|
القاهرة 27 يناير 2026 الساعة 01:02 م

بقلم: أمل زيادة
سكان كوكبنا الأعزاء،..
ها نحن نلتقي من جديد، لنستقبل أجمل حدث ثقافي في حياتنا، معرض القاهرة الدولي للكتاب.
هذا الحدث الذي يثبت بانعقاده دوريًا، أن للكتاب الورقي مكانة وسلطة واستحواذ على القلوب لا ينافسه أحد. إنه يحارب التقدم التكنولوجي الرهيب بصمود عجيب.
أعتبره محارب صامت يواجه أعتى الأزمات خاصة الاقتصادية منها، من غلاء وندرة خامات صناعته. بصمود يدعو للفخر، تمامًا مثل كل جندي مجهول في حياتنا، يحارب وحده كل شيء، دون أن يتباهى بما يقدم أو يفعل .
سكان كوكبنا الأعزاء،..
يا ترى من هو الجندي المجهول الموجود في حياتكم؟!... هل تشاركونا انجازاته غير المعلنة!
سكان كوكبنا الأعزاء،..
أرى أن أفضل محارب صامت في كل بيت هو الأب. ذلك الجندي الذي اعتدنا عطاءه، اعتدنا وجوده، اعتدنا جلبه للأشياء التي نرغب بها، دون أن نلتفت لحجم التضحيات الذي يقدمها برضاء تام، وبصمت وقناعة تثير الإعجاب...
أخصص هذا المقال، لكل أب يقف داعمًا لأبنائه، يسعى بكل طاقته لإسعادهم، بل ويشاركهم اهتماماتهم التي قد تكون من وجهة نظر آخرين شيء ثانوي لا جدوى منه.
سكان كوكبنا الأعزاء،..
ألا تتفقون معي أن الأب الداعم دائمًا ما يظهر في الصورة، لكن لا يرفع صوته ليُثبت حضوره.
لكنه موجود في التفاصيل الصغيرة التي تصنع حياتنا من دون ضجيج. هو ذلك العمود الصامت الذي نستند إليه، حتى ونحن نظن أننا نقف وحدنا. اعتدنا أن يُختزل الأب في كونه المعيل، الرجل الذي يوفر الاحتياجات المادية ويغيب عن التفاصيل العاطفية. لكن الزمن كشف لنا أن الأب الحقيقي لا يُقاس بما يقدّمه من مال فقط، بل بما يمنحه من أمان، وثقة، ومساحة للنمو. الأب الذي يؤمن قبل أن نفعل.
الأب الداعم هو أول من يرى إمكانياتنا قبل أن نكتشفها. يمنحنا الإذن غير المعلن بأن نحلم، وأن نخطئ، وأن نعيد المحاولة. لا يسخر من الأفكار الصغيرة، ولا يقلل من الطموحات الهشة، بل يتعامل معها كأشياء قابلة للنمو. كلمة واحدة منه قد تغيّر مسار حياة كاملة، جرّب، أنا وراك
حتى لو فشلت.. أنت مش لوحدك.
في وجود أب داعم، يصبح البيت مكانًا للعودة لا للهروب. نعرف أن الخطأ لا يعني النبذ، وأن التعب لا يُقابل بالتقليل، وأن المشاعر ليست ضعفًا.
الأب الداعم لا يُربّي بالخوف، بل بالثقة.
لا يفرض السيطرة، بل يعلّم المسؤولية. وحين يضع حدودًا، يفعل ذلك بحب، لا بتهديد.
الأب هو ذلك الأثر البعيد الذي لا يزول، كبرنا أو صغرنا، يبقى صوت الأب الداعم داخلنا. في القرارات الصعبة، في لحظات الشك، في الخوف من السقوط… نستدعيه دون وعي، كمرجع داخلي يقول. أنت قادر. الأب الداعم لا يصنع أبناءً مثاليين، بل يصنع بشرًا متصالحين مع أنفسهم، يعرفون قيمتهم، ويملكون شجاعة المحاولة. ليس أبًا كاملًا.. بل حاضرًا الأب الداعم ليس معصومًا من الخطأ، لكنه شجاع بما يكفي ليعتذر، وحقيقي بما يكفي ليقول: "مش عارف"، ومحب بما يكفي ليبقى.
في عالم سريع وقاسٍ، يبقى الأب الداعم أحد أهم أشكال النجاة الإنسانية… رجل اختار أن يكون ظهرًا لا عبئًا، وسندًا لا ظلًا مخيفًا. الأب الداعم… الرجل الذي علّمنا الوقوف دون أن نرانا نقع، بعض الآباء لا يحتلون منتصف الصورة، لكنهم يظلون ثابتين في الخلفية، يمسكون المشهد كله من غير أن يطلبوا تصفيقًا. الأب الداعم لا يدخل حياتنا كصوت عالٍ، بل كظل آمن، كحائط نتكئ عليه ثم ننسى وجوده…
سكان كوكبنا الأعزاء،..
كونوا بالقرب لأنه ما زال للحديث بقية، وحفظ الله كل آبائنا ورحم من رحلوا.
|