|
القاهرة 13 يناير 2026 الساعة 11:47 ص

عاطف محمد عبد المجيد
في تفسيره لعنوان كتابه "العفريتة" الصادر عن الهيئة العامة للكتاب، يقول الكاتب محمد سلماوي مستهلًّا كتابه هذا: "قبل اختراع التصوير الرقمي كان هناك ما يُسمى بالعفريتة، وهي التي كانت تُستنسخ منها الصور، وفي العفريتة تكون الألوان معكوسة، فالأسود أبيض والأبيض أسود، ومن خلال هذه الألوان المعكوسة كانت تُطبع الصورة بشكلها الصحيح".
في كتابه "العفريتة" يجمع سلماوي العديد من المقالات التي كتبها ونشرها على مدار سنوات، مُصنّفًا إياها إلى: مصر المحروسة - سياسة – أمور الدين – ثقافة – صحافة وإعلام – شئون دولية – إسرائليات، وكل عنوان من هذه العناوين الرئيسة نقرأ تحته عددًا من المقالات.
هنا يقول سلماوي إننا، في العالم العربي، كثيرًا ما نُسمي الأشياء بغير أسمائها لأن ثقافتنا محدودة جدًّا، ودائرة اطلاعنا ضيقة للغاية.أيضًا يكتب سلماوي عن مصر بلد السياحة وكيف يراها السائحون الأجانب حيث يصدقون أحيانًا ما يُشاع عن مصر وعن العمليات الإرهابية التي تُقلق أمنهم وتجعلهم يخافون أن يأتوا إليها، مع أنها في الأساس بلد الأمن والأمان، وما يحدث في غيرها من البلدان يفوق ما يحدث في مصر مئات المرات.
المليم والنكلة
هنا أيضًا يُذكّر سلماوي قارئه بالمليم والنّكْلة والقرش وعن قيمتها الشرائية وأنها كانت عملات معدنية..والله يرحم أيام زمان، أيام ما كان كيلو اللحمة ببضعة قروش!
هنا يكتب سلماوي كذلك عن فستان يسرا، وعن الشباب الذين يلقون حتفهم غرقًا في البحر باحثين عن الرزق بالعملة الصعبة متفقًا مع ما ذهب إليه المفتي من وصف هؤلاء بالطماعين!
هنا أيضًا يرى الكاتب أن من عيوبنا الشائعة أننا ليس لدينا تفكير مستقبلي، وأننا ننتظر وقوع الكارثة كي نتعامل مع أسبابها، بدلًا من أن نتخذ من الخطوات ما يحول دون وقوعها.في مقالاته هذه ينتقد سلماوي بعض السلوكيات البشرية التي تحدث من بعض البشر، كما ينتقد بعض العادات السئية التي يمارسها البعض.
هنا وفي عفريتته يعلن الكاتب أنه ممن يؤمنون بأن العبقرية الوطنية تعيش من جيل إلى جيل، ولا تندثر مع مرور الزمان، لذلك فإن عبقرية المصريين القدماء ما زالت تعيش معنا، ومن يقولون إنها ذهبت حيثما ذهبوا مخطئون.
سلماوي متهكمًا على كثرة ما يصدر من فتاوى يقول إنه ليس مع من يصورون حال المسلمين على أنه قمة الجهل والتخلف، فيكفي أن ننظر كيف أصبح الشيوخ يتبارون في ما بينهم للإتيان بأفضل الفتاوى التي ترفع من شأن المسلمين أمام العالم.يكفي أن ننظر كيف أصبحوا يتبارون لتقديم صورة مشرفة للإسلام أمام العالمين، تثبت أنه دين العقل والتقدم والحداثة والعدالة والإخاء، دين المستقبل، مؤكدًا أن شيوخ الوطن العربي والإسلامي لا هم لهم إلا إصدار الفتاوى المبتكرة التي تهدف إلى تحديث الفكر الديني والوصول إلى التفسير العصري للدين، الذي يثبت أن الإسلام هو دين كل العصور، لأنه يتماشى مع التقدم والعصرية.
ومعترضًا على وقْف إصدار مجلة إبداع ، يكتب سلماوي قائلًا إن الإبداع في مجتمعنا لا لزوم له كما هو معروف، فلماذا نضيّع فيه الوقت، لا لسبب إلا لأننا نريد مسايرة بعض الدول الأخرى التي تختلف تقاليدها عن تقاليدنا، فهم يهتمون بالإبداع ويكرمون رجال الفكر والثقافة والفنون ويزهون أمامنا دون خجل بأسماء أدبائهم، ويرصدون مئات الآلاف من الدولارات لمكافأة المتميزين من الكتاب والروائيين والشعراء، فيقدمون لهم جوائز نوبل وبوكر وجونكور وبولتزر، لكن ما لنا نحن بكل ذلك؟ نحن، يقول الكاتب، تشغلنا قضايا أخرى أكثر إلحاحًا مثل هل التماثيل حلال أم حرام؟ كيف ندخل دورة المياه؟ نرتدي خاتم الزواج من الفضة أم الذهب!
تطبيل وتزمير
في مقاله " أنا أطبّل..إذن أنا موجود " يقول سلماوي إنه ما بين التطبيل والتزمير الذي تضج به بعض الصحف، والتهجم والسباب الذي تضج به صحف أخرى، يضيع القارئ الحقيقي الباحث عن المعلومة الموثقة والتحليل الموضوعي.
وفي مقاله "باموك وسجائر أمريكا" يقول إن الكاتب التركي أورهان باموك الحائز جائزة نوبل قال له إنه يؤمن بنظرية فرويد التي تقول بأنك إذا قمعت شيئًا فإنه يعود حتمًا للظهور ولكن في شكل آخر، وهو يعتقد أن الدولة التركية الحديثة منذ أن أسسها مصطفى كمال أتاتورك قد قمعت أشياء كثيرة وأصيلة في المجتمع التركي، وهذا هو أحد أسباب ظهور الإسلام السياسي في تركيا الآن.
في "عفريتته" أيضًا يظهر الكاتب إعجابه الشديد بالالتزام الأمريكي بحقوق الكلاب، فالمجتمع الأمريكي يحترم الكلاب ويراعي حقوقها الأدبية والطبيعية والمالية أيضًا، وفي أمريكا كلاب أصبحت مليونيرات توفي أصحابها وتركوا لها وصية بثروتهم الطائلة، وقد احترم المشرع الأمريكي تلك الوصية ولم يعتبرها سفهًا!
وتحت عنوان مقاله "لن أزور اليابان ثانية" يكتب سلماوي قائلًا إنه في كل مرة يزور اليابان يعاهد نفسه ألا يعود ثانية إلى تلك البلاد، التي لا بد أن تصيب كل مصري بالأسى لما بها من تقدم ونظافة ونظام وأدب جم، وهي كلها بالطبع أشياء لا لزوم لها كما نعرف في مصر، بل هي مضيعة للوقت، فنحن مشغولون هنا بالتخلف والقذارة والهرجلة وقلة الأدب، ولا وقت عندنا لتلك التوافه اليابانية التي عفى عليها الدهر، والتي أقلعنا عنها منذ ما يقرب من نصف قرن من الزمان.
وساخرًا مما تفعله إسرائيل يقول الكاتب إن كل هذا يجب أن يدفعنا نحن العرب إلى ضرورة تغيير نظرتنا لإسرائيل والاقتناع أخيرًا بأنها دولة محبة للعرب، وأنها تسعى بكل الطرق إلى السلام، كما يجب أن يدفعنا أيضًا إلى ضرورة مبادلة ذلك الحب العنيف الذي تكنّه إسرائيل للعرب بحب لا يقل عنه عنفًا!
|