|
القاهرة 20 يناير 2026 الساعة 01:05 م

حوار: حسين عبد الرحيم
تظل العاصمة مكان العتبات المهمة في مسيرة الكاتب ومن لم تسمع به القاهرة لم يسمع عنه العالم.
بعد عقد من الاحتجاب والعمل السينمائي مع المخرج داود عبد السيد، الكاتبة والسينمائية "داليا أصلان" وحكاياتها مع المكان في روايتها "المختلط" وكذلك الزمن، وما يصلح للسرد، وعالمها، الآخر في فضاءات القص، ورؤيتها لذاتها والكتابة، كمتنفس/ وحالات خلاص وليست نشوة وفرح أو تسلية، أكثر من ربع قرن من التجارب الثقافية والجمالية، أكدت من خلالها الكاتبة، في هذا الحوار الخاص لمجلة "مصر المحروسة"، والذي سألتها فيه، عن جدوى المشوار/ وفضاءات الكتابة في الهامش والمتن/ وسبب الاحتجاب والصمت تجاه عالم الكتابة والكتاب، بل وتجليات المشهد الثقافي في المنصورة وماهيات النقد، والإبداع والفكر في أزمنة الحرب عبر الهوية والدين والمعتقد بل والجغرافيا.
سألتها بداية :
رواية المختلط بجزأيها، وِدْ، وبِنت محمود، العلاقة بالمكان والزمان والبشر، وهذا العمل الضخم، هل هناك ثمة دوافع واقعية؟
الدوافع دائما موجودة، وفي كل كاتب، أمر ما يكبر بداخلك، يؤلمك، يلح عليك لتتكلم بالطريقة التي يقرر الألم الخروج بها عبرك.
أحب المنصورة وأراها أُمَّا بعد أمي، لهذا فشلت في العيش في مدينة سواها، فكانت النتيجة أنها حكت عالمها من خلالي. نعم حرصنا أنا وهي على أن نختلق أحداثا وأشخاصا وبيوتا لم نعرفها من قبل، ولكن، تغمرني السعادة كلما صادفت القراء المقيمين بمدينتي، وهم يحاولون تلفيق خريطة واقعية للشوارع، ثم يقسمون أنهم جاوروا ذلك القصر، يعرفون المكان الأصلي لوكالة جلالة، وتاريخ المخبز في الرواية. أبتسم، لقد صدقوها، وتلك هي الغاية، ما قيمة رسم حد لمسار غيمة؟
المنصورة؛ والفجائع التي تخص الموروث وذكورية المجتمع، النساء، وتلك الجرأة في التعبير والحركة، كيف مزجت بينهما؟ وهل هذا المزيج خيال أم واقع؟
بما أنني امرأة إقليمية فلا يمكنني وصفها مثلك بطلاقة بكلمة "فجائع"، تظل المنصورة مدينة ريفية مهما تمددت مساحتها، أو َوَضُحَ ثراؤها، وتعددت سبل الرفاهية من حولها. تركيبة البشر هنا تحكمها قوانين مسكوت عنها مرغوب فيها، هي أشبه بمزاج كعكة "السينابون" التي لا تُقَدَّم إلا بالقرفة، من أراد مزاجا آخر فليبحث عنه في المدن المركزية، أو يتناول حلوى أخرى. هنا؛ الكلمة للعُرف الأسري، النسيج الضام الذي يشد كل الطبقات والأعمار إليه، ذكورا وإناثا، مسيحيين ومسلمين، مصريين وغير مصريين، ويوزع الأدوار بينهم "بالحب"، طالما لن تخالف ذلك العرف.
عن المجتمع الذكوري وهذا التهافت النسوي، على الشهرة والكتابة، كيف ترينه؟
كيف، سأقول لك، كيف مزجت بين مجتمع متشابك تهيمن عليه مظاهر تقديم الرجال على سائر المخلوقات، في حين أن هناك جرأة "نسبية" في حركة النساء في المقابل؟ اللعبة قديمة، وحقيقية، تتقنها الإقليميات، كبيرات وصغيرات منذ استوطن الإنسان الدلتا: طالما تتحركين بنعومة، ودون صدام، ضمن "طابقك"، أو "خانتك"، فيمكنك التوغل والترقي في التأثير، تحريك المدينة بالتليفون، من بيتك. إن معظم عوائقي في تنفيذ ما أرغب كانت نسائية، وأيضا معظم مَن ساعدنني في بلوغ نجاحاتي كن نساءً. هن ماهرات حقا في قلب الطاولة عليك، أو إهداءك إياها، تعرفن أهدافهن، وتسعين لها بدأب خافت.
كيف ترى داليا أصلان علاقة المكان والزمان بالرواية المعاصرة، وهل يتطابق مصطلح مثل كتابة نسوية أو نسائية في هذا العمل الروائي؟
الرواية المعاصرة تجريبية بجدارة، تقنياتها أكثر وعيا وتعقيدا من القرن الماضي، وبالتالي لم تعد تحتاج إلى تعريف مكاني أو زماني للسياق، هي تنجح في ذلك معظم الوقت بدونهما، لكن، كالعادة، تروق لي أكثر الروايات المربوطة بحدث زمني أو مكان بعينه، ربما لتعلقي الشديد بقراءة تاريخ البشر والأرض.
الكتابات النسوية عظيمة بالطبع، إنما لا أزعم أنني أكتب بنسوية، ولا ألتفت كثيرا لتصنيف الأدب رجالي ونسائي، الكتابة الجيدة آسرة، لا "جندر" لها في برمجتي الذهنية.
فيما يخص جدوى الأدب والفنون والفكر في عالم الحروب بالإنابة، كيف ترى الكاتبة أهمية السرد في الخلاص الوجودي والذاتي؟
حينما بدأت كتابة الجزء الأول كان همي الأكبر هو أن أصل بفكرتي عن "نسبية" العدالة في التعامل مع المختلفين والموصومين مجتمعيا، لأكبر عدد من النساء العاديات، اللائي تقابلهن في المواصلات العامة ومحال البقالة، عبر "حدوتة" ولد، أولاد كثيرون، وبنات، بحثوا عن هويَّاتهم الحقيقية، وانتهوا بإعادة تعريف المطلق والمجردات. كان همي الجيل، الشارع، ربات البيوت.
إنما الخلاص أتى مع الجزء الثاني، لمسني ذلك الكتاب أعمق، آلمني حقا، حينما انتهيت منه شعرت بفراغ خانات التخزين في نفسي، وعليه لم أتابع مراحل توزيع الكتاب، أو مدى وصوله للناس، كانت غايتي منه قد تحققت بالفعل عندما كتبت "تمت".
بعد الرواية تلتفتين لمسألة النقد والتدريب، عقد ورش الكتابة الإبداعية، ما مبررك لهذا المنحى، هل هو خروج عن النسق الروائي؟ أم أن هناك رابط بين المسارين؟
هناك بالتأكيد رابط بين المسارين، الأمر أشبه بدخولك المدرسة، وحين تتقدم في الأعوام الدراسية، محنة ومتعة أن تصبح تلميذا في الصف الأكبر، تلقائيا تتوجه نحوك الأنظار لتساعد الصف الأول بشيء من تجربتك. أو تتبادل مع زميل صفك الخبرات.
حكايتي مع الورش الإبداعية بدأت كمتدربة في عدة صفوف للكتابة الذاتية والتمارين النفسية المتعددة، المرهقة والمفيدة، بمرور وقت قصير وجدت أنني التلميذ الذي ساعد رفاق الصف في حل الفرض المنزلي، وحرك خيارات العصف الذهني، والشخص الأقرب رؤية لرأي الناقد أو مدرب الورشة. ثم كانت الخطوة التي لم أفكر فيها حقيقة، حين أخبرتني رئيسة الورشة، وكانت أستاذة بكلية الآداب، أنني مؤهلة لأن أكون مدربة سرد جيدة، مع بعض مهارات التدريس المتخصصة سأفيد الآخرين.
انطلقت الورشة، بعضها مجاني، بعضها مدفوع الأجر، حسب الجهة الراعية للتعاون، لكن بقي الفوز الأهم هو أنني أعيش مراحل نضوج النص والمتدرب بمرور الجلسات، أستمع إلى مصادر إبداع خالصة، خام، من أسماء ونفوس ملهمة، رائعة، لم يسمع بها أحد، أسعى بجانبهم لخروج تلك النصوص للنور، ونصوصي من ضمنهم.
ككاتبة ولدت ونشأت في المنصورة، هل ما زلت مقتنعة بمركزية الثقافة في القاهرة؟
طبعا، إنه قدر. مهما تقدمت وتفرعت مؤسسات ومجالس الثقافة في المنصورة تظل العاصمة مكان العتبات المهمة في مسيرة الكاتب، من لم تسمع به القاهرة، لم يسمع عنه العالم.
أرى مشهدا إبداعيا ثريا في المنصورة، وجمالي أيضا، كيف ترين الفعاليات الثقافية في مدينتك؟
أراها دافئة وثرية، ككوب الحليب الطازج الدسم الذي كانت تمنحني إياه جدتي في المساء. نحن كُتاب وشعراء المنصورة نحظى بجلسات فنية "تعمّر الدماغ"، حديث مثقل بالتاريخ والأدب والصداقة والدعم، عند عودتي من تلك النقاشات أشعر بأن نبتة الساحر الذي سحبني للكتابة منذ طفولتي، قويت وانتعشت. فعاليات المنصورة في قلبي كـ "حضَّانة" تشجيع ورعاية للمعذبين بالكتابة، حرة، تستوعب اختلافاتنا، وتحترم اختياراتنا. جلسات "رايقة" مجتهدة تشبهنا، بعيدا عن صخب وتنافس المدن الكبرى.
سؤالي أيضا عن المشهد النقدي العام، مصري وعربي، خريطة التذوق للآداب والفنون، كيف تعامل النقد المصري مع أعمالك؟
"دلَّعوني" آخر دلع. ولستُ أمزح، كانوا رفقاء بي، في مصر وخارج مصر، مما جعلني أقلق دائما، وأشكر الله كثيرا.
عن إيقاع وخريطة الكتابة العربية في سنوات ما بعد الربيع العربي، كيف ترى داليا أصلان المنتج الأدبي العام، وما هي الأعمال التي توقفت عندها في السنوات الماضية؟
المنتج الأدبي العام، لا يمكنني الحكم عليه بتلك البساطة، الأمر معقد، وتفور تحت السطح دائما نصوص ومخطوطات كثيرة، ظهرت مع بدايات منصة التواصل فيس بووك، تناولت الوضع العربي متزايد ومتعدد الأزمات منذ 2006، فالثورة وإن اندلعت 2011، إلا أنها بدأت داخل البيوت والنفوس في تاريخ أقدم من ذلك.
حاليا، رغم الكم الهائل من المصادر اليومية التي تشحنك بكل ألوان الغضب، الألم، وحتى التجاهل، أو التشفي والنقمة، إلا أن المواطن العربي تعلم كيف وبمن يثق، وبالتالي أصبح القراء أكثر وعيا وجدالا، وأقرب وصولا للكاتب، ومساءلته أو دعمه فيما كتب، وبالتالي أظن أن المنتج الإبداعي العربي الجيد الآن هو من يتبع تعويذة "لا تخافوا ولكن احذروا".
الأعمال التي أتوقف عندها كثيرة، ومعظمها غير مشهور إعلاميا، لا تنس أنني في مطبخ الكتابة، أتابع وأحرر النصوص قبل ولادتها، حسي السردي تدرّبَ على أن يعمل كجهاز كشف المعادن، أنقب طوال فترة اتصالي بالكهرباء عن حرف نفيس. وبالتالي أتعثر في الكثير، والقليل، المعروف وغير المعروف، إنه كنزي الذي أدعم به أصحاب المواهب الجلية.
عشرة أعوام مرت على صدور روايتك بجزأيها، أين أنت من النشر؟ موقعك من مشهد الكتابة المصري، لماذا الاحتجاب؟
أستجم، أستعيد داليا، أشحذ مخيلتها وتجربتها بخبرات لم تعهدها من قبل. المختلط كانت جنينا عملاقا بحق، حينما غادرتني تركَت فراغا مهولا في نفسي، افتقدتها، انطويت على خوائي أعواما قبل أن أتعرض للعالم مرة أخرى. وحينما بدأت عملية ملء جديدة، عدتُ للكتابة بمشروعي روايتين مختلفتين عن بعضهما وعن المختلط، أتمنى على الله أن تخرجا للقارئ العزيز في نهاية العام القادم.
بعد أكثر من عقدين من الكتابة، أين أنت من الجوائز المصرية؟
كل خير، لا أدري، تغير المشهد كثيرا عن أيام نشر المختلط، صار أكثر تنظيما وتشجيعا. ولكن، هل أكون غريبة الأطوار، أو فظة، لو قلت إن القارئ هو جائزتي؟ لأنه ما يمكث في الأرض.
كافكا، (وأنا أقل من أن أقارن نفسي به)، لم ينشر حرفا في حياته، لم يتقدم لجائزة، ومع ذلك من ينكر أثر كافكا على الكوكب اليوم؟
في النهاية، رؤيتك ومدى تأثرك بالخطوات الحضارية والثقافية المهمة في مصر، افتتاح المتحف الكبير مثلا، معرض القاهرة الدولي للكتاب، ما مدى انفعالك بتلك الفعاليات؟
سعيدة سعادة لا توصف بكل صور وأخبار المتحف، أهنئ أقاربي الذين زاروه بالفعل بقول: "أنتم السابقون وبإذن الله نحن اللاحقون".
معرض الكتاب، والفعاليات المهمة يقتحمون بيتي دائما، صندوق بريدي، وأشد محادثاتي خصوصية مع صديقاتي. أراقب تلك الفعاليات عن عمد أو غير عمد، وما انشغلت عنه فرض نفسه على حياتي، خاصة مع تنوع معارفي ومدخلات معلوماتي في الأعوام الأخيرة.
مجددا، أتوق بحماس طفولي جارف لزيارة المتحف الجديد. أتمنى له افتتاحية آمنة بديعة.
داليا أمين عبد الحليم أصلان، أو داليا أصلان: بكالوريوس علوم جامعة المنصورة قسم كيمياء حيوية، ماجيستير الفسيولوجيا المناعية حول موت الخلايا المبرمج.
مواليد المنصورة 1975، كاتبة/ روائية وقاصة، ومحرر ومدقق لغوي ومشرف عام أقسام أدبية بالمواقع الإلكترونية منذ 2005 حتى 2011، ومدربة ورش بيتا ريدرز، و "يُحكى أصال" للتحرير الأدبي والتدقيق اللغوي، وكتابة الرواية والقصة القصيرة.
نشرت ورقيا "المختلط"، و"بنت محمود"، و"امنحني تسع كلمات" إصدار دار الفراشة بالكويت. سيناريو فيلم "مها" إشراف المخرج محمد علي، داوود عبد السيد.
الجوائز: قائمة قصيرة جائزة كتارا عام 2018 2019
شاركت بالكتابة وتحرير ومراجعة مطبوعة ورشة حكي وكتابة عام 2019 برعاية المؤسسة النسوية نوت إشراف دكتورة سحر الموجي تدقيق لغوي، وتحرير أدبي ومشاركة بالكتابة في "خارج أيام السنة" مطبوعة ورشة حلقات الكالم 2021 - 2022 دار العين مؤسسة آفاق، والمؤسسة النسوية نوت، إشراف د سحر الموجي مشاركة في كتابة وتدقيق مطبوعة ورشة الرجوع بالزمن للوراء بالتعاون مع مؤسسة آفاق ومركز الصورة المعاصرة، عن مسيرة دكتورة درية شفيق 2021 – 2022.
مدقق لغوي للكتب المترجمة العربية مع عدد من المترجمين المصريين وغير المصريين.
تشغل مقعد مقرر النادي الأدبي وعضو لجنة اختيار وتحرير وتدقيق لغوي مؤسسة أوان الثقافية، لدعم الكتب الأكاديمية والإبداعية الصادرة عن محافظة الدقهلية بالمنصورة.
|