|
القاهرة 13 يناير 2026 الساعة 12:11 م

هويدا صالح
من منّا لا يتوق إلى نيل جائزة معتبرة، يحصد عبرها اعترافًا طال انتظاره، ويشعر بأن جهده الإبداعي لم يذهب سدى؟ فالجائزة الأدبية تمنح الكاتب تقديرًا رمزيًا يسعى إليه طيلة حياته، إذ يجد أخيرًا من يقول له إن ما يكتبه "جيد"، ويستوفي الشروط الجمالية والفنية للجنس الأدبي الذي ينتمي إليه. كما توفّر له قدرًا من المقروئية والانتشار، وتفتح أمامه أبواب الشهرة والتلقي الواسع. وإلى جانب هذا البعد المعنوي، لا يمكن إغفال البعد المادي، إذ ارتفعت القيمة المالية لبعض الجوائز لتغدو مصدر دعم حقيقي يعين الكاتب على أعباء الحياة، في وقت لم تعد فيه مهنة الكتابة، في حد ذاتها، كافية لتأمين استقرار مادي للأدباء.
لذا تُعدّ الجوائز الأدبية اليوم أحد أبرز محفزات الحراك الثقافي في العالم العربي، إذ لم تعد مجرد احتفاء رمزي بكاتب أو نص، بل تحوّلت إلى مؤسسات فاعلة تُسهم في تشكيل الذائقة العامة، وتوجيه حركة النشر، وصناعة"النجومية الأدبية". غير أن هذا الدور المتنامي جعلها في قلب جدل دائم، يتأرجح بين الإشادة بوظيفتها التنويرية، والقلق من آثارها الجانبية على حرية الإبداع وعفويته.
الجوائز الأدبية: ما بعد الدرع المذهب:
لا تقتصر قيمة الجوائز الأدبية على بعدها المادي، رغم أهميته في دعم الكاتب وتفرغه، بل تمتد إلى أبعاد أعمق وأكثر تأثيرًا. فهي تمنح النص الفائز شرعية ثقافية واعترافًا مؤسسيًا يخرجه من الهامش إلى دائرة الضوء، وتفتح أمامه أبواب الترجمة والانتشار، وتحوّله إلى حدث ثقافي يتداوله القرّاء والنقاد معًا. كما تسهم الجوائز في تحفيز الإنتاج الأدبي عبر خلق مناخ تنافسي يدفع الكتّاب إلى صقل أدواتهم، وتدعم صناعة النشر ذاتها، إذ تستفيد دور النشر من العائد المعنوي والمادي لتمويل مشاريع جديدة، بما يحافظ على استمرارية المشهد الثقافي.
حجب الجوائز: صدمة أم ضرورة ثقافية؟
لكن يثير قرار حجب الجائزة في أحد الفروع عادة موجة من الاستياء والتشكيك، لكنه في نظر كثير من المتخصصين إجراء بالغ الدلالة. فالحجب قد يكون رسالة واضحة مفادها أن الأعمال المقدّمة لم تبلغ الحد الأدنى من الجودة الفنية أو الفكرية، وهو بذلك يحمي الجائزة من الوقوع في فخ المجاملة أو التنازل. كما أن تتويج نص ضعيف بجائزة كبرى يهدد القيمة الرمزية للجائزة ويقوّض ثقة القرّاء بها. من جهة أخرى، يفتح الحجب نقاشًا ضروريًا حول أسباب تراجع مستوى الكتابة في جنس أدبي معيّن، ويدفع المؤسسات الثقافية والأكاديمية إلى مراجعة آليات التعليم والتشجيع.
هاجس التوجيه: حين تكتب الجوائز بدل الكاتب
غير أن أخطر الإشكالات المرتبطة بالجوائز الأدبية يتمثل في تأثيرها غير المباشر على مسار الإبداع ذاته. فقد لوحظ في السنوات الأخيرة ميل بعض الكتّاب إلى "الكتابة وفق مواصفات الجوائز"، ما يؤدي إلى تنميط الموضوعات وتكرار القوالب السردية التي يُعتقد أنها ترضي لجان التحكيم، مثل التركيز المفرط على قضايا الهوية أو الحروب أو الصدمات الاجتماعية، على حساب التجريب الفني الحر. ويضاف إلى ذلك نزوع بعض النصوص إلى التكلف اللغوي والاستعراض الأسلوبي، وفقدان العفوية حين تتحول الكتابة من مغامرة جمالية مفتوحة إلى مشروع محسوب النتائج.
بين الضرورة والحذر
تظل الجوائز الأدبية، رغم كل ما يحيط بها من جدل، ضرورة لا يمكن إنكارها في المشهد الثقافي المعاصر؛ فهي أداة لإنصاف المبدعين، وتنشيط الذاكرة الأدبية، وربط النصوص بجمهور أوسع. غير أن نجاحها الحقيقي يظل مرهونًا بتوازن دقيق: كاتب لا يجعل من الجائزة غاية تُقيد خياله، ولجان تحكيم تظل وفية للنص وحده، بعيدًا عن الإملاءات والموضات العابرة. عند هذا الحد فقط، يمكن للجوائز أن تكون مساحة تقدير حقيقية، لا سلطة توجيه تُفرغ الإبداع من روحه.
|