|
القاهرة 15 يناير 2026 الساعة 03:31 م

كتبت: د. إنجي عبدالمنعم
• «الهاربات».. سينوغرافيا الروح وتجليات "المسرح الحي"
يأتي العرض التونسي «الهاربات» للمخرجة وفاء طبوبي كفعل مسرحي متجاوز للقوالب الجاهزة، حيث تلعب فيه على وتر "الخرافة" بالمنظور الشعبي التونسي، لتقدم عرضاً يعيد صياغة "اليومي" بلمسة فانتازية عميقة، محولةً الخشبة إلى معمل لتفكيك القيود الإنسانية والاجتماعية.
لقد انطلقت الرؤية الإخراجية من مفهوم "المسرح الحي"، حيث عملت المخرجة كـ "مايسترو" لانسجام عضوي بين الممثلات الست، لتتجلى "المينيمالية" هنا كفلسفة وجودية تهدف إلى تعرية الكائن البشري من زوائد المادة ليواجه حقيقته الصرفة.
لقد جعلت طبوبي من "الفراغ" بطلاً موازياً، وحولت اتساع الركح إلى مرآة تعكس التيه الداخلي والانتظار الذي لا ينتهي، مما منح العرض ثقلاً شعورياً يتجاوز حدود المكان والزمان. هذا التجريد البصري المتعمد نقل العبء السينوغرافي بالكامل إلى جسد الممثلة، الذي غدا في غياب الحواجز المادية هو العمارة الوحيدة والكتلة المركزية التي تشغل الفضاء.
وباعتمادهن على لغة جسد مكثفة، تحولت حركة الممثلات (من بينهن لبنى نعمان) من مجرد تمثيل إلى "تعبير وجودي" يشبه الرقص الجنائزي أحياناً والانتفاضة الحيوية أحياناً أخرى؛ ليكون الجسد هو النص الحقيقي الذي يحكي قصص الهروب من الضغوط والبحث عن التوازن.
• فلسفة الفراغ: حين يصبح "الأقل" هو "الأكثر"
وفي هذا الفضاء المقتصد، تبرز المينيمالية كقوة دافعة تؤكد أن "الأقل هو الأكثر"؛ فحين يتحرر المسرح من ثقل الأشياء، تصبح أدق الحركات الجسدية بمثابة تشكيلات بصرية كبرى، وتتحول الأجساد إلى قطع ديكور حية ترسم حدود الغرف وتجسد السجون والملاجئ. إن المينيمالية هنا عملت كمحفز لخيال المتلقي، فكل قطعة بسيطة فوق الخشبة كفت عن كونها غرضاً وظيفياً لتصبح رمزاً مكثفاً يتغير مع كل زفرة أو صرخة، مما خلق لغة مشفرة تمنح "المعنى" قيمة عليا فوق قيمة "الشكل".
هذا الاشتباك مع "ديناميكية الكتلة البشرية" جعل من الجسد "مذبحاً" للبوح وصرخة ضد الجمود؛ حيث استحال الجسد إلى "كتلة ملتهبة" تتشكل وتتفكك لتصيغ حكايات القمع والتحرر. نرى الأجساد وهي تنكفئ على ذاتها تارة، وتنفجر في فضاء المسرح تارة أخرى، وكأن المخرجة ترسم "جرافيتي" بشرياً يتغير مع كل نبضة موسيقية. الحركة هنا هي "نزيف حركي" يكشف عن الرغبة العارمة في كسر الجدران غير المرئية، ضمن "فوضى منظمة" تتقاطع فيها المسارات الحركية لتوحي بالتشتت والضياع، لكنها في جوهرها تلتف حول بؤرة شعورية واحدة هي "الهروب".
ولعبت الإضاءة دور "المشرط" الذي يشرح الحالات النفسية؛ حيث تداخل الفراغ المينيمالي مع الظلال الحادة لتعزيز مفهوم "الخرافة" التي تسكن العتمة وتبحث عن النور.
وتوافق ذلك مع بناء موسيقي ومؤثرات صوتية تجاوزت كونها خلفية، لتصبح "قوة دفع" مادية تحرك الأجساد، حيث تداخلت الأصوات التونسية الأصيلة مع إيقاعات تجريبية، لتكون الموسيقى بمثابة "تنفس جماعي" يملأ الفراغات الصامتة بطابع ملحمي.
لقد نجح العرض في جعل "الصمت" الذي يعقب هذه العواصف الحركية صمتاً ثقيلاً محملاً بالأسئلة، يشبه الهدوء الذي يسبق الانفجار أو الذي يلي الهزيمة.
• تجريد الخشبة للامتلاء بالمعنى الوجودي.
إن «الهاربات» تجربة مخلصة لهوية "المسرح الوطني"، تراهن على الممثل كقيمة إنسانية وجمالية عليا، وتؤكد أننا أمام عمل مسرحي "عضوي" بامتياز، لا ينفصل فيه الشكل عن المضمون.
هو عرض يترك أثراً في الوجدان عبر تشكيلات بصرية وحركية تدرك أن تجريد الخشبة من زينتها هو السبيل الوحيد للامتلاء بالمعنى الوجودي الخالص، ولتظل "الهاربات" رحلة للبحث عن الذات في زحام الصخب، ووثيقة صادقة بأن الجسد هو الصدق الوحيد المتبقي في عالم مليء بالزيف.
يذكر أن الدورة السادسة عشرة لمهرجان المسرح العربي تقام بتنظيم من الهيئة العربية للمسرح، بالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية، في الفترة من 10 إلى 16 يناير الجاري.



|