|
القاهرة 20 يناير 2026 الساعة 01:27 م

د.هويدا صالح
في وقتٍ تهيمن فيه الكوميديا الخفيفة والنكتة السريعة على السينما المصرية، يأتي فيلم "السادة الأفاضل" (2025) للمخرج كريم الشناوي ليقدّم تجربة مختلفة، لا تراهن على الضحك بوصفه غاية، بل تستخدمه أداة لكشف التناقضات الاجتماعية وتشريح بنية أخلاقية مأزومة. الفيلم، الذي كتبه مصطفى صقر ومحمد عز الدين وعبد الرحمن جاويش، لا يقدّم بطلًا فرديًا بقدر ما يضع مجتمعًا كاملًا في قفص الاتهام.
يحول كتاب السيناريو الذكي (لمصطفى صقر ومحمد عز الدين وعبد الرحمن جاويش) أزمة عائلة إلى رحلة كوميدية-فلسفية. وفاة الأب "جلال" (بيومي فؤاد) لا تترك وراءها ذكريات فقط، بل ديوناً متراكمة وتحفاً أثرية وغريباً يدعى "سمير إيطاليا" يطالب بحقوقه. الأبناء : طارق (محمد ممدوح) وحجازي (محمد شاهين) وأشرف عبد الباقي، يجدون أنفسهم في دوامة من المفارقات تطرح أسئلة وجودية: هل نعرف آباءنا حقاً؟ وماذا يبقى منا بعد زوال الواجهات الاجتماعية؟
يدخل الفيلم عالم الكوميديا من بوابة صعبة، لا نكات جاهزة، ولا شخصيات كاريكاتيرية، بل مواقف عبثية تنبع من واقع مألوف. وفاة الحاج جلال أبو الفضل، الأب الذي كان يبدو نموذجًا للوقار الاجتماعي، تفتح بابًا على إرث ثقيل من الديون والتحف المشبوهة والعلاقات الرمادية. هنا يتحول الضحك إلى وسيلة لفهم الصدمة: ماذا يحدث حين نكتشف أن الصورة التي صنعناها عن آبائنا لم تكن حقيقية؟
يفتتح كريم الشناوي فيلمه بلقطة ذكية تحاكي لوحة "خلق آدم" لمايكل أنجلو، في استعارة بصرية مشحونة بدلالات ساخرة لا تخطئها العين. هذه المحاكاة، التي تستدعي إرثًا أسطوريًا مرتبطًا بفكرة الخلق وبدايات الحياة والمعنى، لا تُستخدم هنا بوصفها احتفاءً بالمقدّس، بل كأداة تفكيك له. فالمشهد لا يؤسس للحظة ميلاد أو انبعاث، بل يضعنا منذ البداية أمام لحظة انتقال غير مرئي لمنظومة كاملة من القيم الزائفة والعلاقات الملتبسة، وكأن كل ما مارسه الأب من فساد أخلاقي سينتقل بالضرورة إلى هؤلاء الأبناء.
الأب المحتضر لا يمنح أبناءه أخلاقًا أو رؤية للحياة، بل يورّثهم شبكة محكمة من النفاق الاجتماعي، والثراء المشبوه، والصفقات المؤجلة التي ستنفجر بعد موته. هكذا تتحول اللوحة من رمز للخلق الإلهي إلى تعليق ساخر على واقع بشري فقد جوهره، حيث لم يعد المقدّس سوى ديكور بصري، ولم تعد الأخلاق ممارسة حيّة، بل قناعًا اجتماعيًا يُرتدى عند اللزوم. منذ هذه اللقطة الافتتاحية، يعلن الفيلم بوضوح أطروحته: نحن أمام عالم لا يُعاد فيه إنتاج الإنسان، بل يُعاد إنتاج الفساد جيلاً بعد جيل.
ويحضر مشهد"طيران النعش" كدلالة ثقافية، وكأننا عبر هذا المشهد، نُشيّع القيم الاجتماعية التي طالما جرى "تلميعها" وربطها بالريف والقرية بوصفهما فضاءين للنقاء الأخلاقي. تتهاوى هنا تلك الأساطير الصغيرة التي راكمها المخيال الشعبي، مثل مقولة "نعش فلان طار"، التي يرددها أهل الريف للدلالة على سموّ المتوفى واستقامته، وتحويله بعد الموت إلى شخصية شبه أسطورية. غير أن الفيلم يضع هذه الأسطرة موضع مساءلة مباشرة، ويترك الحكم للمشاهد: فـ"جلال"، كما تكشف تفاصيل حياته التي تتسرب عبر مواقفه وعلاقاته بالشخصيات، لا يمتلك ما يؤهله لهذه القداسة الرمزية. نعشه لا يطير، لأن حياته نفسها كانت مثقلة بما يمنعه من التحليق، ولأن الأخلاق التي نُسجت حوله لم تكن سوى سردية اجتماعية مريحة، سرعان ما تتفكك مع أول اختبار حقيقي.
لذا، من أبرز رهانات الفيلم اختياره الريف المصري مسرحًا للأحداث."السادة الأفاضل" يهدم الثنائية التقليدية التي طالما صوّرت المدينة فضاءً للفساد والريف خزانًا للقيم. القرية هنا ليست بريئة، بل شريكًا صامتًا في شبكة فساد يعرفها الجميع ويتعايشون معها. الفساد لا يُقدَّم كاستثناء، بل كأسلوب حياة، تُدار فيه العلاقات بالمصلحة لا بالمبدأ.
يعتمد السيناريو على وحدة زمنية شبه مغلقة (ليلة العيد ويومه)، ما يسمح بتكثيف الأحداث وكشف الأسرار تدريجيًا. هذه البنية تمنح الفيلم تماسكًا واضحًا، وتمنع تشتيت الانتباه رغم كثرة الشخصيات. غير أن بعض المشاهد، خصوصًا مشاهد المشاحنات العائلية، تطول أكثر مما ينبغي، فتؤثر على الإيقاع دون أن تضيف دلالات جديدة.
الفيلم قائم على بطولات "المجموعة"، لا بطولة فردية لافتة، بل مجموعة الفنانين المشاركين يشتركون جميعا في تقديم فضاء سينمائي محمل بكثير من الأسئلة؛ مما يعكس رؤية أعمق: الأزمات العائلية والاجتماعية لا تحلها البطولات الفردية، بل الجهد الجماعي والتضامن المشترك، حتى وإن كان مضطرباً. هذه النظرة تجعل من كل شخصية، حتى الثانوية منها، حلقة في سلسلة الفكاهة والنقد.
كذلك تكمن قوة الفيلم في رفضه تقديم شخصيات "نظيفة".فالجميع لديهم سقطاتهم الإنسانية، الشخصيات جميعها تمتلك هزائمها الخاصة ونقائصها الإنسانية:
ـ محمد ممدوح يجسد الابن الأكبر بوصفه عقلًا إداريًا للفساد، لا يرى في الجريمة أزمة أخلاقية بل سوء تنظيم.
ـ محمد شاهين يقدم شخصية الضمير العاجز، الذي يرى الخراب ولا يملك القدرة على تغييره.
ـ أما بقية الشخصيات، فتظهر كضحايا منظومة يحلمون فقط بنصيب صغير منها، لا بالخلاص منها.
يعتمد كريم الشناوي على الفوضى بوصفها خيارًا جماليًا واعيًا. بيت العائلة، بتراكم أغراضه وتحفه، ليس مجرد ديكور، بل ذاكرة مادية للفساد. الألوان الدافئة تمنح إحساسًا بالألفة، بينما تكشف الفوضى البصرية عن الانهيار الداخلي. التصوير بين الريف والمدينة يثري التجربة البصرية ويعكس تصادم العوالم.
الموسيقى التصويرية تلعب دورًا دراميًا واضحًا، فتمنح الفوضى إيقاعها الخاص، وتحوّل الحكاية من قصة عائلية إلى صورة أوسع لانهيار جماعي. أما النهاية، فقد جاءت عبثية بلا عدالة واضحة، وهو خيار جمالي منسجم مع رؤية الفيلم: الفساد لا يسقط لأنه فاسد، بل لأنه أُدير بشكل سيئ.
"السادة الأفاضل" ليس فيلمًا كاملًا في جمالياته، لكنه فيلم جريء ومختلف. يضحكك، ثم يتركك تفكر في سبب ضحكك. يعيد للكوميديا دورها كأداة نقد اجتماعي، لا مجرد وسيلة للترفيه، ويفتح بابًا جديدًا أمام سينما مصرية أكثر وعيًا وقلقًا.
|