|
القاهرة 27 يناير 2026 الساعة 01:04 م

قصة: عمر أبو القاسم الككلي
لما جبتك، كان الربيع منور
تحكي لي أمي أكثر من مرة.
كانت الدنيا ما زالت ضحى، وكان الجو سمح. كانوا جايينا ضيوف وكنت نُحْرُكْ في المطبخ نعوِّل ع الغدى. ناديت يا مبروكة، يا مبروكة، على مبروكة عمتك، ما ناضت ووصلت فيَّ، ما كانش خاطر عليها عاد، لين كنت جبت وكملت. مشت يا سيدي قصت سرتك، بموس المطبخ، قلتلها هذا كنت نقرض بيه في الثوم والبصل، قالتلي معناها نظيف وما فيه شي، ماتخافيش عليه، وبعدين خذاتك وكمكماتك.
ثم تضيف:
ما تعبتش في جيبانك بكل. بعدين تعبتني، بشطانتك.
كانت قد أنجبت قبلي، فرادى ومثنى، عشرة بين ذكور وإناث [ لم أهتم بمعرفة عدد كل جانب] وبنتا بعدي، ولم يتبق لها من مجمل الحصيلة سوى الثلث. ثلاثة ذكور والبنت التي جاءت بعدي.
عمري ما نزلتلي دمعة على عيل ماتلي، غير تركية. ربيت عليها كبد. ماتت كبيرة. عمرها عامين، تلعب وتجري وتضحك و تفرِّز في الكلام وتفهم لما الواحد يطلب منها حاجة. لخرين ما كانوش يكملوا الحول.
كنت في حوالي السادسة من العمر عندما ختنت، ولم أبرأ من جرح الختان سريعا. نهضت ذات صباح أتعجل التبول، فلم يخرج البول وكان الوجع حادا، فأخذت أصيح. جاءت أمي وأخذت تدهن فتحة العضو المتوتر بالزيت فاندفع البول، كما لو من نافورة، ليصيب وجهها وملابسها. بعدها أحضروا لي مرهما فكانت تقوم، على مدى بضعة أيام، بنفس العملية وتتكرر معها نفس الحالة.
لا أذكرها، في أقصى نقطة من الماضي يمكن أن تلامسها ذاكرتي، إلا وهي تشكو من مرض غامض في أحشائها.
حاجة زي الغصة، حاشاك، زي الكورة، ترقى وتنزل بين بطني وصدري. آهيه. غير مس هنى.
تأخذ كفي وتضعها على النقطة التي يتواجد فيها، في تلك اللحظة، ذلك الجسم الغامض الذي يتمشى، ذهابا وإيابا، بين بطنها وصدرها.
آهيه. لقيتها؟.
لا أشعر بشيء، أو، على الأقل، لا أكون متأكدا من أني قد لامست الجسم الغريب الخفي.
إيه. حق.
قال لها أخي الأوسط مرة:
باين هاذو جماعة يطبوا في الكورة.
فردت عليه:
يطبوا في راسك.
أكثر من مرة كنت أسمعها تقول لواحدة من صاحباتها:
مش بعيد عندي الراقد.
وأكثر من مرة أشاهدها تشرب مغلي بعض الأعشاب. لست أدري ما الذي جرى لأخـ(ـتـ)ـي الراقد(ة). لكن مرضها استدام وشكواها لم تنقطع، وكثيرا ما كانت تمر ليال كاملة لا تكف فيها عن الأنين. وفي الليالي التي يعطيها فيها المرض راحة يعلو شخيرها. و كان أخي الأوسط يقول لها أحيانا:
شورك يا تئني يا تشخري. سكات ما فيش.
لكنني لا أتذكر أنها قضت، مهما اشتد بها المرض، يوما بكامله طريحة الفراش.
كان الشغل مدار حياتها. فقد حصدت، تحت الحر اللاهب، الشعير والقمح، وجزت الأعشاب والحشائش، وجمعت الزيتون والتين الشوكي والجراد، احتطبت وجلبت الماء، على ظهرها أو مستعينة بحمارة أو حمار، من الآبار والمواجل والغدران، حلبت النوق والأبقار والشياه والماعز ومخضت الحليب واستخرجت الزبدة وصنعت السمن، رحت وغزلت ونسجت وهرست الزيتون واستصفت منه الزيت، اعتلت متون الإبل والخيل والبغال والحمير وحملت الأثقال على ظهرها وتقلدت المناجل والمساحي والجواربف والفؤوس والهراوات [ويبدو لي أنها كان يمكن، إن استلزمت الظروف، وبقليل من الجهد في الإقناع، أن تحمل السلاح و تخوض المعارك، خاصة وأن صغر بنيتها يساعد على سرعة الحركة وسهولة التخفي. المسألة الوحيدة التي قد يستحيل إقناعها بها هي تخليها عن ملابسها التقليدية وارتداؤها ملابس ملائمة للقتال.] كما أنها تحملت، دون إذعان، ضربات أبي القاسية، وقتلت الكلاب.
كانت لدينا كلبة أخذت، في فترة ما، تتسلل إلى داخل المسكن لتلتهم العجين الذي كانت أمي تتركه كي يتخمر. لم تكن، بالطبع، تجد صعوبة في معرفة وجوده وتحديد مكانه. لم تحاول أمي أن تتفهم دوافع الكلبة، بل اعتبرت ذلك "خيابة طبع" أي "انحرافا سلوكيا" بتعبير آخر. أتصور أن تكييفها للقضية اتخذ السياق التالي: لم تكتف الكلبة بما كان يمنح لها، إضافة إلى ما كان يمكن أن تتحصل عليه في حياة البراري. إنها لم تكتف بحصتها وأخذت تتعدى على حصتنا. لقد جعلت، بسلوكها هذا، أمننا الغذائي مهددا. عندما تتعارض مصالح البشر(خاصة إن كان هؤلاء البشر هي وأسرتها) مع مصالح الحيوانات، فالبشر أولى. لذا كان لا بد من تصفيتها، وقد كان.
نادتها، ذات ضحى:
كُسْكُسْ، كسكس، كسكس.
جاءت الكلبة راكضة. تمسحت بأمي هازة ذيلها. نهرتها أمي ملوحة بيدها في حركة إبعاد:
غادي. غادي. شِرْ غادي.
تأخرت الكلبة قليلا مصدرة، دون أن تكف عن هز ذيلها، صوتا متوددا، ثم التصقت بالأرض باسطة قائمتيها الأماميتين واضعة خطمها بينهما، مواصلة إصدار صوت التودد و الامتنان [لعلها كانت تعتذر عن فعلتها وتعد بعدم تكرارها] ثم ثنت ذيلها إلى جانبها واستكانت رانية إلى أمي. ناولتها أمي عبود "زميطة" مخلوطا بمادة سامة. التهمته الكلبة بشراهة شديدة، وماتت، حسب ما أذكر، في غضون أربع وعشرين ساعة.
كما عجلت، بنفس الطريقة، بموت كلب عاش معنا [وجدته قبلي] حتى أنهكته الشيخوخة وأضناه المرض. نادته باسمه:
سعد، سعد.
لكن يبدو أن حاسة السمع لدى سعد قد اعتراها الوهن، فكررت النداء:
سعد سعد، سعد.
جاء سعد، الذي كان ينكمش ملتفا على نفسه، مجرجرا جسده، مجتهدا في الالتزام بطقوس الولاء والعرفان، تناول الطعام المميت ثم انسحب إلى حيث كان يستكن. كان سعد هذا كلبا يثير الدهشة. فهو لم يكن يسرق من بيتنا، بل كان يسرق من بيوت الآخرين، ولسنا ندري إن كان يستأثر لنفسه بشيء مما يسرقه، و لكنه كان يجلب لنا من مسروقاته ما يمكنه حمله.
ما أثار استغرابي، إلى حد كبير، أني لاحظت عندما كانوا يزورونني في السجن، قبل صدور الحكم وبعده، أنها كانت أكثر تماسكا ومرونة في التعامل مع الوضع من أبي. لكنها حدثتني، بعد أن خرجت، أنها طوال مدة وجودي في السجن (تسع سنوات وشهران وسبعة أيام، أي ما يساوي: 3353 يوما، بحذف يوم الدخول ويوم الخروج وإضافة يومين عن سنتين كبيستين) لم تذهب إلى حفل زفاف أو تقبل دعوة من أحد. وأعتقد أن بكاءها طوال هذه المدة عجل بنزول الماء الأبيض في عينيها مضعفا بصرها إلى الحد الأدنى الذي لا يحوجها إلى من يقودها في كل تحركاتها.
يوم إخراجي من السجن صادف مرور حوالي ثلاثة أيام على وفاة أبي (الذي لم أره لمدة أربع سنوات، بسبب منع الزيارات). فكان الأقارب كافة وعدد كبير من الجيران متجمعين لدينا بسبب العزاء. ارتأى بعض الأقارب القائمين على شؤون العزاء وتنظيم استقبالي أن أبدأ بالسلام على النساء ثم أنتقل إلى مكان وجود الرجال. خرجت النساء لاستقبالي في الشارع. أول من سلمت عليَّ كانت امرأة لا أعرفها. سمعت إحداهن تقول:
خلوا أمه تسلم عليه هي لولى. خلوا أمه هي لولى.
تقدمت أمي، التي لم أرها منذ حوالي أربع سنوات، كانت الهموم والشيخوخة قد امتصت تألقها، فبدت مرهقة ومنهوكة القوى لا تكاد تقوى على فرد قامتها والسير. انحنيت قليلا واحتضنتها قائلا:
عظم الله أجرك.
سمعت همس امرأة مختلطا بصوت أمي:
باين عليه سامع.
وأحسست بأمي تكاد أن تنهار وهي ترد:
الدوام لله.
فقلت لها بحزم و أنا أشدها لأساعدها على فرد قامتها:
شدِّي روحك. خيرك هكي. شدي روحك يا أمي.
أجابتني بصوت يصارع الإرهاق والضعف:
شادة روحي. أنى أمك، يا عمر، أنى أمك. شادة روحي.
يبدو لي أن جوانحها كانت تنطوي على ولع شديد بلذائذ الحياة ومتعها، ولع لم يقدر له أن يشبع. إذ كثيرا ما كنت أشاهدها تتزين زينة يمكن إخفاؤها عن نظر أخويَّ الأكبر مني، وكانت، في بعض ليالي الشتاء وبعد أن تكون قد استحمت في العشية، تفاحج فوق الكانون المتوقد الجمر المنبعثة منه سحابات من دخان البخور ليتشرب جسدها عطرا دافئا ويدخر دفئا عاطرا. وسمعتها مرة تحكي لواحدة من صاحباتها:
شهر رمضان في الشتى شن طعمته؟. شن تشتهي فيه؟. تصيمي النهار ولما يذن المغرب تاكلي، و خلاص. لكن رمضان في الصيف، تظلي تراجي غير آمتى يجي المغرب وانت تتشهي في جغيمة اميه باردة، في دليليعة مسقعة، في عنيبات، خويخات، كريميسات... فيه شن تشتهي.
بعد ذلك بعقود، سوف يصرخ محمود درويش، في إحدى قصائده:
أشتهي أن أشتهي
( ................)
أشتهي
أو
أنتهي .
|