|
القاهرة 13 يناير 2026 الساعة 11:59 ص

كتب: عبده الزرَّاع
يُعَدُّ أحمدُ سويلم أحدَ أهمِّ شعراءِ الفُصحى في جيله، وأغزرِهم إنتاجًا وتنوُّعًا. بدأت مسيرتُهُ الشعريةُ أواخرَ ستينياتِ القرن الماضي، واستمرَّ عطاؤهُ الشعريُّ والأدبيُّ بدأبٍ وجِدٍّ حتى الآن. أصدرَ أكثرَ من عشرينَ ديوانًا، وأعطى اهتمامًا خاصًّا بكتبِ التراثِ والتنقيبِ فيها، لاستخراجِ اللؤلؤِ المخبوءِ وتحقيقِه وإعادةِ تقديمِه للقرّاءِ من جديدٍ، لتستفيدَ منه الأجيالُ الناشئة. وإلى جانبِ مشروعِه الشعريِّ للكبار.
أولى الشاعرُ اهتمامًا بالغًا بأدبِ وثقافةِ الطفل، وجعلَهُ مشروعًا إبداعيًّا موازيًا لمشروعِه الشعري، إذْ جاءتْ كتابتُهُ للأطفال متميِّزةً على نحوٍ يرقى بها إلى مصافِّ الرّيادة. كتبَ لهم الدواوينَ والمسرحيّاتِ الشعريّةَ، وأعدَّ البحوثَ والدّراساتِ، في وقتٍ ندرَ فيه اهتمامُ النقّادِ والباحثينَ بالتأريخِ لأدبِ الطفلِ ومتابعتِه نقديًّا وبحثيًّا، إلا من جهودٍ قليلةٍ كانتْ لها الرّيادةُ في هذا المجال، منهم: أحمد نجيب، وعلي الحديدي، وأحمد ظلط من مصر، وهادي نعمان الهيتي من العراق، وموفّق رياض المقدادي من الأردن. والغريبُ في الأمر أنّه لا توجدُ – حتى الآن – نظريةٌ نقديّةٌ متكاملةٌ لأدبِ الطفلِ العربي.
بداياتُ أدبِ الطفلِ العربيّ
يُعَدُّ أدبُ الطفلِ العربيُّ من الآدابِ الحديثةِ مقارنةً بأدبِ الكبار. فقد بدأ الاهتمامُ بالطفولةِ في أوائل عام 1875م، مع رفاعة رافع الطهطاوي، حين ألّف كتابَه الشهير «المرشد الأمين للبنات والبنين»، الذي يدلُّ عنوانُه على التوجّهِ التربويِّ المباشر. ثم جاء بعده الأديبُ المصري محمد عثمان جلال عام 1898م، فترجم ما يقارب مائتي حكايةٍ شعريةٍ من حكاياتِ لافونتين الفرنسي، ونشرها في كتابه "العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ".
ثم جاء أمير الشعراء أحمد شوقي، فكتب حكاياتٍ شعريةً للأطفال متأثرًا أيضًا بحكاياتِ لافونتين، غيرَ أنّه أحدث نقلةً فنيّةً ملحوظةً مقارنةً بما قدّمهُ جلال، ودعا زملاءَه الشعراء إلى كتابةِ أشعارٍ للأطفالِ وللأسرة، وخاصةً صديقَه خليل مطران، لكن دعوته لم تجد صدى لدى شعراءِ عصرِه، فانصرف هو الآخر – بعد فترة – عن الكتابةِ للأطفال.
ثم جاء بعد ذلك شعراءُ كتبوا خصيصًا للأطفال، وكان أولُ من تخصّص في الكتابةِ الشعريةِ للطفلِ الشاعرُ محمد الهراوي، وهو صاحبُ الرّيادةِ في هذا المجال وله منجزٌ شعريٌّ كبير. تلاه عددٌ من الشعراء، منهم: عبد العليم القباني، سمير عبد الباقي، أنس داود، أحمد سويلم، شوقي حجاب، إبراهيم شعراوي وغيرهم.
وقد واكب الاهتمامُ المصريُّ بشعر الأطفال اهتمامًا عربيًّا واسعًا، خاصةً بعد نكسة عام 1967م، فظهر شعراءُ مثل: معروف الرصافي، وفاروق سلّوم في العراق، وسليمان العيسى في سوريا، وعلي الشرقاوي في البحرين.
رسالةٌ سامية
نذر الشاعرُ أحمد سويلم نفسَهُ لخدمةِ أدبِ وثقافةِ الأطفال، باعتبارِه رسالةً ساميةً، ولإحساسِه العميق بأنّ هذا المجالَ لم يأخذْ حقَّه من الاهتمامِ والتقدير، لا من الدولةِ ومؤسّساتِها الثقافية، ولا من الأدباءِ والنقّاد.
فعكفَ بجدٍّ وإخلاصٍ على قراءةِ وهضمِ ما كتبهُ السابقون في أدبِ الطفلِ، سواء في الأدبِ العربيِّ أو الأجنبيِّ المترجم، فقرأ حكايات شارل بيرو، ورحلات جليفر، وحكايات لافونتين، وأيسوب، وقصائد خوان رامون خمينث، وطاغور، ووليم بليك، وإدوار لير، وحكايات الأخوين جريم، وحكايات هانز كريستيان أندرسن الخرافية، وألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، وكتبَ الأساطيرِ والحكاياتِ الشعبيةِ والأمثالِ المتوارثة، كما قرأ أعمالَ كامل كيلاني، والغضبان، وعطية الإبراشي، وبرانق، وزكريا تامر، ويعقوب الشاروني، وعبد التواب يوسف، وأشعار عثمان جلال، وأحمد شوقي، ومحمد الهراوي، وإبراهيم العرب، فاستفاد من جميعِ هؤلاء في تجربتِه الشعريةِ والمسرحيةِ والبحثية.
وفي منتصفِ السبعينيات جدّد "سويلم" دعوةَ "شوقي"، فحثَّ زملاءَه الشعراء على الكتابةِ للأطفال، فاستجاب له عددٌ كبيرٌ منهم، ورسّخ مع زملائه كتابةً شعريةً جديدةً، تخلّصت من عمودِ الشعرِ، واقتربت من قصيدةِ التفعيلة، فارتقت التجربةُ وتطهّرتْ من الخطابِ المباشر، واتّسمت بالخيالِ والتحفيزِ العقلي.
ومن هؤلاء الشعراء: فاروق شوشة، سمير عبد الباقي، أحمد الحوتي، أحمد زرزور، حسين علي محمد، نشأت المصري، أحمد فضل شبلول، فوزي خضر، محمد كشيك، وشوقي حجاب وغيرهم.
ثم جاء بعدهم جيلٌ واصل المسيرة، لا تقلّ تجاربُه الشعريةُ أهميةً، ومنهم: السماح عبد الله، عبده الزرّاع، طاهر البرنبالي، رجب الصاوي، عبير عبد العزيز، مجدي عبد الرحيم وغيرهم.
شعرُه للأطفال
قدّم الشاعرُ أحمد سويلم للأطفال العديدَ من الدواوين الشعرية، وأثبت بقدرتِه الفذّة أنّه يدرك تمامًا خصائصَ المراحلِ العمريةِ المختلفة، فكتب لأطفالِ ما قبل المدرسة بلغةٍ بسيطةٍ سهلةٍ تناسب قاموسَهم المحدود، وكتب أيضًا للفئةِ من (6 – 8) سنوات، وصولًا إلى مرحلةِ الطفولةِ المتأخّرة، مما يدلُّ على مهارته في تطويعِ اللغةِ العربيةِ لتناسبَ عقلَ الطفلِ في كلِّ مرحلة.
ومن دواوينه الموجَّهةِ للطفل" بستان الحكايات"، "أتمنّى لو"، "أنا وأصدقائي" وغيرها. يأتي ديوانه "بستان الحكايات" ليقصَّ على الأطفالِ حكاياتٍ رمزيةً تدور على ألسنةِ الحيوانات، وتنتهي كلُّ حكايةٍ بخلاصةٍ حكيمة.
ففي حكايةِ "النسر والسلحفاة" أرادت السلحفاةُ أن تطيرَ مثلَ النسر، فطلبتْ منه أن يعلّمها الطيران، فقال لها إنّ الله خلقَها على هذه الهيئة، لكنها أصرت، وطلبت منه أن يحملها ويرتفع بها عاليًا في السماء، ثم يتركها لتتعلم الطيران، ويختم الشاعرُ الحكايةَ قائلًا:
حملَ النسرُ صديقتهُ وارتفعَ بها
لعلوٍّ شاهقٍ،
وأشارتْ أنْ يتركها،
لكنْ صديقتُنا سقطتْ فوقَ الصخر،
وصارتْ قطعًا قطعًا،
قالتْ كلُّ حيواناتِ الغابةِ:
مَنْ لم يرضَ بطبيعتِهِ،
نالَ جزاءَ جهالتِهِ!
أمّا ديوان "أنا وأصدقائي" فيدور حول شخصيةِ طفلٍ يحدّث الأشياءَ والكائناتِ من حوله: الوردة، القطة، الموسيقى، المكتبة، العصفورة، الكرة، الحقيبة، المدرسة... إلخ. وفي كلِّ قصيدةٍ يسعى الشاعرُ إلى تعزيزِ القيمِ والسلوكياتِ الإيجابيةِ بأسلوبٍ فنيٍّ بعيدٍ عن الوعظ، يقول في قصيدةٍ بعنوان، "المكتبة":
في بيتِنا مكتبةٌ كبيرة،
أبي الذي كوَّنها من زمنٍ بعيد،
وهو الذي رتّبَها وصنّفَ الكُتب،
وحينما كبرتُ،
عرّفني على نظامِ المكتبةِ:
هنا الحكاياتُ الطويلة،
والقصصُ القصيرة،
هنا مكانُ الكتبِ الدينيّةِ
التي أعرفُ منها ديني،
هنا الأساطيرُ القديمة،
هنا فنونُ الرسمِ والمسرحِ والموسيقى،
هنا الشعرُ القديمُ والحديث...
وتتواصل القصيدةُ في معالجةٍ إنسانيّةٍ راقيةٍ، تجسّدُ الصورةَ المثلى للعلاقةِ بين الآباءِ والأبناء، ولإشباعِ رغبةِ الطفلِ في المعرفةِ والاكتشاف.
إنجازٌ متنوّع
لم يكتفِ الشاعرُ أحمد سويلم بكتابةِ الشعرِ للأطفال، بل كتبَ لهم أيضًا المسرحيّاتِ الشعريّة، ومنها: "حكايات وأغاني أحمد شوقي"، الذي نُشر في كتاب الهلال للأولاد والبنات، ومسرحية "كامل كيلاني" التي أنتجتها الهيئة العامة لقصور الثقافة وقدّمتْها على مسرحِ قصر ثقافة الطفل بجاردن سيتي. كما شاركَ بالعديدِ من البحوثِ والدراساتِ في المهرجاناتِ والمؤتمراتِ المصريةِ والعربية، وجمعَ كثيرًا منها في كتابه «إطلالة على عالم البراءة – دراساتٌ في ثقافة الطفل العربي» الصادر عن سلسلة اقرأ بدار المعارف عام 2014م.
وقد رأسَ شعبةَ أدبِ الطفلِ في اتحاد كُتّاب مصر، وأشرفَ على عددٍ من المؤتمراتِ التي صدرت عنها كتبٌ مثل: «دراسات في أدب الطفل، و"فنون أدب الطفل" وقد شاركَهُ الشاعران جابر بسيوني وعبده الزرّاع في تأسيس مؤتمر أدب الطفل بالإسكندرية، الذي استمرّ أربعَ دوراتٍ متتاليةٍ كان "سويلم" رئيسًا لها. كما مثّلَ مصرَ في مهرجاناتٍ دوليّةٍ عدّة، من بينها مهرجان الطفل القرائي بالشارقة عام 2015م.
وأصدرَ كتابًا بعنوان "محمد الهراوي.. حياته وشعره"عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وكتابه المهم "أطفالنا في عيون الشعراء" الذي صدر عام 1985م، وأعيد طبعه في مكتبة الأسرة عام 2002م، ويُعَدُّ من أهمّ المراجعِ في دراسةِ شعرِ الأطفالِ العربيّ.
رؤيةُ النقّاد
يقول الناقدُ أحمد ظلط عن سويلم:
"أحمد سويلم، شاعرٌ وباحثٌ مصريٌّ، أصدر دراسةً هامةً حول شعرِ الأطفال، جعل عنوانَها: "أطفالنا في عيون الشعراء"، وهي من المؤلفاتِ الأدبيةِ المعاصرةِ التي تناولت أدبَ الطفلِ بعامّةٍ وشعرَ الطفلِ بخاصةٍ، وقد فتحتْ هذه الدراسةُ الأبوابَ الموصدةَ أمام المبدعينَ والدارسينَ حول الطفلِ وأدبه، من خلال رؤيةٍ إبداعيةٍ فنيةٍ تناولتْ قضايا هذا اللونِ الأدبيّ. ولا يُعابُ عليها – في رأيي – سوى تناولِها المتعجّلِ لموضوعي: مفهوم الأدب، وشعر الأطفالِ في التراثِ العربيّ. ومع ذلك فقد نجحتِ الدراسةُ في طرحِ قضاياها الأخرى بعمقٍ وتميّز، وابتعدَ المؤلفُ عن الحشوِ التربويِّ والإعلاميِّ المتكرّر في معظمِ الدراساتِ السابقة، وركّزَ على فنِّ الشعرِ نفسِه، عارضًا لنماذجَ مختارةٍ من القديمِ والحديث. وتبقى هذه الدراسةُ أقربَ الدراساتِ المعاصرةِ إلى أدبِ الطفلِ العربيِّ بمعناه الفنيّ الحقّ".
تتويجُ المسيرة
لا يزال الشاعرُ أحمد سويلم يمنحُ الأدبَ العربيَّ عطائَهُ الزاخرَ للكبارِ والأطفال، مؤمنًا بأنَّ بناءَ الإنسانِ يبدأُ من الكلمةِ الأولى التي تطرقُ قلبَ الطفل. وقد تُوِّجَتْ مسيرتُهُ الحافلةُ بحصولِه على جائزة الدولة التقديرية في الأدب عام 2016م، تقديرًا لريادتِه وإخلاصِه في خدمةِ الشعرِ وثقافةِ الطفلِ العربيّ. إنه بحقٍّ نبراسٌ تهتدي به الأجيالُ الطالعةُ، وشاعرٌ جمعَ بين الموهبةِ والعلمِ، والرؤيةِ التربويّةِ والنزعةِ الإبداعيّةِ الصافية.
|