|
القاهرة 13 يناير 2026 الساعة 11:55 ص

بقلم: شيماء عبد الناصر حارس
الكتابة في حد ذاتها فكرة قديمة، الإنسان كتب منذ فجر التاريخ ومنذ عصر الكهوف، لكن ما يتغير في شكل الكتابة ونحتها من تضاريس الروح، ماذا كان إنسان الكهف يريد أن يكتب؟ وفيما كان يفكر، هذه أشياء لا تهمني الآن، فأنا من العصر الحديث، ويهمني أن أعرف فيما أفكر، وماذا أريد أن أكتب؟
حينما يذهب الجميع تبقى الكتابة، وحينما يظهر البعض أشتاق للكتابة، هي الكائن الوحيد الذي يسمعني بدون اعتراض أو حتى سأم، فبعض الناس لا يحبون الحديث في مواضيع معينة، لكن من السهل علي الكتابة فيها، حتى ولو بطريقة غير مباشرة، سوف أكتب مهما حدث ومهما كان، وربما الكتابة ونس في الوحدة، ليت الكتابة إنسان، كما تستطيع أن تكون معي في أي مكان.
والوحدة كريهة أيضًا وسيئة، رغم بعض ميزاتها، لكن تأثيراتها السلبية على الصحة والعقل شنيعة، فهل تستطيع الكتابة أن تصبح حاجزًا ضد شناعة الوحدة. وهل الدموع تجدي أمام ظلام الغرفة الباردة الفارغة إلا من بعض قطع خشب؟
الوحدة داء بشع، يمتص الروح التي تحاول أن تتملص منه بكل الطرق، كالأفعى تشدد الوثاق على الجسد بينما يحاول الهروب من قبضتها المميتة، حتى طعم الأغنيات مختلف في الوحدة، طعمها مر، لكن البداية من السير، النمو، كرة الثلج التي تتحرك نحو مسار من الإشباع والحياة، من أول رشفة قهوة مع صحبة الطريق، المليء بالناس، السير على كوبري الجامعة نحو المنيل ثم إلى القصر العيني، الناس والشوارع والتفاصيل والأصوات، الهواء البارد صباحًا.
لماذا هناك عمل، ولماذا أصبح على الإنسان أن يترك الهواء والشمس والماء ليعيش في أبنية أسمنتية، كل لحظة دفء أحظى بها أثناء السير في الشمس تعيد إلى ذهني هذا السؤال.
وأنتظر، في الانتظار تتشتت الروح بين الثواني والدقائق، تنسحب الكلمات من النفس مع الزفير، مع الذكريات، مع الألم، مع الأمل الكاذب، مع الأمنيات، وهناك الأعماق أيضًا، في عمق قلبي شيء حزين، يظهر على السطح أحيانًا وأحيانا يستكين مرة أخرى في العمق، حينما يخرج أسأل نفسي: بماذا أشعر؟
شعور غير مميز أو معتاد، حزن ربما أو ضياع، يظهر حينما أكون في حالة لا فكر أو لا أحلام يقظة، لحظة مواجهة بيني وبين عقلي مباشرة، أنا وحدي بدون أسلحة، تلك القصص التي ينسجها خيالي والتي هي محض هراء، ضلالات وأوهام أجري في الشوارع وحدي كي أحولها إلى واقع فأفيق على مصائب كبيرة، لكن وماذا بعد، كيف يسير الأمر هكذا وأنا أبني حياتي على تلك الضلالات والأوهام، التخطيط الحقيقي يكون مبنيًا على وقائع حقيقية وإشارات منطقية، لكني أبني حرفيا صرحًا من الخيال في عقلي وأتصور أنه قابل للتحقيق في الواقع، وبعيدًا عن ذلك فأنا أراوغ عقلي بتلك الأسلحة، يعني أقف أمامه وفي يدي أحلام يقظة أو أفكار متنوعة منها السوداوي ومنها الشديد التفاؤل بشكل غير منطقي على الإطلاق، أما حينما أفقد هذين العنصرين، يواجهني عقلي بالحقيقة المرة، لا شيء البته، لا شيء، فراغ صامت بارد قارس، اكتشفت أن أحلام اليقظة والتفكير المفرط هما من يصنعان الدفء في عقلي، يصنعان أحداثًا ما، بدلا من صمت حياتي ووحدتي، يصنعان تشويقًا وإثارة، لكن ماذا أريد أنا بالضبط، وحدة وهدوء أم تشويقًا وإثارة؟
|