|
القاهرة 13 يناير 2026 الساعة 05:26 م

كتبت: د. إنجي عبدالمنعم
تجسد مسرحية «الساعة التاسعة» القطرية، التي قدمت ضمن فعاليات مهرجان المسرح العربي، تجربة بصرية ومعرفية مكثفة تتخذ من الفلسفة الوجودية وتفكيك مفهوم الزمن إطاراً كلياً لها، حيث يشرح العرض ماهية الوهم حين يتحول إلى سلعة بديلة للحقيقة، فاتحاً نافذة تطل على فضاء أنطولوجي يسكنه انتظار عبثي يحاكي مناخات صمويل بيكيت، حيث يغدو الزمن هو البطل المهيمن والجلاد في آن واحد.
ويظهر ذلك جلياً من خلال قصة أب وأم ينتظران بعجز عودة ابنهما الطيار، وحين يطول الانتظار دون لقاء، يلجآن إلى شركة متخصصة توفر خدمة "بدلاء الأحباء المفقودين"، ليتبين أن الابن العائد ما هو إلا موظف محترف يؤدي دوراً مأجوراً، في محاولة بائسة لمنحهما فرحة زيفة تعوضهما عن مرارة فقد حقيقي لا يقويان على مواجهته، وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول "سلعنة المشاعر" في عصرنا الراهن، حيث تُباع العاطفة كخدمة تجارية لتسكين آلام الوجود.
وتتجلى الرؤية الفلسفية في العرض عبر دلالات الديكور كفاعل درامي أساسي، متمثلاً في تلك الساعة الضخمة التي تتوسط الفراغ المسرحي كعين كونية تراقب العبث الإنساني، فهي تجسيد لسلطة "الكرونوس" التي تسحق الذات المنتظرة، بينما تمنحها الإضاءة الزرقاء طابعاً ميتافيزيقياً يوحي بأن الشخصيات تعيش في برزخ بين الأمل الموهوم والعدم الحتمي، وما إن يعلن الابن المزيف عن هويته الوظيفية حتى تتساقط العقارب في إشارة رمزية بليغة لتفكك اليقين وتهاوي الحقيقة المادية أمام زيف الوهم الخادع.
هذا الانهيار الزماني يوازيه تشكيل بصري دقيق في تكوينات الممثلين، حيث برع الفنانان أسرار محمد وطالب الدوس في تجسيد العجز الإنساني عبر وضعيات جسدية ساكنة تعكس الانحباس في لحظة ماضوية، يقابلها صراع لوني حاد يبرز في زي الابن البديل ببرتقاليّه الفاقع الذي يكسر رتابة الأسود والأبيض، مما يعزز فكرة الحضور المزيف الذي يمثل "حضور الغياب" بجسد مادي بلا روح، مجرد قناع وظيفي يؤدي مهمة مسبقة الدفع لتسكين فزع الموت.
وتكتمل هذه اللوحة الفلسفية عبر الملابس التي لعبت دور القناع، فزي الطيار ليس إلا غلافاً لغياب أبدي، وملابس الوالدين بألوانها الباهتة تعبر عن أرواح استهلكها الانتظار حتى تماهت مع جدران المكان، مما يعزز حالة الصراع بين محاولة استرجاع الماضي عبر "جسد مستأجر" وبين حتمية الفناء التي تفرض نفسها في النهاية.
إن هذه التوليفة البصرية، المدعومة بمنهجية إخراجية واعية للمخرج محمد يوسف الملا، تؤمن بأن المسرح ليس مساحة لتجميل الواقع بل لمواجهته عبر أدوات تجريبية من تعبير جسدي وموسيقى حية تضعنا أمام مرآة ذواتنا، فالعمل في جوهره لا يكرس العبث بقدر ما يستخدمه كصدمة وعي تدفع المتلقي نحو التمسك باللحظة الواقعية وبصدق التجربة الإنسانية قبل فوات الأوان، مؤكداً أن الهروب إلى "الأوهام المستأجرة" لن يغير من حقيقة الوجود شيئاً، وأن الفقد في نهاية المطاف هو مساحة تأملية عميقة لاكتشاف جوهر إنسانيتنا وقدرتنا على تحويل الحزن إلى طاقة خلاقة للتجدد والحياة.
"الساعة التاسعة" سينوغرافيا وإخراج محمد يوسف الملا، تأليف مريم نصير، دراماتورجيا غنام غنام، تمثيل: فيصل رشيد، محمد المطاوعة، فهد القريشي، ملوك النوفلي، أسرار محمد، إضاءة فاضل النصار، ألحان وموسيقى ومؤثرات صوتية محمد يوسف الملا، كلمت الأغاني عبدالله خالد، توزيع موسيقى إياد سلسع، أزياء شهد البلوشي، ديكور حسين حسن ومحمد عبدالرؤوف، مكياج محمد شاكر.
يذكر أن الدورة السادسة عشرة لمهرجان المسرح العربي تقام بتنظيم من الهيئة العربية للمسرح، بالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية، في الفترة من 10 إلى 16 يناير الجاري.



|