|
القاهرة 13 يناير 2026 الساعة 11:56 ص

كتب: د. جمال الفيشاوي
قدمت فرقة الجدار الرابع للفنون، على مسرح آفاق بشارع خليج الخور، العرض المسرحي "شنب شرقي منقرض" تأليف وأشعار ديفيد رفيق وإعداد موسيقى وإخراج سامح آمون، وقد استقى المؤلف عرضه عن كتاب دكتور محمد طه "ذكر شرقي منقرض"، وهو عبارة عن مقالات نفسية يحكي فيها الفرق بين الرجولة والذكورة، حيث إن الذكورة شيء بيولوجي أما الرجولة هي صفات وسمات وفعل.
تدور الفكرة الرئيسية حول المعنى الحقيقي لفكرة الرجولة، فالرجولة ليست بشنب على وجه الرجل، ولكن الرجولة الحقيقية هي أفعال ترتقي بالمجتمع وتحافظ على القيم والعادات والتقاليد السليمة، والمؤلف لم يحدد الفترة الزمنية التي عاش فيها سيد الرجال صاحب الشنب لكنه من الممكن أن نحدد تلك الفترة ما بين القرن التاسع عشر، والقرن العشرين، وهو الزمن الذي كان فيه المصريون يرتدون الطرابيش بالشكل الذي ظهر في العرض كجزء من الأزياء المصرية التقليدية، وكان ارتداؤه إلزاميًا في المدارس والمصالح الحكومية.
تدور الأحداث حول التحقيق في جريمة سرقة شنب سيد الرجال من متحف خاص تملكه عائلة سيد الرجال، وسيد الرجال كان رمزا للرجولة الحقيقية بكل ما تحويه من معنى، ويظهر المحقق رشدي سراج (جون خليل) ليحل اللغز والبحث عن الجاني، وتحوم شبهات الاتهام حول خمسة شخصيات كانت موجودة بالمتحف في أثناء حادث السرقة وهم: سمير (ديفيد رفيق) أحد ورثة المتحف ومديره فقد كلفته عائلته بذلك، وبسيوني (جوزيف جورج) مدير أمن المتحف، وأمل (مونيكا جميل) مدير إداري بالمتحف، ودلال (ولاء أحمد) عاملة نظافة بالمتحف، ونوارة (ميراي أشرف) مرشدة سياحية لم تتمكن من الخروج من المتحف، ويتضح من خلال الأحداث أن كلاً منهم لدية مشكلة ما في حياته تظهر أثناء التحقيق.
ركزت الأحداث على بعض الحكايات والتي بها بعض الأفعال الخاطئة وسوء فهم لمعنى الرجولة، ومنها العنف الأسري، في حكاية دلال عاملة النظافة، والتي ظهر على وجهها آثار عنف، نتيجة قيام ابن زوجة والدها بضربها وسرقة أموالها، والعلاقات السامة والتي سممت حياة نوارة المرشدة السياحية وجعلتها تكره الرجال، ونطلق على حكايتها المشاعر الزائفة، فكانت تحب التمثيل قبل أن تعمل مرشدة سياحية، وتعرفت على مخرج مسرحي شاب، أوهمها بحبه بكلامه المعسول فأحبته، بعد خروجها من تجربة مريرة لقصة حب زائفة مع خطيبها، لكنها تكتشف أنه كان يتسلى بها، وتسليع المرأة في حكاية أمل، والتي يتقدم لها خمسة عرسان، ولكل منهم حكاية..
فمنهم المتنمر الذي يرى أن المرأة لا قيمة لها ودائم التعليق على شكلها وملابسها، فيعلق بأن وزنها زائد، وملابسها غير مهندمة .. وهكذا، والآخر شكاك فهو يشك في المرأة، فقد تغيرت قيم وأخلاقيات الرجل على الرغم من أن هذا الرجل صعيدي ومن المعروف أنه من عادت وتقاليد الرجل الصعيدي أنه لا يطعن المرأة في شرفها ويتهمها بالخيانة، والثالث يحب الأكل وتعتبر الزوجة بالنسبة له طباخة، والرابع مادي وبخيل، وينظر لمال المرأة، والخامس عريس ابن أمه، فهو بدون شخصية، وعلى الرغم من ذلك تقبل به زوجاً لها، فالرجل بالنسبة لها أصبح شنب داخل فترينه، والتربية الخاطئة في حكاية بسيوني مدير أمن المتحف، الذي تربى منذ طفولته على المعاملة الجافة، وأن الولد يعتبر منذ طفولته رجل، والرجل لا يلعب بلعب الأطفال، والرجل لا يبكي مهما كان الأمر، ولا بد من أن يكبت مشاعره، فحدث لديه شرخ وتبلدت مشاعره، والتي أصبحت كالصندوق المغلق، وتسببت التربية الخاطئة في معاناته، وأصبح مريضًا نفسيًّا وذهب إلى الطبيب للعلاج، والمثالية المزيفة في حكاية سمير الذي ولد في عائلة مثالية وبالتالي لا بد أن يكون نسخة طبق الأصل من تلك العائلة، وأن يحمل إرثها، ولا بد أن يتنازل عن أهدافه وطموحاته ويحقق ما تريده العائلة، والتي تفرض عليه كل شيء مثل اختيار الأصدقاء أو حتى الزواج، فلا بد أن يلغي شخصيته، لكننا نكتشف وجود علاقات مشبوهة داخل هذه العائلة، فالمثالية في حكاية سمير مثالية مزيفة.
العرض يذكر مشاعر الرجل الذي تحول من الحنان والحب إلى القسوة، ومن حامي للمرأة إلى مسيطر عليها، فالرجولة ليست بشنب على وجه الرجل، ولكن الرجولة الحقيقية هي أفعال ترتقي بالمجتمع وتحافظ على القيم والعادات والتقاليد السليمة.
رؤية المخرج:
استخدم المخرج تقنية الفلاش باك السينمائي، واستخدم الرمز فنرى في حكاية سمير أن كل عائلته ترتدي قناع، وتدعي المثالية، لكن نكتشف أنها مثالية مزيفة، أما المثالية الحقيقية تكمن في تصرفات الإنسان، وهو الذي لا يدعي المثالية، ولا يرتدي قناع، وتظهر المثالية الحقيقية في شخصية صديقة والإنسانة التي أحبها وكان يريد خطبتها، لكن عائلته لم توافق.
كان الديكور (محمد العشوائي) عبارة عن منظر واحد ففي منتصف وسط العمق توجد فترينه تشبه الموجودة بالمتاحف يحفظ فيها الشنب، ويمين المتلقي توجد عدة تليفون قديمة، ومكواة قديمة، كما يوجد استند وضعت عليه تحف، وراديو من الطراز القديم، ويسار المتلقي يوجد تليفزيون من الطراز القديم، وعلق على الحائط يميناً ويساراً بعض الصور مرسوم عليها أشياء منقرضة مثل الجرمفون والآلة الكاتبة، والديناصور، ويعبر المنظر عن قاعة العرض وحفظ المقتنيات بالمتحف، ونجد في الفراغ المسرحي كرسي أمام الفترين، ومع دخول وخروج الممثلين بكراسي أخرى، ومع تغير الصور المعلقة على الحائط لتعرض ماضي حالة أبطال العرض، يتغير المكان ويعبر عن منازل أبطال العرض، مثل وجود صورة سمير وأسرته في حكاية الشخصية المثالية، وهم يرتدون الملابس المهندمة وملابسه هو غير مهندمة، أو تعبر عن العنف في حكاية دلال والعنف الأسري، فنرى رجلا يضرب امرأة، وفي المشاعر الزائفة بحكاية نوارة نحد شخصا يحتضن امرأة لكنه يحمل سكينا يرفعه خلف ظهرها،... وهكذا
الملابس (مريم ظريف + إكسسوار) كانت ملابس عصريه مناسبة للشخصيات الرئيسية التي تحكي حكاياتها، ولكن في بداية العرض كانت تعبر عن الزمن الذي كان المصريون يرتدون فيه الطرابيش، وقد ارتدت الشخصيات الثانوية ملابس سوداء لتعبر عن مدى التأثير بشكل سلبي على حكايات الشخصيات الأساسية.
الإضاءة (أحمد أمين) كانت لإنارة الأماكن، وتعبر عن الوقت فكان اللون الأزرق معبراً عن الليل، واللون البرتقالي معبراً عن النهار، كما استخدم الدخان لخلق الحالة الضبابية، وفي بعض الأحيان كان يستخدم البؤر الضوئية للتعبير عن مرور فترة زمنية، وسلطت الإضاءة على اللوحات الموجودة على الجدران للتعبير على انتهاء حكاية هذه الشخصية، وتعتبر هذه التقنية كتقنية السينما في تثبيت الكادر (Fixing the frame) وأيضا كانت تسلط بؤرة ضوء على وجوه الممثلين عندما ينفرد صاحب الحكاية بنفسه ويقف على السلم في مقدمة وسط المسرح ويكسر الجدار الرابع، لتظهر تعبيرات وجهة وهو يحكي مأساته للمتلقي.
كانت أغاني العرض من نسيج العمل فنجد في حكاية نوارة أغنية حب وهي تطرح سؤالًا (معقولة يا قلبي خلاص جالك الحب اللي يريح بالك .. ويصحي الأشواق من تاني ويداوي جروح) أما الأغنية الأخرى قدمت داخل أحداث عرض مسرحي باللغة العربية الفصحى كانت نوارة من المشاركين فيه (من حبي وأشواقي بنيتُ قصراً لنعيش معاً فيه .. وظننتُ بأنك ستعوضُ قلبي عن جُرحٍ يكويه، وانهدم القصر بأكاذيب صبغتها ألوان الصدق .. وثقتي أنك طوق نجاةٍ انقلبت فجأة إلى شكِ) وأغنية عن الزواج في حكاية أمل (بيعدي الوقت وتهرب كتير كتير أحلام .. وحيرة كبيرة مليانه وألف علامة استفهام، ما يمكن مش هلائى الحب زي ما كنت بتمناه .. ويمكن مش هيجي في يوم فارس كنت باستناه) وفي بداية العرض ونهايته قدمت أغنية شنبات (شنبات مبرومة كتير.. لكن شنبه دا حاجة تانية، وبيحكوا عليه أساطير .. أجدع راجل في الدنيا).
أما موسيقى الأغاني (جون خليل) كانت للأربع أغاني وسيطرت على تلحينها الآلات الوترية، لتصبح الألحان كما يقال بها دفا وتصل ببساطة للمتلقي وكل أغنية ملحنه بحالة خاصة لخدمة الحدث الدرامي، فنجد الأغنية الأولي لنوارة والتي كانت تدور داخل عقلها؛ فهى أول مرة تحب بعد ما غدر بها خطيبها، والأغنية ملحنة بلحن شرقي بنفس طريقة تلحين أغاني الألبوم وبها كوبليه وقرار، وكانت الآلات المستخدمة (كمان وتشيلو وبيز جيتار)، والأغنية الثانية كانت باللغة العربية والمفروض أنها كانت تقرأ بواسطة الممثلين من خلال النص الورقي الذي يحفظ منه الممثل دوره، وهي في زمن قديم فأدخل (الكونترباص والهارب والفلوت) على الآلات الوترية السابقة ولم يستخدم بعض منها مثل (البيز جيتار) وعزف الإيقاع باستخدام الآلات الموسيقية الكهربائية، والأغنية الثالثة عبارة عن دراما ملحنة تحكي حكاية عرسان أمل وكيفية زواجها، بشكل ريستاتيف، واستخدم خليطا من الآلات السابق ذكرها حيث يعبر الموقف عن مأساة في إطار الكوميديا السوداء، وكانت الأغنية الرابعة هي التيمة الأساسية للعرض المسرحي واستخدمت في الافتتاح والختام وبها جملة لحنية سهلة فيخرج المتلقي من العرض وهو متذكرها وتؤثر فيه، واستخدم فيها جميع الآلات السابقة، والموسيقى كانت عبارة عن موسيقى راقصة لكن الإيقاع كان يميل للألحان الغربية.
قدم في العرض أربعة استعراضات (محمد بحيري) ارتبطت بالأغاني ضمن أحداث العرض منها ثلاثة قُدمت كتعبير حركي في الأغاني وهي: أغنية معقولة والتي تعبر عن حالة الحب في بروفة داخل المسرحية، وأغنية نهاية المسرحية وبها إسقاط على نهاية قصة الحب بين نوارة والمخرج الشاب كما فشلت قصة حب قيس وليلي، واستعراض عرسان أمل الخمسة، وهم يدرون حولها وكل منهم يريد الفوز بها، ويتعاملون معها كدمية، رغم أن كلا منهم لديه صفة سيئة، أما الاستعراض الرابع فهو تعبير بالحركة، وكان عبارة عن تمثيل صامت، بظهور عائلة سمير ترتدي قناعا، ونجد كلا من سمير، وصديقه، والفتاة التي كان يريد خطبتها يضعون أيديهم على أذانهم وأفواههم وأعينهم حيث تصل رسالة للمتلقي أن معني الرجولة عند عائلة سمير هي التخفي وراء قناع الزيف، وأن لا يسمع، ولا يرى، ولا يتكلم.
كل التحية والشكر لكل من ساهم في خروج هذا العرض للنور والذين تم ذكرهم وكذلك الأداء الصوتي (الفنان محمد عبد العظيم)، والممثلين الذين أدو عدة أدوار ومنهم: مينا ظريف (الملثم/ بسيوني المراهق)، ديفيد ملاك (مدير المزاد/ خالد/ العريس الأكيل/ يوسف)، بولا رأفت (سيد الرجال/ أبو دلال/ العريس ابن أمه/ والد سمير)، عبد الرحمن يحيى (مشترى1/ صديق1/ ممثل1/ مصور)، جون جمال (مشتري2/ ممثل2/ العريس الصعيدي/ صديق2/ الجرسون)، بيتر رفعت (مشتري3/ العريس الخليجي/ ابن بسيوني/ صديق3)، ديانا ظريف (هبه/ شيري/ أخت أمل/ سلمى/ خطيبة سمير)، مريم ظريف (منيره/ أم أمل/ زوجة بسيوني/ سارة)، إبرام راضي (ميدو/ العريس المتنمر/ تيمو)، ريما أبو المجد (ممثلة3/ أم بسيوني/ والدة سمير)، مايفل ماهر (الدكتورة/ ممثلة4)، إيلي بيتر (بسيوني الطفل). دعاية وتصميم بوسترات (جون جمال)، مكياج (مارينا بارزي)، مخرج منفذ (ديفيد ملاك).






|