|
القاهرة 13 يناير 2026 الساعة 11:41 ص

بقلم: نبيل بهاء الدين
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية تعمل في الخفاء، بل أصبح عنصرًا فاعلًا في تشكيل الوعي المعاصر، يتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة اليومية، ويطرح أسئلة جوهرية تمس جوهر الثقافة ذاتها: ما معنى الإبداع؟ ومن هو المبدع؟ وأين تقف حدود الإنسان أمام آلة تتعلم وتنتج وتحاكي؟
في السياق الثقافي، لا يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره خطرًا مجردًا أو خلاصًا مطلقًا. إنه، في جوهره، امتداد لمسار طويل من التفاعل بين الإنسان وأدواته، لكنه امتداد أكثر تعقيدًا، لأنه لا يكتفي بالتنفيذ، بل يشارك – ظاهريًا – في التفكير، والتحليل، وحتى في إنتاج النصوص والصور والموسيقى.
الثقافة، بوصفها تراكمًا للخبرة الإنسانية والذاكرة الجمعية، تقوم على التجربة والوعي والسياق. وهنا يبرز التحدي: فالذكاء الاصطناعي لا يمتلك تجربة ذاتية، ولا ذاكرة شعورية، بل يعتمد على تحليل أنماط ومعطيات سابقة. ومع ذلك، فإن قدرته على إعادة تركيب هذه المعطيات تضعه في منطقة رمادية بين الأداة والفاعل الثقافي. هذه المنطقة هي ما يستدعي نقاشًا جادًا، لا يقوم على الرفض التلقائي ولا على الانبهار الساذج.
في الأدب والفنون، بدأت تظهر أعمال كُتبت أو رُسمت أو لُحنت بمساعدة الذكاء الاصطناعي. بعضها يثير الدهشة التقنية، وبعضها يفتقر إلى الروح، لكنه في الحالتين يدفعنا إلى إعادة التفكير في مفهوم الأصالة. هل الأصالة في الفكرة أم في التجربة؟ في النتيجة أم في المعاناة التي سبقتها؟ الثقافة، هنا، تُعيد طرح أسئلتها القديمة بلغة جديدة.
الأخطر -وربما الأهم- ليس ما ينتجه الذكاء الاصطناعي، بل كيف نستخدمه ثقافيًا. فحين يتحول إلى بديل عن القراءة، أو عن التأمل، أو عن المحاولة الإنسانية في الفهم والتعبير، يصبح خطرًا حقيقيًا على الوعي. أما حين يُستخدم كوسيط، أو كأداة بحث وتوسيع أفق الديموقراطية فإنه قد يسهم في المعرفة، ويمنح الثقافة فرصًا جديدة للانتشار والتنوع.
من زاوية أخرى، يطرح الذكاء الاصطناعي تحديات أخلاقية وثقافية تتعلق بالتحيز، والملكية الفكرية، وطمس الأصوات الهامشية. فإذا كانت الثقافة فعل مقاومة للنمط الواحد، فإن أي تقنية تُعيد إنتاج السائد بلا نقد تُهدد هذا الدور. هنا تظهر مسؤولية المثقف والمؤسسات الثقافية في توجيه النقاش، لا الاكتفاء بدور المتفرج.
الثقافة في عصر الذكاء الاصطناعي ليست في مواجهة مع الآلة، بل في مواجهة مع طريقة التفكير التي تختزل الإنسان إلى بيانات، والإبداع إلى معادلات. الدفاع عن الثقافة هو دفاع عن المعنى، عن التجربة الإنسانية بكل تناقضاتها، وعن الحق في الخطأ والمحاولة والاختلاف.
في النهاية، سيبقى الذكاء الاصطناعي جزءًا من المشهد، لكنه لن يكون بديلًا عن الإنسان ما دامت الثقافة تُنتج من سؤال، ومن قلق، ومن رغبة في الفهم. فالآلة قد تُحسن المحاكاة، لكنها لا تعرف لماذا تكتب، ولا لماذا تحلم. وهنا، تحديدًا، يبدأ دور الثقافة… ولا ينتهي.
|