|
القاهرة 13 يناير 2026 الساعة 11:48 ص

بقلم: د. أحمد عبد الجواد
لا تأتي "هوامش على دفتر الذاكرة" للكاتب أدهم سراي الدين بوصفها مجموعة قصصية تسعى إلى الإمساك بالحكاية بقدر ما تسعى إلى الإمساك بما يتسرّب من الحكاية بعد انقضائها، منذ الصفحات الأولى يدرك القارئ أنه أمام كتابة لا تتوسل السرد التقليدي ولا تركن إلى منطق البداية والعقدة والنهاية، إنها مجموعة تكتب من منطقة أخرى أكثر هشاشة وصدقًا: منطقة الأثر.. الأثر الذي تتركه التجربة في النفس بعد أن تهدأ الوقائع وبعد أن تفقد الأحداث صخبها الخارجي وتبقى وحدها الأسئلة.
الذاكرة في هذا الكتاب ليست مستودعًا للماضي ولا آلية استرجاع.. نحن هنا أمام كيان فاعل، متحرّك، يعيد إنتاج ذاته في كل لحظة وعي، لذلك لا تأتي الذاكرة مرتبة، ولا خاضعة لمنطق زمني واضح، بل تظهر كما تظهر في الوعي الإنساني: مباغتة، ناقصة، ومشحونة بشعور يتقدّم على الحدث نفسه.
حين يقول السارد: "إن الذكريات القديمة تمسّني الآن وتصبغ نفسي بذلك الحزن الشفيف"، فهو يصف فعل الذاكرة وهي تعمل وهي تغيّر معناها كلما تغيّر الزمن الذي تُستدعى فيه؛ فالذاكرة هنا تعيد تأويل الحاضر.
هذا التأويل الذي نستطيع أن نتلقاه من الصوت السردي في المجموعة، ذلك الصوت الذي يتخذ صيغة المتكلم، لكنه متكلم غير مستقر، لا يقدّم نفسه بوصفه ذاتًا مكتملة أو مركزًا للمعنى.. إنها «أنا» متشظية، تتنقل بين الطفل والرجل، بين المقيم والمغترب، بين الذاكرة وهي طازجة، والذاكرة وهي متعبة من كثرة الاستدعاء، وهذا التعدد لا يُصرّح به ولا يُبنى بوصفه تقنية، هو تعدد يتسرّب عبر اللغة نفسها، عبر التوتر الداخلي للجمل، وعبر الانتقالات المفاجئة بين مستويات الشعور.
في نص الطفولة مثلًا لا تُستعاد التجربة بوصفها ذكرى حنينية، بل بوصفها لحظة انكسار أولى في علاقة الذات بالعالم، تتكثف في جملة واحدة: "أنا لا أحب المدرسة".. هذه الجملة البسيطة الخالية من البلاغة –في ظاهرها- تعمل كعتبة وجودية، أو كإعلان مبكر عن رفض النظام، وعن خوف عميق من العالم حين يبدأ في فرض أشكاله وقوانينه.
المكان في هذه النصوص لا يؤدي وظيفة الوصف والحيز والمتسع للشخصيات، ولا يُستدعى لإضفاء واقعية على السرد، المكان هنا امتداد للحالة النفسية.. تستطيع أن ترى في المجموعة المدن الكندية، الأنهار، المقاهي، الغرف، كلها تظهر بوصفها أمكنة داخلية تعمل في نفس السارد ما تعمله، فحين يكتب أدهم مثلًا عن نهر ساسكاتشوان يقول: "أشعر أكثر من أي وقت مضى أننا مرتبطون بمصائرنا كارتباط نهر ساسكاتشوان بمصبه المحتوم"، هنا النهر لا يعود عنصرًا طبيعيًا، بل يتحول إلى استعارة عن المسار الإنساني، عن الحتمية التي تظل ترافق الإنسان مهما أوهم نفسه بالاختيار، المكان في هوامش على دفتر الذاكرة لا يُرى بل يُفكَّر فيه.
أما لغة المجموعة فهي تميل بوضوح إلى الشعرية.. شعرية مضبوطة الإيقاع، لا تتباهى بنفسها، ولا تسعى إلى الإدهاش المجاني، الجملة غالبًا قصيرة أو متوسطة، تعتمد على الإيقاع الداخلي، وعلى الصورة التي تنبثق بهدوء، لا على الزخرفة البلاغية، وهذه اللغة تفسح المجال للمعنى كي يتشكل ببطء؛ لذلك لا يشعر القارئ أن الشعرية عبء بل يشعر أنها ضرورة، لأن التجربة نفسها لا يمكن قولها بلغة مباشرة أو تقريرية، إننا أمام كتابة تعرف حدودها وتعرف متى تتقدم ومتى تصمت.
وذلك السرد الهادئ البوَّاح لم يترك الأنثى.. فهي حاضرة في النصوص حضورًا لافتًا، بوصفها حافظة للذاكرة، ومرآة للزمن الأول.. فنجد الأم، الجدة، الحبيبة، يظهرن في لحظات مفصلية ليمنحن السرد جذوره الشعورية.. والمتوقف أمام مشهد الجدة أمام التلفاز مثلًا سيجده مشهدًا لا يُبنى على السخرية من بساطة الاعتقاد، ولن يتقبله القارئ بعقله أو حتى يجرؤ على تفكيكه عقلانيًا، هذا المشهد يُقدَّم بوصفه لحظة اصطدام بين وعيين: وعي فطري يصدق العالم كما يُعرض، ووعي حداثي مثقل بالشك والمعرفة؛ المفارقة هنا معلّقة كما هو حال أغلب أسئلة الكتاب.
ما يميز "هوامش على دفتر الذاكرة" أن نصوصه تبدو للوهلة الأولى كأنها كتابات هامشية: مشاهد صغيرة، تأملات عابرة، نتف من الذاكرة لكنها في الحقيقة تشكّل متنًا كاملًا لتجربة إنسانية عميقة.. العنوان نفسه يشتغل بوصفه مفتاح قراءة: فالهامش هنا ليس خارج النص، بل هو النص ذاته.. إن الكاتب يتعمّد الوقوف على الأطراف، في المناطق التي لا يلتفت إليها السرد التقليدي حيث تتكون الأسئلة الكبرى من تفاصيل تبدو صغيرة.
هذه مجموعة لا تسعى إلى إرضاء القارئ ولا تمنحه أجوبة جاهزة، هي مجموعة تدعوه إلى المشاركة، وإلى أن يرى ذاته في الشقوق، وفي الفراغات، وفي ما لم يُقل صراحة.. نستطيع القول إنها كتابة مفتوحة على احتمالات القراءة، وعلى ذاكرة القارئ نفسه الذي يجد وهو يتقدم في الصفحات أن ما يُقرأ ليس فقط ذاكرة الكاتب بل ذاكرته هو أيضًا وقد كُتبت بقلم غيره.
بهذا المعنى، لا يمكن التعامل مع "هوامش على دفتر الذاكرة" لأدهم سراي الدين إلا كتجربة سردية وجودية تشتغل على الإنسان حين يتأمل حياته من مسافة العراب، ويكتشف أن أكثر ما بقي منها لم يكن في المتن بل في الهوامش.
|