنوان القصة، لعدم قدرتها على الاستمرار.
تغري قصص المجموعة بالوقوف عند كل قصة، ومحاولة سبر أغوارها، ولكن لا يتسع المقام لتحليل ثلاثين قصة تحتويهم المجموعة، وسنشير لبعض القصص الأخرى في إطار حديثنا عن بعض أساليب السرد في المجموعة.
الأنسنة، أو التشخيص، هو إضفاء صفات إنسانية على غير البشر، من حيوان أو نبات أو إنسان. استخدمت الكاتبة أسلوب الأنسنة في عدة قصص، مثل (شجرة ست الحسن)، والتي ربطت الصداقة بينها وبين بطلة القصة، حتى جاءت لحظة إعراض من ورق الشجرة عن البطلة، في لحظة حميمية خاصة، تهيأت فيها أوراق الشجرة لاستقبال قطرات الندى، فتغمض عيون ورداتها في خدر، بينما يوشوش المطر سحرها بغناء هامس. في قصة (بمبي)، تأخذنا الكاتبة في رحلة تلهف للقاء الحبيب، ثم نكتشف أن المحب العاشق ما هو إلا قميص بمبي، اشتاق لأن يرتديه صاحبه بعد طول غياب، واستعد لقضاء ليلة عيد، كيف لا وهو يتنسم أريج عطر صاحبه، ثم تأتي لحظة الخذلان عندما يفضل عليه صاحبه قميصا أزرق. في قصة (عندما تمزق الواقع)، تتعلق البطلة بوردة جميلة، ولكن حتى هذه الوردة عندما تقترب منها، تفاجئها بأشواكها المختبئة فتدميها. في قصة (عشرة عمر)، تبكي بطلة القصة العروس، في (الصباحية)، صديقا عزيزا فقدته، فرطت فيه، وتخلت عنه، بعد عشرة عمر، هذا الصديق هو عفتها وعذريتها، كبرا معا، وحافظت عليه وحافظ عليها طيلة السنوات الفائتة، حتى جاء الفستان الأبيض والطرحة، وهمسات الزوج ولمساته،فحدث ما حدث، وخانت صديقها وعشرة عمرها، طائعة مختارة. في قصة (بائعة الورود)، والتي ماتت من الفقر والبرد والجوع، تركت الورود سلتها، وانطلقت تنعي صاحبتها، وتنعي الحب، بكل لغات الدنيا.
التناص الديني هو تفاعل نص أدبي مع نصوص دينية مقدسة، حيث يستلهم الكاتب بعض الأحداث أو الشخصيات، أو حتى المفردات ذات الصبغة الدينية، ويعيد توظيفها بما يخدم سياق عمله الأدبي. استخدمت الكاتبة هذا الأسلوب في عدة قصص، مثل قصة (زليخة وصويحباتها)، حيث استدعت قصة سيدنا يوسف مع إمرأة العزيز، زليخة، للدلالة على افتتان بطلة القصة بحبيبها، وتمزج الكاتبة بين الصور الشعرية والمفردات القرآنية لتنحت جملا وتراكيب مثل (أهز جذع الكبرياء)، (أترك وزري يحدث الناس في المهد)، (أتركك تبوء بإثمي وإثمك)، ثم تنهي القصة بعبارة زليخة (الآن حصحص الحق). في قصة (نصيب)، عندما يتركها الحبيب على باب الجنة، تستحضر رحلة معراج أمين السماء جبريل مع أمين الأرض سيدنا محمد عندما تركه عند باب السماء، فلا تملك إلا أن تقول لحبيبها (أها هنا؟)، ولا نملك نحن أيضا إلا أن نقف مع هذه المجموعة ها هنا.
|