|
القاهرة 27 يناير 2026 الساعة 01:23 م

كتبت: هبة أحمد معوض
لا يمكن الاقتراب من التاريخ الكردي بوصفه سردًا مكتمل الأركان أو حكاية مستقرة المعالم؛ إذ إنه كُتب –أغلبه– بأقلام الآخرين، وتوارى صوت أصحابه خلف الحدود والإمبراطوريات المتعاقبة. من هنا تأتي أهمية كتاب "الجبل الكردي.. نضالات الهوية ما قبل الإبادة"، الذي لا يسعى فقط إلى تأريخ الكرد، بل مساءلة التاريخ نفسه، والكشف عن الفراغات التي خلّفها غياب الدولة المركزية، وهيمنة السرديات الإمبراطورية والاستعمارية.
من هذه الفكرة ينطلق دكتور محمد رفعت الإمام من فرضية مفادها أن الكرد، بوصفهم أحد أعرق شعوب الشرق، لم يكونوا هامشًا طارئًا في التاريخ، بل فاعلًا غُيّب عمدًا، وأن الجغرافيا الجبلية التي شكلت ملاذهم وحصنهم، كانت في الوقت ذاته سببًا في عزلتهم السياسية وتفتت سرديتهم التاريخية. هكذا، يبدو الكتاب محاولة لإعادة بناء الذاكرة الكردية في العصر الحديث، ضمن سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد. إذ يقارب التاريخ الكردي خلال الفترة الممتدة من 1514م إلى 1914م، باعتبارها مرحلة مفصلية شكلت ملامح المسألة الكردية الحديثة. ويختار المؤلف معركة جالديران نقطة بدء، لما تمثله من لحظة إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، وتقسيم كردستان بين الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية، بما جعل التاريخ الكردي يدور في فلكهما لقرون لاحقة.
في فصوله الأولى، يرسم الإمام لوحة شاملة لكردستان بوصفها إنسانًا ومكانًا وزمانًا، متوقفًا عند الجغرافيا الجبلية وأهميتها الجيوستراتيجية، وتكوين الهوية الكردية بوصفها نتاجًا لتفاعل السكان الأصليين مع العناصر الوافدة، في فضاء ظل محل صراع دائم بين قوى إقليمية متنافسة. ويبرز توصيف الكرد بوصفهم أمة الجبال، حيث لا تنفصل -الجغرافيا- عن الهوية، ولا المقاومة عن نمط العيش.
لينتقل بعد ذلك إلى عصر الإمارات الكردية، فيكشف عن بنية اجتماعية تقوم على العشيرة والطائفة، واقتصاديات محلية متكيفة مع الجبال، مع تسليط الضوء على سياسات الدولة العثمانية في إدارة هذه الإمارات، ولا سيما اعتمادها استراتيجيات التفتيت وإذكاء التنافس الداخلي. مبينًا كيف مهدت الإصلاحات العثمانية في القرن التاسع عشر لنهاية هذا العصر، عبر فرض المركزية المباشرة، ما أدى إلى صدامات دامية نتج عنها سقوط أبرز الإمارات الكردية.
كما يولي اهتمامًا بارزًا بتداعيات المسألة الشرقية على كردستان، منذ حرب القرم وما تلاها من ثورات وانتفاضات كردية، كاشفًا عن حجم المأساة التي عاشها الكرد بين مطرقة الإمبراطوريات وسندان التوازنات الدولية. ويتناول مرحلة السلطان عبد الحميد الثاني، وسياسة الجامعة الإسلامية، وما حملته من وعود بالشرعية الدينية، انتهت عمليًا إلى مزيد من مركزة السلطة، وهو ما تجسد في ثورة الشيخ عبيد الله النهري.
وفي فصوله الأخيرة، يرصد الإمام تحولات أعمق، مع تأسيس الفيالق الحميدية، وبدايات تشكل الوعي القومي الكردي، بالتوازي مع صعود المعارضة العثمانية، وصولًا إلى تأثير الثورتين الدستوريتين في فارس والدولة العثمانية، وما فتحته من آفاق جديدة، سرعان ما أُغلقت مع بروتوكول الأستانة عام 1913م، الذي ثبت تقسيم كردستان قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى.
لذا، فإن هذا الكتاب لا يقدم سردًا تاريخيًا محايدًا بالمعنى التقليدي، بقدر ما يقدم قراءة نقدية لتاريخ كُتب في غياب أصحابه. تكمن قوته الأساسية في قدرته على الربط بين الخصوصية الكردية والتحولات الإقليمية والدولية، دون الوقوع في فخ التبسيط أو الخطاب العاطفي. حيث لا يمجد الماضي بقدر ما يفسره، ولا يتعامل مع الكرد كضحايا أبديين، بل كفاعل تاريخي اصطدم دومًا بجغرافيا قاسية وسياقات سياسية أعنف.
وربما يلاحظ فيه كثافته المعرفية وتشابك مستوياته التحليلية، ما يجعله فرصة عظيمة للقارئ المتخصص أو المهتم بالتاريخ السياسي للمنطقة، وكذلك القارئ العام. إذ تمنحه قيمة مرجعية واضحة، بوصفه محاولة لإضاءة مرحلة حاسمة من التاريخ الكردي، وإعادة الاعتبار لسردية طالما ظلت على الهامش.
|