|
القاهرة 27 يناير 2026 الساعة 01:10 م

قصة: نجوى الجبيلي
لا أستطيعُ أن أحدِدَ على وجهِ الدقةِ ماذا حدث!
وهل كان غفوةَ نومٍ أم صحوةَ أرق؟.. كلُّ ما أذكُره هو ذلك الشعورُ الغائم الذي ملأ نفسي وهزّ أعماقي بعد الذي رأيته!
ما رأيتُه بدا كأنه كتلةٌ من العُشبِ الأخضرِ الطازَج ملفوفةٌ في حلقةٍ من الضوء الساطع، ظلَّ هذا الكائنُ العجيب يرفرف لبضعِ ثوانٍ في أنحاء الغرفة.
جلستُ على السرير، وعيناي مفتوحتان على أشدّهما من الدهشة! نظرتُ على الفورِ إلى الجدار على يميني وسقط قلبي بين ضلوعي.
فقدتُ صورةً أخرى لي وأنا أحتضنُ ابنتي، بطتي الصغيرة التي توفيت مؤخرًا بعد رحلةٍ طويلةٍ من الألم.
كنا نصفُها بالبطة؛ لأنها كانت فعلا كالبطةِ في مَشيْتها المتكًسرة ربما بسبب المرض.
تضعُ قدمَها اليُمني على الأرض أولًا، ثم تردِفها بالقدم اليُسرى وهي تتأرجحُ في السيْر، بطتي، ابنتي الحُلوة أميرة سارعت بمغادرتنا والحياة، بعد سبعِ سنواتِ فقط من قدومِها إلى الدنيا!
عرفت أميرة عذابَ المرض وخاضت رحلةَ الألم منذ شهورها الأولى، وتلقّت علاجًا مكثفًا، شهورٌ صعبةٌ امتدت إلى خمس سنواتٍ ثقيلةٍ على النفس، لم تكنْ ابنتي وحْدَهَا التي تعاني، كانت العائلة كلهُّا تعاني معها، لا أنسى كمَّ الدعوات بالشفاء التي رفع بها الجميعُ أكفهَّم ضراعةً إلى الله، ومازلتُ أشُمّ رائحةَ البخور التي كانت أمي تُطلقه مع الكثير من الحوْقلةِ والبَسملة، وهي ترقيها قبلَ وبعدَ الذهاب بها إلى المستشفى راجيةً عفوَ الله عنها.
لذلك لا يمكن وصفُ مدى فرحتِنا عندما أبلغنا فريقُ الأطباء المعالج أنها تتعافى من داءِ سرطان الدم وتستجيبُ بسرعةٍ للعلاج.
كانت لحظةً من لحظات الفرح التي يحفُرها الزمنُ عميقاً في الذاكرة ولا تُنسى مهما مرّت الأيام. أخذتُ أنا وزوجي نضحكُ كالأطفال في سعادة لا يعادلُها إلا فرحةُ المحكومِ بالإعدام بالبراءة فينجو من حبلِ المشنقة. ربما لذلك لم نلتفتّ إلى تفصيلةٍ صغيرة قالها واحدٌ من الأطباء الثلاثة في هدوء في بعض الأحيان تحدثُ انتكاسةٌ للمريض ويعودُ إليه المرض، ولكنّ هذه الحالات قليلةُ في الأطفال، فهم في سنّ النمو قادرون أكثر على المقاومة
حملنا بطتنا الصغيرة التي قضّت أغلبَ سنوات عمرها الأولى بين المستشفيات والمواعيد الطبية. وتبادلنا أنا وزوجي نظرةً تحمل نفسَ روح التحّدي والتمّني والتّعهد. التحدي لمرضٍ خبيث لا يرحمُ عمرَها الغضّ، والتمني بأن يستمرَ الشفاء بقدرة العزيزِ الرحيم، والتعهد بأن نكرّس عمرَنا ووقتنا وجهدنا في سبيل النبتة الصغيرة التي أصابها العَطَبْ، لنعيدَ اليها الازدهار. وجاءت أميّ بكل ما تحفظُه من آياتٍ قرآنيةٍ ودُعاء، ترقيها وتبّخرها من شرّ كلِ حاسدٍ إذا حَسد.
وقد كان!
استجابت الأميرةُ الصغيرة للحنانِ الوفير الذي أغدقناه عليها، والدعاءِ الذي لهجَ به لسانُ كلِ من يعرفها!
ليس هذا فقط، بل وبدأت تعوّض ما فاتها من شهور وسنين، كانت ذكيةً لماحة، سريعةَ التعلم، شهيتُها للطعام كانت ضعيفةً في البدايةِ، مَشيْتُها كانت بطيئة، لِعْبُها كان بسيطاٍ ونادرًا، لكنّ الرعايةَ زادتها قوة، واشتد عودُ النبتة وترعرع إلى فرحةٍ تمشي على الأرض أمام ناظرينا، وتسُّر القلب.
فرحتنا كانت مشوبة بالخوف في أول الأمر، وخاصة عندما كنا نذهب إلى المستشفى للمراجعةِ الطبية كلّ ثلاثة أشهر، وبعد مرور عام حصلنا على أروع جائزةٍ في الحياة. أخبرنا الطبيب أن بطتنا الصغيرة قد شفيت، ولا داعي للمراجعة الدورية، فقط كنا بحاجة إلى الاطمئنان على تقدم نموها بزيارةٍ سنوية إلى المستشفى كأيِ طفل عادي.
نسينا أنها كانت مريضةً بذلك الداء، أو ربما تناسيْنا لنعوضَها ونعوضَ أنفسَنا عن أيام المعاناة والقلق والألم. وأصبح الحمدُ لسانَ حالنِا ونحن نرى الأميرةَ تكبُر وتنمو، وتضحكُ وتلهو مثل كل الأطفال. قرةُ عين لنا حقا! أميرة وكانت بالفعل أميرةً للقلوب.
هل يهمكم أن أصفَ لكم ما ذا كان وجهُها؟.. بدرٌ منير بعيون تجمعُ الحزن والفرحة في آنٍ واحد!
هل تريدون أن أحدّثكم عن روحِها؟ كانت روحاً حلوةً سلسة، تُقبل عليك بابتسامة صافية، تنشر السعادةَ أينما حلت.
هل تريدون أن أصفَ لكم صوتَها؟ كان خُلاصةَ الرقةِ والصفاء معا!
ولا تسألوني عن ضحكتِها، فهي أعذبُ ضحكة في الوجود.
هل كان سحرُ أميرة في أنها فلذةُ الكبد؟ أم أننا تعلّقنا بها بسبب ما مَرّت به من مرضٍ وألم، وما قاسيناه من حسرةٍ ولهفةٍ عليها؟.. أم أن روعتها كانت تنبع من شخصيتها السلسةَ الناعمة التي ربما اكتسبتها من
الاستسلام لما تتلقاه من علاج؟
صورةُ وجهِها الملائكي لا تغيبُ عني لحظةً، وقد بدأت علاماتُ الصحة تدُبّ فيه فامتلأ بالحيوية وغُصَ بالعافية. أستعيدُ صوتَها الطفوليَ الرفيع وهي تناديني لأحملَها إلى الفِراش في دلالٍ وجمال، ويلحق بنا زوجي فتطلبَ منه قراءةَ حكاية ما قبلَ النوم ثم تنطلقُ تُغنّي لنا بلحنها العذب المفضّل، إحنا كلنا نحب بعضنا، ما في حد أبدًا يزعل منِّنَا. ثم تغمض أهداب عينيها الساحرتيْن في وداعة وتروح في نوم ملائكي هادئ.
عندما انتظمت أميرةُ في المدرسة، كان قلبي يتبعُها كلّ صباح وأنا أودّعها وأستودُعها يدَ المشرفة
الأمينة وأُوصِيها: أميرة ليست مثلَ كلّ البنات. أميرة عادت لحياتِها الطبيعية، ولكنها بحاجة إلى عنايةِ مختلفة مراعاةً لظروفها النفسية وتاريخها مع المرض.
وأسمعُ من المُشرفةِ نفسَ الجملة التي تحاولُ أن تبُثّ بها السكينةَ في نفسي: اِطمئني، هي في حفظِ الله
ورعايتِه، ونحن جميعاً هنا للعنايةِ بها وبكلّ الأطفال.
ولتزيد من تأكيدها علىّ ألا أقلق تستطردُ المشرفةُ بالقول: كما تعرفين، هي التي تبُث فينا السعادةَ والسرور بضحكاتِها وموّدتها للجميع، وبغنائها المستمر، فقد حباها الله صوتًا جميلًا وستملأ الدنيا غناءًا وبهجةً عندما تكبُر
كنت أهمس في نفسي: هذا صحيح، أميرة تعشَقُ الموسيقى وتهوى الغناء برغم سنّها الصغير، وهي قادرةٌ على أن تضبطَ اللحنَ حتى وان لم تدركْ الكلمات فتبتكرَ كلماتٍ شبيهة وتستمرُ في الغناء في سرور.
كنت أشتاقُ إليها عند غيابها في ساعاتِ الدراسة، وأذهبُ باكرا لأقفَ في انتظارها على باب المدرسة متلهفة لرؤيتها، ولا تهدأ روحي إلا وهي بين أحضاني تحييّني بندائها المُحببّ: أمي!.. اشتقت لكِ كثيرًا
فتردُ روحي على روحها في حنين: بل أنتِ التي غبْتِ عنّي فأظلمت الدُنيا يا غالية.
كانت محبةُ أمي لحفيدتها الأولى لا تقلّ عن محبتنا لها، ولكن، وكأنها كانت تشعر أو ربما تخشى علينا ألمَ الفراق، فاتحتني ذاتَ يومٍ في أمرٍ رأتْ أنه بالغُ الأهمية. قالت وهي تختارُ كلماتِها بعناية: يا ابنتي، الآن وقد مَنّ اللهُ عليكم بشفاءِ الأميرة الحبيبة أما آنَ الأوانُ لتهديها أخاً أو أختاً صغيرة تلاعبُها وتؤنسُ وحدتها؟
انشق قلبي في صدري لفكرة أن أنشغل عن ابنتي وعن رعايتها وتعويضِ ما فاتهَا وفاتنا من سعادة. قلت
لأمي وأنا أقطعُ الحديثَ عن الموضوع: يا أمي الحبيبة، بارك الله لنا فيما رزق، وبارك في صحةِ أميرة، لا يُطاوعُني قلبي أن أفوّت على نفسي يوماً لا أرعاها فيه.
كانت وجهة نظر أمي فيها وجاهة. فأنا ابنتُها الوحيدة، وأميرة حفيدتُها الوحيدة، وتوّدُ أن ترى لها مزيدا من فروع للعائلة.
عندما ذكرتُ لزوجي ما دارَ بيننا من حديث، صَمّت قليلا ثم علّق بعد شرود: أحسنتِ الردّ. فأيُ طفلٍ جديد يمكنُ أن يشغلَنا عن رعايةِ أميرة. ومن يَدري ماذا يحملُ المستقبل.؟
قلتُ له وأنا أُخفي ما بي من جزع: يحملُ لنا ولها الخيرَ كلَّه إن شاء الله. إنها والحمد لله تتمتعُ الآن بموفور الصحة والعافية. ابتسم زوجي يُطمئنني ويقول: صحيح.. فضلُ الله علينا عظيم، وستكبُر وتتفتحُ أمام أعيننا فلا تخافي ولا تحزني.
كانت كلماتُ زوجي تنزلُ دائما على قلبي بردًا وسلامًا، كان السندَ القوّي الذي أرتكنُ إليه إذا ما تلاعبت بي الظنون، وكان الطرفَ الأقوى دائما في حياتنا لما تمتع به من إيمانٍ عميق وثقةٍ بالله والرضا بما
يقسمه له، طردتُ الوساوسَ من صدري، ودعوْتُ بكل قلبي أن يحفظَ لنا أميرة ويباركَ في صحتها. حقاً لا يدركُ الإنسان قيمةَ ما لديه من نِعَمْ حتى يكادَ أن يفقدَها!
هواجسي اختفت، وحلّت محلّها بعد قليل فرحةٌ بابنتي مع قرب انتهاءِ العام الدراسي. فقد اختيرت أميرة لتغنّي أغنيةً في الحفل السنوي لنهاية العام الدراسي. وملأت لنا الصغيرةُ البيتَ بصوتها الجميل تُغنّي سطورها في العرض المدرسي: أنا العصفورة الصغيرة، أغّني وأطير، ولا يشبهُني أحد. ثم ترفرف بذراعيها الصغيرتين وهي تدور في الغرفة مقلدةً العصفورَ في طيرانِه.
لم تكن أميرة تحفظ وتغني دورها كعصفورة في العرض فقط، بل كانت تحفظ أدوارَ كل الطيور التي يشملها العرض، فتقف أمامي تتدرب ثم تقول: وهذا ما سيقولُه الهدهد. ثم تنطلق في الغناء. ومن بعده تقول: أما الصقر الذي يخافُه الجميع فسوف يهبط على مجموعة الطيور هكذا ويغني بصوتٍ مخيف، ثم تردد ما يقوله الصقر. كان تدريبها على العرض المدرسي متعةً لا تعادلها متعة.
كنت أستمع اليها تُغنّي، وفي نفسي سرور وانشراح، سرور بأنها تفيض حيوية، وانشراحٌ لصوتها الشجي الذي يجمع في ثناياه عذوبةً تسبق عمرَها بكثير. أحيانا كنت أنظرُ إلى جسدِها النحيل وضفيرتها القصيرة
التي أسعد بتضفيرها بالفيونكة الوردية كلّ صباح، وأسأل نفسي: من أين يأتي هذا الصوتُ الملائكي، ومن أيّ فردوسٍ هبط؟
وحان يومُ العرض المدرسي. لبست عصفورتي زيَّ عصفورةٍ صغيرة بريش قليل، وعلى رأسها وضعت أكليلا صنعناه سوياً من الزهور. سألتني في براءة: المشرفة تقول أنني يمكنني أن أتزين اليوم كما تتزينين يا أمي، فهل تضعين لي بعضا من أحمر الشفاه والكُحلَ في عيوني.
ضحكتُ لرنة صوتها وقلت وأنا أزيّنها ببعض الحمرة: هذه المرة فقط يا أميرة، فلا تعتادي ذلك. عندما تكبرين وتصبحين عروسة إن شاء الله سوفُ أزينك لعريسك زينة حلوة.
ضحكت وهي تنظر في المرآة بسرور: هل تزينني زينة كاملة حقا بكل ما لديك من أدوات وألوان؟
احتضنتها بشدة، وبادلتني العناق وأجبت: نعم يا حبيبتي. بكلِّ أحدث أدوات الزينة في عصرك آنذاك.
وأنتظر هذا اليوم بكل شغف.
أميرتي كانت حقا أميرة. وبطتي الصغيرة كانت محورَ الحياة ومركزَ الكون، وأصبحت بعفويتها ومرحها الطبيعي سرّ بهجتنا في الدنيا.
في العرض المدرسي، لم تخجل أو تهابُ الحضور، بل وقفت على المسرح المدرسي وسط الأطفال تبتسم وتلوح بيدها لنا، وتميل على زميلاتها أحيانا تهمس بما يُضحكهن. كان من الواضح أنها تستمتع بما يجري وتلتزم بإرشادات مدرسّة الموسيقى التي تقدمها من بعيد.
ولكنّ ملَكَ الموت لم يكنْ يكترثُ بما نحمل من حبٍ وولعٍ بالجميلة الحبيبة!
كان يتربص بنا من وراءِ حجاب لا نعلمه. بعد الحفل عاودها المرض بشراسةٍ لم يحتمْلها جسدُها الصغير.
حدث التدهور بسرعة فائقة، وحانت لحظةُ الفُراق المكتوبة في السماء. لم تَعُدْ رُقيةُ أمي تُجدي، ولا دعواتُ كلّ البشر تُستجاب! كان القدرُ المحتوم قد قضى بالنفاذ.
أين كنتُ وكيف كنتُ عندما غابت أميرة عن الدنيا؟ لا أتذكر أو أدري!
رغم أني وقفت معها أحتضن يدها الصغيرة بكِلتا يدي تارة، وأمسحُ وجهَها الجميل تارةً أخرى، كل ما أذكره أنها فتحت عينيها الجميلتين وابتسمت ابتسامةَ وداعٍ واهنة ثم مالت برأسِها في استسلام.
يا ملكُ الموت يا مَنْ لا أراك وتراني ترفّق بها، لقد حصلت على قطعة من كبدي وقلبي وفؤادي.
يا ملكُ الموت احمّلها بهوادة إلى الرفيق الأعلى، خُذّ بيدها الصغيرة بحنّو وسلّمها إلى ملائكة الجنة. تأكد من وجودها مع أحبائها الصغار في انتظار يوم البعث.
يا ملكُ الموت، ارأفْ بها فقد تحمّلت ألمَها بصبر يليق بالنفوسِ الكِبار. كانت تئنُ ولا تغضب، تتألمُ وتبكي في صمت. صغيرتي تعلمت الرضا بما أصابَها رغم سنواتِها القليلةِ في الحياة!
يا ملكُ الموت لستُ غاضبةً منك، لأنني أعلمُ أن لكلِ أجلٍ كتاب، ولكن، حَقّتْ صفاتُك أنك هادمُ اللذات ومفرّقُ الجماعات!
كنتُ ما زلت أهذي بكلماتي هذه وأدورُ في الغرفة، وكأنني أستمرئ استعادةَ عمرها القصير وأثبّتُ في خيالي اللحظاتِ الأخيرة في حياتها خَشيةَ أن تنمحي من الذاكرة.
فركتُ عينيْ وتحسسّت الجدار في ظل الضوء البسيط الهارب من عتبة الباب.
لم تكن هذه المرةَ الأولى التي تختفي فيها صورةُ أميرة ابنتي من على الجدار! بدأت هذه الظاهرةُ بعد رحيلها بأسبوع. كنت من شدة حزني بعد الفراق أتمنّى أن تزورني في أحلامي في الأوقات النادرة التي غفوْتُ فيها، ولكنها لم تفعل، فبدأتُ أُعلّقُ صورَها على الجدران لأراها دائما أينما نظرت. ولكنّ الصورَ أصبحت تختفي بصورة مريبة. وكلما اختفت واحدة أضع غيرَها في نفس المكانِ على الجدار، لتختفيَ هي الأخرى بعد أيام.
أريدُ أن أعرف السر وراء غيابِ هذه الصور، لا بد أن أعرف. توجهتُ إلى النافذة. فَحصُتها بعناية. كانت مغلقةً بإحكام، تماماً مِثلُ الباب!
وقفت في منتصف الغرفة، حيْرى، متعبةً، ومدّمرة.
من ذا الذي يريد أن يلعبَ لُعبةً قاسيةً على أمٍ مكلومة ويريدُ حرمانَها من ذكرى ابنتِها؟
تلفّتُ حولي مثلُ طائرٍ حائرٍ حبيسَ قفص. وفجأة لمحتُ شيئًا غريباً فوق الخزانة المجاورة. لمحتُ ما يشبه رسالةً تلألأت بلونٍ فضّيٍ في الظلام. كان إلى جوارِها ظرفُ خطاب فريدٌ من نوعه كُتب عليه بالنور:
إلى أمي!
سَرَتْ رجفةُ غريبةٌ في أوصالي حتى أني سمِعْتُ دقاتِ قلبي وهو يخفقُ بشدةٍ بين ضلوعي. اقتربت من الرسالة لأقرأَ السطورَ التي كُتبت بحباتٍ تشبه ندى الصباح على أوراقِ الزهور:
أنا طيرٌ أخضر من طيور الجنة، مهمتي أن أعتني بأميرتك الصغيرة، جئت لأطمْئِن قلبَك المعّذب. وقد أرسلتني لتبلغك أنها تعيش في سلام. وتفتقدك كثيرًا، لذا كنت أُحضرُ لها بعضَ صورِكما معًا، أما اليوم فطلبت أن أحضرَ لها الفيونكةَ الوردية التي طالما زينّتْ بها شعرَها وأنت تمشّطيه لها بعد الحمام.
بمجرد أن قرأتُ الرسالة، تلاشت كأنها ذابتْ في الهواء! والعجيبُ أنها ظلت محفورةً في عقلي وقلبي.
بيدٍ مرتعشة فتحت الدرجَ العُلوي لخِزانةِ صغيرتي أبحثُ عن الفيونكةِ الوردية! ولكن وقبل أن أجدَها، فتح زوجي الباب ودخل متلهفاً يسأل: ماذا جرى؟ لماذا جئتِ للنوم في غرفتهاِ مرةً أخرى؟ ألم تعدينني بألّا تفعلي؟
قلت وأنا أبتلعُ ريقي من الخوف: “كان هنا طيرُ الجنةِ الأخضر! خبرّني أنها بخير، وأنها تبعثُه لأخذِ الصور، هذه المرة طلبت أن يأتيَها بالفيونكةِ الوردية!
أشار زوجي إلى الفيونكةِ المتكومةِ في ركن الدرج وقال: ها هي الفيونكةُ الوردية، لم تختفْ، والصورُ كاملةٌ على الجدار كما كانت بالأمس.
ربتّ زوجي بحنان على كتفي وهو يقودوني إلى خارج الغرفة وأضاف: "أنا مثلُك قلبي مخلوعٌ على فقدانها، خَسارتُنا كبيرة، ولوعةُ الفقدان مريرة، ولكن هناك حكمةٌ ربانيةٌ مما جرى، وأنا واثقٌ من أنها الآن في مكانٍ أفضل، ولم تعدْ تتألم".
قلت لزوجي بصوتٍ متقطعٍ من الرجفة: ولكنّك تراها في منامك، لماذا لا تزورني أنا أيضا في الأحلام كما تزورك؟
هدّأ زوجي من روْعي: ستزورُك وستسعدين بصحبَتِها في المنام.
أمسكتُّ بذراعه كغريقٍ يتعلقُ بشخص ينقذُه من أمواجٍ متلاطمة، بينما استمر في طمأنتي: ألم تقولي أن طائرَ رؤياك أبلغَك أنها بخير؟ هي إن شاء الله في ألف خير، تنتظرنا لتأخذَ بيدنا إلى الجنة، وعلينا أن نساعدَها بعمل خيرٍ كثير باسمها للأطفالِ المرضى والمحتاجين.
وبالفعل، نفذّ زوجي وَعْدَه، وخصّص تبرعاً شهريا من المال لمساعدةِ الأطفالِ المرضى في المستشفى الذي عُولجت فيه أميرتنا الصغيرة. أصبحتُ من خلال زياراتي لهم أرى طيفَها الجميل في هؤلاء الأطفال وابتساماتهِم، وتوقفّت الصور عن الاختفاء من الجدران! (على الأقل في مخيلتي!)
لكنني ما زلت إلى اليوم أتساءلُ في نفسي، هل حدثَ أن رأيتُ طائرَ الجنة الأخضر يحوُم في غرفة صغيرتي الراحلة في تلك الليلة؟ هل تركَ رسالةً من نور بحروفٍ تشبه قطراتِ الندى، هل فعلا كان يأخذُ الصورَ وهل كان يعيدُها؟ هل أرادت حبيبتي الصغيرة أن تحصل على فيونكةِ الشعرِ الوردية؟
وأظن أن قلبيَ الحائرَ لن يكُّفَ عن السؤال الأهم وهو: هل كان ما حدث واقعاً وحقيقة؟ هل كان حلماً، أم كان أمنيةَ أمٍ جَبَرتْ قلبَها المكسور بحكايةٍ من وحي الخيال؟ أم أن الأمرَ كلَّه كان غفوةَ روحٍ سبَّبها الحزنُ وألمُ الفراق؟
|