|
القاهرة 13 يناير 2026 الساعة 11:53 ص

بقلم: أمل زيادة
سكان كوكبنا الأعزاء..،
ها نحن نلتقي من جديد، يقولون إن من يعيش طويلا يرى كثيرا، مع بدايات العام الجديد .. وبعد مرور ما يقارب منتصف شهر يناير.. سألني صديق عن جدوى الحياة وكيف يعيش الإنسان بين من تسبب في إلحاق الأذى به؟!
أخبرته بفلسفتي الخاصة في الحياة، ألا وهي إتقان فن التجاوز، تجاوز كل شيء مهما كان حجمه وقسوته، لا لشيء.. سوى تجنب تذكر ما تفسده الأهواء ويعكر النفس.
خاصة وأننا بلغنا من العمر سنوات يستحيل أن نعيش مثلها مجددا، فلما نهدر أيامنا وأعمارنا في التفكير في ما يزعجنا؟!
أخبرني أن أحدهم تسبب في إيذائه، وظلمه ظلما كبيرا، وأن هذا الشخص نسي إساءته، وقرر أن يهنئه بالعام الجديد!!
تساءل صديقي بحيرة.. كيف له أن يفعل ذلك وهو من تسبب في إلحاق أذى كبير بي؟!
أخبرته أن الشخص المؤذي أو الظالم لا يرى في أفعاله ظلما، بل يرى أنه يفعل الصواب بكل أسف.
ولأننا يصعب أن نصلح كل ذلك، ما علينا سوى تجاهل وجود هؤلاء.. حتى لا نهدر وقتنا في تُرهات .. ربما لأن هذا مقصدهم أن يتزعزع إيماننا، وأن نشعر بالتشتت وأن نحيد عن طريقنا وعن هدفنا الذي بدا نجمه يلوح في الأفق.
سكان كوكبنا الأعزاء..،
لاحظت أننا لا نتغير بل إننا نكتشف. نقضي أعمارنا ونحن نردد أننا تغيّرنا. نغيّر آراءنا، دوائرنا، حتى وجوهنا في الصور، ونصدق أن هذا هو التغيير. لكن الحقيقة أبسط وأقسى.. نحن لا نتغير نحن نكشف ما يحدث مع الوقت ليس ولادة جديدة، بل سقوط للأقنعة. تتراجع المجاملات، يبهت الادعاء، وتظهر ردود الأفعال الأولى، تلك التي لا نخطط لها ولا نجمّلها.
في لحظة غضب، أو خوف، أو فقد، ينفلت الإنسان من صورته التي أحبها عن نفسه. نظن أن التجارب تصنعنا، لكنها في الغالب تفضحنا. تكشف مقدار صبرنا الحقيقي، حدود أخلاقنا، ونوع الرحمة التي نحملها، إن كانت موجودة أصلًا.
التجربة لا تُضيف، بل تزيل، نقول: "لم أكن هكذا من قبل"،
لكن الأصدق: "لم أكن في موقف يكشفني".
لهذا تبدو الصدمات قاسية. ليس لأنها تؤلم فقط، بل لأنها تُجبرنا على النظر في مرآة بلا رتوش.
نكتشف أننا أضعف مما ادّعينا، أو أقسى مما تخيلنا، أو أكثر أنانية مما سمحنا لأنفسنا بالاعتراف به. ومع ذلك، فالانكشاف ليس هزيمة كاملة. هناك من تكشفه الحياة فيكتشف إنسانيته، ومن تكشفه فينكرها. الفارق ليس في الحدث،
بل في ما نختار أن نفعله بما ظهر. ربما لا يكون النضج هو أن نصبح أفضل، بل أن نكفّ عن الكذب على أنفسنا. أن نرى حقيقتنا كما هي، ثم نقرر للمرة الأولى بصدق ، هل نرضى بها؟ أم نحاول، أن نستحق نسخة أرحم من أنفسنا؟!
سكان كوكبنا الأعزاء..
كونوا بخير دوما، وابحثوا عن سلامكم النفسي وابتعدوا عما يزعجكم فالعمر لم يعد به الكثير لنهدره بلا طائل.
|