|
القاهرة 27 يناير 2026 الساعة 01:08 م

بقلم: سوزان سعد
**«الفن الحقيقي لا يسابق الزمن، بل يصادقه.»**
*من مدينة العمّال إلى الفن المعاصر: تأمّل شخصي في الأهرامات بوصفها فكرة عن النظام والجمال، والزمن الذي لا يتعجّل.*
حين تمشي بالقرب من الأهرامات، لا تشعر أنك أمام معلم أثري بقدر ما تشعر أنك داخل فكرة. فكرة لا تُقال بصوت عالٍ، ولا تحتاج إلى شرح، لكنها تفرض حضورها بهدوء وطمأنينة. لا تطلب منك الأهرامات أن تُعجب بها، ولا تسعى لإبهارك، كأنها واثقة بما يكفي لتترك لك المساحة كي تفكّر، وتتخيل، وتعيد النظر في علاقتك بالزمن والعمل والجمال.
في كل مرة تمرّ بها، تجد نفسك تنظر إليها من زاوية مختلفة. أحيانًا تراها كتجسيد للخلود، وأحيانًا ككتلة صامتة من النظام، وأحيانًا—وهو الأهم—كتاريخ إنساني مكتوب بالحجر. هنا، لا يعود السؤال: كيف بُنيت؟ بل: كيف عاش الذين بنوها؟ وكيف أمكن لهذا القدر من التنظيم أن يتحوّل إلى جمال لا يشيخ؟
بعيدًا عن الصورة الشائعة التي تضع الملوك في الصدارة، تقودك الأهرامات، إذا أمعنت النظر، إلى حكاية أخرى أكثر قربًا للقلب: **مدينة العمّال**. تلك المدينة التي لم تُشيَّد لتُعرض، ولا لتبقى، لكنها كانت العمود الفقري لهذا المشروع الهائل. حين تتخيلها، لا تراها عشوائية أو مؤقتة، بل مدينة كاملة، تعرف ما تفعل، وتعرف لماذا تفعله.
تتخيل الشوارع وهي تستيقظ مع ضوء الصباح، والناس وهم يتحركون وفق إيقاع واضح. لكل شخص دوره، ولكل يوم نظامه. لا فوضى، ولا ارتباك، بل انسجام نابع من معرفة الجماعة بهدفها. في هذا المشهد المتخيَّل، يبدو النظام ليس قيدًا، بل شكلًا من أشكال الاحترام: احترام الوقت، واحترام الجهد، واحترام الإنسان.
ما يلفت النظر في فكرة مدينة العمّال ليس فقط التنظيم، بل الإحساس بالاستقرار. لم تكن معسكرًا عابرًا، بل مكانًا للحياة اليومية: طعام يُحضَّر، علاقات تُبنى، وأيام تتكرر دون أن تفقد معناها. أتخيل التعب في نهاية اليوم، لكنه تعب مفهوم، محاط بإحساس المشاركة، وبقناعة أن الجهد الفردي لا يضيع، لأنه جزء من صورة أكبر.
من هذا المنظور، تصبح الأهرامات عملًا جماعيًا بامتياز. ليست معجزة منفصلة عن البشر، بل نتيجة لتوافق نادر بين الفكرة والتنفيذ، بين الخيال والنظام. الحجر هنا ليس مادة صماء، بل أثر إنساني مرّ عبر أيدٍ كثيرة، وعقول كثيرة، ونوايا متشابكة.
لهذا، حين ننظر إلى الأهرامات اليوم في سياق فني وثقافي، يصعب اختزالها في كونها أثرًا تاريخيًا. هي عمل فني مفتوح، بلا توقيع فردي، لكنه يحمل توقيع حضارة كاملة. وربما هذا ما يجعلها عصيّة على التكرار: لأنها لم تولد من عبقرية شخص واحد، بل من ثقة جماعية في فكرة الاستمرار.
حين تمشي في محيط الأهرامات الآن، وتشاهد العمران الحديث يقترب، تشعر بتوتر صامت بين زمنين. ومع ذلك، لا تدخل الأهرامات في صراع مع الحاضر. هي واقفة، ثابتة، كأنها تذكّرنا بأن الزمن الحقيقي لا يُقاس بالسرعة، بل بالقدرة على البقاء.
في الفن المعاصر، لا تعود الأهرامات إلينا كأشكال تُقلَّد، بل كأفكار تُفهم. تظهر في ميل كثير من الفنانين إلى البناء البطيء، وإلى الأعمال التي تُنجَز على مراحل، وتُراكم معناها مع الوقت. نلمحها في الاهتمام بالعمل الجماعي، وبالجهد المشترك الذي لا يلمع فيه اسمٌ واحد، بل تحضر فيه الفكرة قبل صاحبها.
في التركيبات الفنية الكبرى، وفي فنون الأرض، وحتى في العمارة المفاهيمية، تستعاد روح الأهرامات دون أن تُستنسخ: احترام المادة، الصبر على التراكم، والإيمان بأن الأثر الحقيقي لا يُقاس باللحظة، بل بما يبقى بعدها. بهذا المعنى، لا تخاطبنا الأهرامات بوصفها ماضيًا منتهيًا، بل كرسالة هادئة للحاضر: أن الفن لا يحتاج إلى العجلة كي يكون عظيمًا.
الأهرامات مرآة بعيدة، لكنها صادقة. كلما اقتربت منها، لا تُريك ما كان فقط، بل تذكّرك بما يمكن أن يكون. تذكّرك بأن الجمال لا يولد من الفوضى، وأن النظام—حين يكون إنسانيًا—يمكن أن يكون فعلًا إبداعيًا. وربما يكون هذا، في جوهره، أعظم ما تقدّمه الأهرامات لنا اليوم: درسًا صامتًا في كيف يمكن للعمل، حين يُحترم، أن يتحوّل إلى فن.
|