|
القاهرة 11 يناير 2026 الساعة 06:20 م

بقلم: محمد خضير
أرى أن انطلاق الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي بالقاهرة يعد حدث ثقافي دولى مهم، بمثابه إعلان عن عودة المسرح إلى مركز المشهد، وعودة القاهرة إلى موقعها الطبيعي كعاصمة للخيال العربي، ومختبره المفتوح على الأسئلة الكبرى.. برعاية الرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس الجمهورية، حيث بدا مشهد الافتتاح كاستعادة واعية لدور الدولة حين تتحالف مع الفن بوصفه قوة بناء لا زينة احتفال.
كما أن فتح القاهرة أبوابها لأكبر نسخة في تاريخ المهرجان، بمشاركة أكثر من سبعمائة مسرحي عربي، فذلك يعني أن الرهان لم يعد على العرض وحده، بل على المناخ الثقافي بأكمله: مناخ يسمح للفكرة أن تُجرب، وللجمال أن يُقترح، وللسؤال أن يُطرح دون خوف.. هنا، لا يُستدعى المسرح كذكرى، بل كفعل حي، قادر على تجديد اللغة والوعي معًا.
* بناء الإنسان:
في هذا السياق، تتجلى أهمية الدور القيادي الذي يضطلع به الدكتور أحمد فؤاد هَنو، وزير الثقافة، في إدارة المشهد الثقافي بمنطق الشراكة والتعاون، حيث يتحول الاحتضان الرسمي للمهرجان إلى رسالة واضحة بأن المسرح جزء أصيل من مشروع بناء الإنسان.. وإلى جواره، يبرز الكاتب إسماعيل عبد الله، أمين عام الهيئة العربية للمسرح، بوصفه مهندسًا لفكرة عربية جامعة، نجحت في تحويل المهرجان من فعالية دورية إلى كيان ثقافي عابر للحدود، يربط العواصم العربية بخيط مسرحي واحد.
* المنسق العام للمهرجان:
ولا يمكن قراءة هذه الدورة بمعزل عن الحضور التنظيمي والفني للمخرج الكبير خالد جلال، المنسق العام للمهرجان، الذي يمثّل جسرًا بين الخبرة المؤسسية والوعي الإبداعي، وبين تقاليد المسرح المصري وأسئلة التجريب العربي المعاصر، إلى جانب غنام غنام، الذي يرسخ للإعلام المسرحي بوصفه خطابًا ثقافيًا لا مجرد تغطية.
وتزامن المهرجان مع اليوم العربي للمسرح لم يكن تفصيلًا شكليًا، بل لحظة دالة أعادت طرح سؤال المسرح بوصفه فعلًا نقديًا، كما أكدت كلمة الدكتور سامح مهران، التي أعادت الاعتبار للمسرح كقوة أخلاقية قادرة على زعزعة النمطيه، ومواجهة مشاهد التكرار، وترسيخ مكانه الإنسان أكثر فى قلب الفعل الاجتماعي.
أما التكريمات التي شهدها الافتتاح، فقد بدت كبيان وفاء لتاريخ طويل من الاشتباك الجمالي والفكري، حيث التقت أسماء مثل: محمد صبحي، أحمد بدير، فردوس عبد الحميد، عبلة الرويني، مراد منير، ناصر عبد المنعم، فاطمة المعدول، وعشرات غيرهم، في لحظة اعتراف بأن المسرح لا يُصنع بالنجومية وحدها، بل بالاستمرار، والعمل الصامت، والتراكم المعرفي.
* أفق لمسرح عربي جديد:
وأخيرا وليس بآخر فأن تعود القاهرة لاحتضان مهرجان المسرح العربي للمرة الثالثة، فذلك يعد تأكيدًا على علاقة خاصة، علاقة أقرب إلى الأمومة الثقافية، حيث لا تستضيف مصر المسرحيين العرب بقدر ما تستعيد أبناءها، وتفتح لهم مسارحها باعتبارها بيوتًا مفتوحة للجدل والحلم والتجريب، وايضا يمكن القول إن هذه الدورة لا تقدم عروضًا فحسب، بل تقترح أفقًا: أفقًا لمسرح عربي جديد، متجدد، لا يهرب من واقعه ولا يستسلم له، مسرح يملك الشجاعة ليكون ابن عصره، والقدرة ليصنع زمنه.. ومن القاهرة، يبدأ السؤال من جديد.
|