|
القاهرة 06 يناير 2026 الساعة 03:53 م

بقلم د. هويدا صالح
تُعد الترجمة أكثر من مجرد عملية نقل للألفاظ من لغة إلى أخرى؛ إنها الجسر الحيوي الذي يربط بين ضفاف الوعي الإنساني، والوسيلة الأعمق لتبادل الرؤى بين الحضارات. فخلف كل مفردة يكمن إرث من العادات، والرموز، والارتباطات الوجدانية التي تشكلت عبر القرون.
وحين يشرع المترجم في عمله، فإنه لا ينقل نصوصاً جافة، بل ينقل سياقات ثقافية كاملة؛ فهو يعيد صياغة "المعنى" بما يتناسب مع بيئة المتلقي الجديد دون أن يفقد النص هويته الأصلية. بهذا المعنى، تصبح الترجمة فعلاً تأويلياً بامتياز، يسعى لتقريب المسافات بين "الأنا" و"الآخر"، محولاً الاختلاف الثقافي من عائق إلى مصدر للثراء المعرفي.
يعتبر المترجم في العصر الحديث أكثر من مجرد "ناقل للكلمات"؛ إنه دبلوماسي فكري ومهندس جسور يعمل في منطقة التقاطع الحساسة بين هويتين مختلفتين. فدوره لا يقتصر على إيجاد المقابل اللغوي، بل يمتد ليشمل فك شيفرات الرموز الثقافية وإعادة صياغتها بما يضمن فهمها وقبولها في السياق الجديد.
تفكيك الشفرة الثقافية (Decoding)
لكل ثقافة "شفرات" خاصة بها تظهر في اللغة على شكل استعارات، أمثال شعبية، أو إشارات تاريخية ودينية. المترجم البارع يبدأ كباحث سيميائي (علم العلامات):
ـ يحلل المترجم ما وراء النص؛ فكلمة بسيطة قد تحمل دلالة "سياسية" في ثقافة ما، ودلالة "روحية" في ثقافة أخرى.
ـ يعمل المترجم على فهم الخلفية الأيديولوجية للنص الأصلي ليعرف كيف يفككها دون أن يشوه جوهرها.
إعادة التركيب والترميم الثقافي (Recoding)
هنا يبرز دور المترجم كمن يقوم بصهر المعنى الأصلي وإعادة صبّه في قالب ثقافي جديد.
كما يقرر المترجم متى "يقرب" النص للمتلقي ليجعله مألوفاً، ومتى يحافظ على "غرابة" النص ليحترم خصوصية الثقافة المصدر.
وفي حال غياب مفهوم معين في الثقافة الهدف (مثل مفاهيم فلسفية أو طقوس اجتماعية خاصة)، يقوم المترجم بدور "المفسر" الذي يصيغ شروحاً ذكية تدمج المفهوم الجديد في وعي القارئ.
وتتجلى دبلوماسية المترجم في قدرته على إدارة "الصراع الثقافي" داخل النص:
ـ تلطيف الصدمات الثقافية: في بعض الأحيان، قد يحتوي النص الأصلي على تعبيرات قد تُفهم بشكل خاطئ أو عدائي في الثقافة الأخرى. هنا يتدخل المترجم "كدبلوماسي" لاختيار مفردات تحافظ على "القصد" مع تجنب "الصدام" غير المبرر.
ـ تعزيز الحوار لا الهيمنة: المترجم الدبلوماسي هو من يمنع سيطرة ثقافة قوية على ثقافة أخرى، بل يجعل من الترجمة مساحة للندية والتبادل المعرفي المتكافئ.
إن دور المترجم كوسيط يجعله دائماً أمام معضلة: هل يخلص للكلمة (الأمانة اللفظية) أم يخلص للقارئ (الأمانة الثقافية)؟ الدبلوماسي الفكري الناجح هو من يدرك أن الأمانة الحقيقية هي نقل "الأثر" الذي تركه النص الأصلي في نفوس أصحابه، إلى نفوس القراء الجدد.
الترجمة الثقافية عند هومي بابا:
عندما يتحدث هومي ك. بابا عن "الترجمة الثقافية"، فهو لا يشير إلى عملية نقل سلبية للمعاني بين لغتين أو ثقافتين، بل إلى فعل إبداعي تحويلي يجري في منطقة الالتقاء بين المختلفين. الترجمة الثقافية، في هذا الإطار، تشبه عملية الاستيعاب الانتقائي والتحويل الجذري، حيث يصبح العنصر "الوافد" مادة خام تُصهر في بوتقة السياق المحلي لتنتج مركبًا جديدًا تمامًا.
آليات عمل الترجمة الثقافية:
1. الانزياح الدلالي والتعديل السياقي:
عندما تترجم ثقافة ما مفهوماً عالمياً، فإنها:
- تغيّر إطاره المرجعي: فالديمقراطية، مثلاً، تكتسب أبعاداً مجتمعية جماعية في سياقات ثقافية تضع الجماعة فوق الفرد.
- تعيد تشكيل أولوياته: قد يُعاد ترتيب قيم المفهوم الوافد على الثقافة المحلية ليتناسب مع التسلسل الهرمي القيمي المحلي.
- تخلق توتراً إبداعياً: بين المعنى الأصلي والمعنى المُعاد إنتاجه، ينشأ توتر يُنتج طاقات إبداعية جديدة.
2. إنتاج الفضاء الثالث (The Third Space)
هذا المفهوم المحوري عند بابا يصف منطقة التوليد الثقافي التي تنشأ عند الترجمة:
- ليس مكاناً جغرافياً: بل حالة وجودية ونفسية حيث تتلاقى التأثيرات.
- منطقة عدم استقرار خلاق: حيث لا يهيمن منطق الثقافة المصدر ولا منطق الثقافة المستقبلة.
- ورشة دائمة للإنتاج: كل ترجمة تعيد إنتاج الفضاء الثالث نفسه، مما يجعله ديناميكياً ومتغيراً.
أمثلة تطبيقية من السياق العربي
1. ترجمة مفهوم "الفردانية"
- الترجمة الحرفية: اعتماد النموذج الغربي للفرد المستقل المنفصل.
- الترجمة الثقافية: إنتاج نموذج "الفرد في الجماعة" - حيث تتحقق الذاتية من خلال الانتماء لا بالانفصال، وتُمارس الحقوق ضمن شبكة من الواجبات المجتمعية.
2. ترجمة أشكال التعبير الفني:
- الرواية العربية الحديثة: ليست مجرد نقل للشكل الغربي، بل هي إعادة ابتكار تستعيد تقاليد السرد العربي (المقامة، الحكاية الشعبية) داخل إطار روائي حديث.
- المسرح العربي: يحوّل أشكالاً مسرحية عالمية إلى وسائل للتعبير عن هموم محلية، مستخدماً لغة مسرحية تجمع بين التراثي والمعاصر.
الترجمة الثقافية كفعل مقاومة:
1. مقاومة التماثل (Homogenization)
الترجمة الثقافية تمارس مقاومة عن طريق:
- إبطال ادعاء العالمية: تظهر أن ما يُعتبر "عالمياً" هو في الحاصل محلي موسع.
- إنتاج تماثل غير متماثل: قبول الشكل مع رفض المضمون، أو العكس.
2. إعادة كتابة التاريخ
الترجمة الثقافية تسمح للمجتمعات بـ:
- قراءة تاريخها بلغة مفاهيم جديدة: دون فقدان خصوصية التجربة.
- تحدي السرديات المهيمنة: من خلال تقديم روايات بديلة تُترجم التجربة المحلية إلى لغة يفهمها العالم، ولكن دون خضوع لمنطقه.
تحديات الترجمة الثقافية المعاصرة
1. اختلال موازين القوة
- الترجمة أحادية الاتجاه: هيمنة التدفق من المركز إلى الأطراف.
- الاستيلاء الرمزي: تحويل الترجمات الثقافية إلى سلع في السوق العالمية.
2. صراعات داخلية
- النخب المترجمة: التي قد تنفصل عن سياقها المحلي في عملية الترجمة.
- الصراع بين الترجمات: ترجمات محافظة مقابل ترجمات تقدمية للمفاهيم نفسها.
رؤية مستقبلية: نحو أخلاقيات جديدة للترجمة:
الترجمة الثقافية عند بابا لا تقدم فقط أداة للتحليل، بل "مشروعاً أخلاقياً" يقوم على:
1. التعرف على الاختلاف: ليس كعائق، بل كشرط للحوار.
2. قابلية التأثر المتبادل: الاستعداد للتغير عبر اللقاء مع الآخر.
3. إنتاج المشترك دون إلغاء الخصوصي: البحث عن أرضية مشتركة تثريها الاختلافات لا تمحوها.
|