|
القاهرة 27 يناير 2026 الساعة 01:06 م

كتبت: ريم عباس - السودان
حين نتأمل المشهد الثقافي العربي، تبرز القاهرة بوصفها مدينة عريقة صاغت هويتها عبر آلاف السنين من التراكم الحضاري والمعرفي، حتى غدت الكتابة جزءا من روحها، والقراءة فعلا يوميا متجذرا في وجدانها وقد برزت مؤشرات القراءة في العالم العربي لتؤكد حضور مصر القوي على خريطة القراءة، فقد أظهرت بيانات حديثة صادرة عن منصة World Population Review أن مصر تصدرت قائمة الدول العربية من حيث متوسط الكتب التي يقرأها الفرد سنويا، متقدمة على باقي الدول العربية بهذا المؤشر، ما يعكس استمرارية الاهتمام بالكتاب والقراءة في المجتمع المصري على الرغم من التحديات المختلفة. فالقاهرة، التي عُرفت يوما بـ"مدينة الألف مئذنة" هي أيضا مدينة الألف مكتبة، ومنارة الفكر العربي، وحاضنة الإبداع الإنساني منذ فجر التاريخ.
لم تكن الثقافة في مصر ترفا أو نشاطا نخبويا، إنما كانت مشروعا وطنيا، ووسيلة لبناء الوعي وصناعة الإنسان، ومن هذا الإيمان العميق بقيمة المعرفة، وُلد معرض القاهرة الدولي للكتاب ليكون أحد أبرز التظاهرات الثقافية في العالم العربي، وجسرا حيا يربط بين القارئ والكتاب، وبين الماضي والحاضر، وبين الفكر المحلي والعالمي.
تأسس معرض القاهرة الدولي للكتاب عام (1969م)
لم يعد المعرض مجرد سوق للكتب، بل تحوّل إلى موسم ثقافي متكامل، يضم الندوات الفكرية، والحوارات الأدبية، والأمسيات الشعرية، ولقاءات التوقيع، إلى جانب الفعاليات الفنية وورش الأطفال واليافعين، في مشهد يؤكد أن الثقافة في مصر ما زالت حية، نابضة، وقادرة على التجدّد.
ففي عام 1969، كانت القاهرة تحتفل بمرور ألف عام على تأسيسها (969م - 1969م) حينها أراد وزير الثقافة آنذاك الدكتور ثروت عكاشة أن يكون الاحتفال مغايرا، فعهد إلى الرائدة الأدبية الدكتورة سهير القلماوي بمهمة الإشراف على إقامة أول معرض دولي للكتاب في مصر ليصبح مع مرور العقود أقدم وأكبر معرض كتاب في العالم العربي، وواحدا من أهم المعارض الدولية على مستوى العالم.
يُقام المعرض سنويا برعاية وزارة الثقافة المصرية، وتحت إشراف الهيئة المصرية العامة للكتاب، ليغدو موعدا ثابتا ينتظره الملايين من القرّاء والباحثين والطلاب والمثقفين، انطلقت الدورة الأولى من أرض المعارض بالجزيرة بمشاركة 27 دولة و400 دار نشر، ليعلن المعرض منذ لحظته الأولى أنه "وُلد عملاقا" وقادرا على المنافسة الدولية.
انتقل المعرض في تاريخه عبر ثلاث محطات كبرى من الجزيرة إلى أرض المعارض بمدينة نصر، وصولا إلى مقره الحالي الحديث في مركز مصر للمعارض الدولية بالتجمع الخامس هذا الانتقال لم يكن مكانيا فحسب، بل كان تحولا نحو الرقمنة حيث استحدث المعرض في سنواته الأخيرة منصات الحجز الإلكتروني والبرامج المهنية التي تخدم صناعة النشر، ليثبت قدرته على التطور مع الحفاظ على روح "سور الأزبكية" الشعبي الذي يمثل جزءا أصيلا من ذاكرة المعرض.
رموز وشخصيات:
من التقاليد العريقة التي أرساها معرض القاهرة الدولي للكتاب اختيار "شخصية العام"، بوصفها لفتة وفاء لرموز الفكر والإبداع الذين أسهموا في تشكيل الوعي الثقافي العربي، وأثروا المكتبة العربية بإنتاجهم المعرفي والأدبي.
وقد توالت الأسماء الكبيرة لتزيّن دوراته عبر العقود، فاحتفى المعرض بأعلام بارزين مثل جمال حمدان، المفكر الجغرافي الفريد في رؤيته للهوية المصرية، وثروت عكاشة رائد المشروع الثقافي المصري الحديث، وسهير قلماوي وكذلك وعبد الرحمن الشرقاوي صاحب المشروع الأدبي والفكري المنحاز للإنسان والعدالة، وطه حسين عميد الأدب العربي، الذي ما زال مشروعه التنويري حاضرا بقوة في النقاش الثقافي العربي، وكذلك يحيى حقي الكاتب الكبير في فن القصة، وغيرهم..
ويأتي اختيار الأديب العالمي نجيب محفوظ ليكون شخصية الدورة السابعة والخمسين (57) امتدادا طبيعيا لهذا التقليد، ليعود صاحب نوبل إلى واجهة المشهد الثقافي الرسمي في احتفاء يليق بمشروعه السردي الخالد، الذي نقل الحارة المصرية من محليتها الضيقة إلى رحاب العالمية، وجعل من الإنسان العادي بطلا كونيا في الأدب.
وإلى جانب شخصية العام يحرص المعرض على استضافة ضيوف شرف من دول مختلفة تمثل ثقافات العالم، في تقليد راسخ حوّل معرض القاهرة الدولي للكتاب إلى جسر حقيقي لحوار الحضارات، ومساحة للتلاقي بين التجارب الإنسانية المتنوعة، بما يعزز مكانته كمنصة ثقافية دولية تتجاوز حدود الجغرافيا واللغة.
الكتاب للجميع الثقافة حقٌ لا امتياز:
يتميّز معرض القاهرة الدولي للكتاب بطابعه الجماهيري الواسع إذ يفتح أبوابه لمختلف فئات المجتمع، من العائلات والأطفال، إلى الشباب والباحثين، في تجسيد حقيقي لشعار أن المعرفة حق للجميع.
وقد أسهمت أسعار الكتب المناسبة، وتنوّع دور النشر المشاركة، في جعل المعرض فرصة حقيقية لاقتناء الكتاب الورقي، والحفاظ على علاقة القارئ العربي بالقراءة في زمن التحولات الرقمية المتسارعة.
كما خصّص المعرض مساحات واسعة لأنشطة الطفل، إيمانا بأن بناء الإنسان يبدأ من الطفولة، وأن غرس عادة القراءة في سن مبكرة هو الاستثمار الحقيقي في المستقبل.
أرقام وإنجازات تكرّس المكانة:
على مدار دوراته المتعاقبة، استقطب معرض القاهرة الدولي للكتاب ملايين الزوار سنويا، وشارك فيه آلاف الناشرين من مصر والعالم العربي ودول أجنبية عديدة، مما جعله منصة عالمية لتبادل الثقافات، وحوار الحضارات، والتفاعل بين مختلف مدارس الفكر والإبداع.
وقد شهدت الدورات الأخيرة حضورا لافتا لدور النشر الدولية، وتوسّعا في البرامج المهنية، واهتماما متزايدا بقضايا الترجمة، وصناعة النشر، ومستقبل الكتاب في العصر الرقمي، ليؤكد المعرض قدرته على مواكبة التحولات دون التفريط في جوهره الثقافي.
لم يمر وقت طويل حتى حجز المعرض مكانه على الخريطة العالمية ففي عام 2006، صُنف معرض القاهرة كـثاني أكبر معرض للكتاب في العالم بعد معرض "فرانكفورت" الدولي، وهو إنجاز تاريخي كرّس ريادة مصر في صناعة النشر، كما نال المعرض في العام ذاته جائزة "الإنجاز المتميز" من الاتحاد الدولي للناشرين، تقديرا لدوره في نشر الثقافة ومواجهة الأمية الفكرية.
"من يتوقف عن القراءة ساعة، يتأخر قرونا"
انطلقت الدورة السابعة والخمسين (57) من معرض القاهرة الدولي للكتاب، تحت شعار "من يتوقف عن القراءة ساعة، يتأخر قرونا" والتي أقيمت في مركز مصر للمعارض الدولية بالتجمع الخامس في الفترة من الأربعاء 21 يناير 2026 إلى الثلاثاء 3 فبراير.
ويستضيف المعرض جمهورية رومانيا كضيف الشرف، في فرصة لتعزيز التواصل الثقافي بين مصر وأوروبا وتم اختيار الأديب العالمي نجيب محفوظ كشخصية المعرض، تكريما لإسهاماته الخالدة في الأدب العربي والعالمي، بينما ستكون شخصية معرض كتاب الطفل الفنان محيي الدين اللباد، إيمانا بدوره في تنمية حس الجمال والفن لدى الصغار.
وتشهد الدورة تكريم شخصيات بارزة واحتفاء بإطلاق جوائز جديدة، مثل جائزة نجيب محفوظ للمبدعين، إلى جانب فعاليات ثقافية متنوعة تضم ورش عمل، وندوات، وأمسيات توقيع، لتعزيز مكانة المعرض كملتقى معرفي وثقافي يجمع بين القارئ والكتاب، ويؤكد أن القاهرة ستظل دائما منارة للثقافة والفكر والإبداع العربي.
خاتمة:
يظل معرض القاهرة الدولي للكتاب حدثا ثقافيا استثنائيا، يتجاوز حدود المكان والزمان، ليعبّر عن إيمان مصر الراسخ بأن الكتاب هو أساس النهضة، وأن الثقافة هي خط الدفاع الأول عن الوعي والهوية وفي كل دورة جديدة، يتجدد العهد بين القارئ والكتاب، وتثبت القاهرة أنها ما زالت قلب الثقافة العربية النابض، ومنارة فكر لا تنطفئ.
|